اجتماعيات

مفهوم التصوف، والإلتباس الحاصل بسبب اسمه

التصوف
mm
إعداد: غياث عباس

لم تتعرض كلمة للإبهام كما تعرض له مفهوم التصوف، فإن أي مفهوم يرتكز إلى أسس تحرك المعنى وتنجره، كالجذر اللغوي والسياقات التاريخية والثقافية، وعمليا فإن هذه الركائز قابلة للدراسة والفهم، ولكن الذي حدث مع مفهوم التصوف على ما يبدو أنه اشتباه لغوي كما سيتبين من دراسة ركائز المفهوم في هذا المقال.

الجذر اللغوي:

مجمل الكتابات التي درست التصوف أعادته إلى مادة (الصوف!) لعلاقة ما بين لبس الصوف والزهد والتصوف وهذا الجذر الأول.

أما الجذر الثاني فيعود لكلمة صوفي (Sophia) أي الحكمة والمعرفة والتي اشتقت منها كلمة فلسفة (philosophy) التي تعني حب المعرفة والحكمة، وهذا الجذر يوناني والكلمة مألوفة عربيا، وذلك أن المعارف اليونانية قامت على رافدين؛ الأول كنعاني (فينيقي) والثاني مصري. ولا يبعد أن تكون مصار المفردات اليونانية المتعلقة بالعلوم والمعارف شرقية، بل قد تفاجئك الكلمات المشتركة بين اليونانية والعربية. والتفريق بين الجذرين سيكون له دلالات عميقة، بل سيكشف لنا حملات التضليل التي يقودها دعاة التصوف المعاصرين ومن لف لفيفهم.

ومن الناحية التاريخية فلم تتبلور الصوفية كمفهوم حتى القرن الرابع الهجري بين 913 إلى 1010م بعد قرن كامل من الترجمات وتوسع الدولة إلى أقصى حد لها. ففي القرن الثالث لم تكن الكلمة تعني سوى دلالات الآداب والأخلاقيات والتقشف والزهد، وهو قرن الفقه الذي عاش فيه تلامذة الشافعي وابن حنبل وولد فيه مسلم والترمذي، أما القرن الرابع فهو قرن الفلسفة والمذاهب والعلوم فهو عصر المتنبي والبيروني وابن الهيثم وابن سينا.

تصوُّف الأمم: الانتحال والتلبيس في المعنى والمدلول

ومن هنا يمكن فهم الانشقاق الكبير في معنى التصوف ومفهومها، فالأول يعود إلى التقشف والزهد مستندا للمعطيات الفقهية وهو التصوف اللاهوتي، بينما تابع التصوف الفلسفي رحلته إلى ما هو أبعد.

1. التصوف الفلسفي:

استطاعت عبقرية الفارابي أن تنقل التصوف الفلسفي من الثرى إلى الثرية حين أدخل مفهوم العشق في الأدوات المعرفية في فهم الوجود والكون، ففي حين كان ابن الهيثم يؤسس للفيزياء المعاصرة من خلال الضوء والمادة؛ اتجه الفارابي إلى النور والمعنى، فمن وجه نظر الفارابي في فهم نشأة الكون:

إنه كان في البداية عقل أول، عرف نفسه فعشقها، فاض عنه عقل ثان وفلك.

وهذا عرف نفسه ممكن بذاته واجب بغيره، فعشقها، ففاض عنه عقل ثالث وفلك.. وهكذا حتى العقل العاشر.

وسميت بنظرية الفيض، بمعنى آخر فإن الفارابي قلب المعادلة على العلوم الطبيعية، ولم يكترث بما توصل إليه علماء عصره وجعل من العشق منهجا معرفيا تقارب الأداة فيزيائية في عملها. ولم تلبث الفكرة إلا قليلا حتى جعلها أبو التصوف الفلسفي محي الدين ابن عربي من العشق أداة محورية في فهم الأفكار. بمعنى آخر، فإن ابن عربي حول العشق إلى المكنة التي يقيس عليها صحة الأفكار وبطلانها، فتشير المعطيات أنه أعاد التفكير في الدين نفسه فبدا دين ابن عربي مختلفا جدا عن الدين الرسمي ومن اجمل أشعاره وأشهرها بهذا المجال قوله:

لقدْ صارَ قلبي قابلاً كلَّ صورة… فمَرْعًى لغِزْلاَنٍ وديرٌ لرُهْبانِ

وبَيْتٌ لأوثانٍ وكعبة طائفٍ… وألواحُ توراة ومصحفُ قرآنِ

أدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهتْ… رَكائِبُهُ، فالحُبُّ ديني وإيماني

بينما قلبت المقولة العشقية حياة جلال الدين الرومي رأسا على عقب، فبعد أن تعرف جلال الدين على شمس التبريزي تخلى عن كل ما تعلمه من علوم فقهية، وأشاح بوجهه عن رياسة عصره دينيا، إذ استخلص الرومي أن العشق هو الرابط بين الانسان والكون، فادخل الموسيقى والرقص دورانا كما يدور الكون حول نفسه في حالة انسجام مطلق مع حركة الكون، كما لو أنه ينغم رنينا مطربا للسالك، فيخلع عنة السترة السوداء وهي رمز الظلمة الناتجة عن التلوث برذيلة السلطات السياسية والدينية والتوجه نحو المطلق، ببياض ثوبه الباطن، حتى يذوب في الوجود كوحدة لا تنفصم.

جلال الدين الرمي

وعلى غراره كان شهاب الدين السهروردي القتيل الذي أسس مذهبا فلسفيا عرف بالإشراق، الذي يقوم على أن التوجه الكامل للمطلق، وإزالة الموانع المادية بين العقل والمعرفة بواسطة العشق كطريق للحكمة، بمعنى أن الانسان عالمٌ عارفٌ بذاته، إنما الذي يمنع عقله عن الإدراك هي الحجب المادية فما إن يعمد السالك إلى إزالة تلك الموانع حتى تشرق الحكمة على العقل دون تعلم كسبي.

وعليه: فلا مكان للزهد والتقشف في التصوف الفلسفي، بل الزهد في السلطات السياسية والدينية والمناصب ومواجه عنيدة ضد السلطات التي اعتادت شراء ذمم المثقفين والمفكرين، وحالة من المقاومة لصالح الضعفاء والفقراء بين الشعب.

كما نفهم من السياق التاريخي للتصوف الفلسفي أنه ظهر في عصر ازدهار المعارف والعلوم والرخاء المادي وظهور الطبقات الاجتماعية الميسورة والمتوسطة الحال. فجاء التصوف الفلسفي في سياق تقدم العلوم المادية، بمعنى أنه حاول تقديم جرعة معنوية للفهم المادي للكون، وحاول التركيز على المعاني الانسانية والفنون والموسيقى، وهو ما يتشابه في عصرنا مع الفنون التشكيلة التجريدية والتعبيرية وموسيقا الجاز وباقي الفنون التي تحاول دائما تذكيرنا بإنسانيتنا وقيمنا وأخلاقنا.

رقص

صورة لـMark Olich

فيمكن تعريف التصوف الفلسفي بأنه آليه معرفية تعتمد أساليب النقاء الداخلي والسكينة وإبعاد المؤثرات الخارجية بهدف الوصول إلى الحقيقة. والحقيقة هنا ليست لاهوتية إطلاقا، بل الحقيقة مهما كانت. ولا يجب أن ننسى أنه من أهم المتصوفة كانوا ملاحدة ولعل أشهرهم عمر الخيام الذي قال في الخمر:

هات اسقنيها أيهذا النديم…

أخضب من الوجه اصفرار الهموم.

وإن مت فاجعل غسولي الطلى…

وقد نعشي من فروع الكروم.

وفي السياق نفسه ينبغي التنويه لأهم فلاسفة التصوف من الملاحدة وهو أبو العلاء المعري، الذي جعل من إلحاده رافعة فلسفية، لامس بها تخوم الصدق الإنساني، ويذكر له سوابق أخلاقية تجرم المساس بحياة الكائنات الحية فيقول على سبيل المثال:

فلا تأكُلْن ما أخرجَ الماء، ظالماً… ولا تبغِ قوتاً من غريض الذّبائحِ.

ولا تفجَعَنّ الطّيرَ، وهيَ غوافلٌ… بما وضعتْ، فالظّلمُ شرُّ القبائح.

ودعْ ضرَبَ النّحل، الذي بكَرت… له، كواسِبَ منْ أزهارِ نبتٍ فوائح.

فما أحرزَته كي يكونَ لغيرِها… ولا جمَعَتْهُ للنّدى والمنائح.

بَني زمني، هل تعلمون سرائراً… علمتُ، ولكني بها غيرُ بائح؟

وصاحَ بكم داعي الضّلال، فما لكم… أجَبتمْ، على ما خيّلتْ، كلَّ صائح؟

متى ما كشَفْتمْ عن حقائقِ دِينِكمْ… تكشّفتمُ عن مُخزياتِ الفضائح.

2. التصوف اللاهوتي:

منذ أن دخلت الجحافل العثمانية الأراضي العربية، دخلت شعوب الشرق في سبات قارص، ما ينوف على أربعة قرون، لم تتقدم اللغة العربية قيد أنملة، فلا صوت لشاعر ولا أديب ولا حتى فقيه، الفلسفة في الحضيض، والعلوم معطلة، والأفكار محظورة، ولا شيء سوى صدى سنابك الجيش الإنكشاري، تجمع المؤن من قرويين جوعى، تنتزع الفتيان من عوائلهم لزجهم في حرب توسعية بلا طائل. إنها فترات الانهيار والانحطاط والظلام.

هي الفترات التاريخية التي تزدهر فيها العربدة من جهة؛ والتصوف اللاهوتي من جهة أخرى، ففي هذه الفترة انتعشت الطرق الصوفية، وهي الوسط الموبوء بالتخاريف والدجل والهيسترية الجماعية، والتي جاءت ردا على مظاهر العربدة والبلطجة؛ ودعني أسميها مع بعض التجاوز بـ(الزندقة) التي تنشر في ذات الحين.

ولتوضيح معنى الزندقة هنا، سآتي بمثال يومي في مددنا العربية المتهالكة المعاصرة، هل سبق لك أن دخلت حيا منهكا بالفقر ولم يجد حظا في فرص التعليم؟ أما لاحظت أولئك الشبان المترامين على أطرافه، بلا عمل، ولا نصيب من المعرفة، يترنحون من أثر المخدرات والكحول؟ هل لاحظت تلك النظرات العدائية للمارة ولا سيما الغرباء؟ طبعا لاحظت ذلك، ولاسيما أن كبريات المدن العربية (دمشق، بيروت، القاهرة، الجزائر العاصمة، الرباط) وسواها، تشكل أحزمة الفقر وبيوت الصفيح والعشوائيات ما يقارب الـ50% من مجمل مساحاتها. أما لاحظت أيضا بيوت الدعارة وشبكات الإتجار بالبشر؟ أما لاحظت النوادي الليلية الذكورية المترعة بأشكال العنف والغناء الرديء؟ فهذه هي الزندقة التي أقصدها هنا.

احد الاحياء التونسية الفقيرة

احد الاحياء التونسية

والرد الطبيعي للمجتمع المحافظ هو الإلتحاق بالطرق الصوفية، وبالتالي يرى الصوفي أنه ينفق وقته – الفارغ أساسا – بما يرضي الرب ولا ينجر لمهالك الانحراف اللاأخلاقي، إذ إن فكرة التصوف اللاهوتي تقوم على مجموعة من السلوكيات الزهدية والأذكار، يعلمها الشيخ للمريد، ويعبر من خلالها السالك حتى يصل لله.

بمعنى آخر فإن التصوف اللاهوتي هو ترويض النفس على قبول الواقع الرديء، وذلك أن الزهد لا يبدو هنا فضيلة، بل تجد المريد هو أصلا يعيش في فقر مدقع، كما أن اقتصار الهدف على معرفة الله ليس فضيلة، فالمريد لم يحظ بنصيب علمي قط، وأصلا لا يعرف شيئا سوى تعاليم الرب التي تلقنها منذ نعومة أظفاره.

طبعا ظاهرة التصوف اللاهوتي لم تقتصر على المرحلة العثمانية، بل تلك المرحلة كانت الأسوء على الاطلاق، فالتاريخ العربي مر بفترات مماثلة، لكن لم تدم طويلا وأذكر من المرحلة بين خلافة الأمين والمأمون، والمرحلة التي أذنت بسقوط الدولة الفاطمية.

ومن الجدير أن نلاحظ أن التصوف اللاهوتي ليس سلميا على الاطلاق كما يشاع، بل يكتف بداخله على مستوى من العنف ما لا يمكن تخيله، فجيش صلاح الدين الأيوبي كان جله من أتباع الطرق الصوفية، ففي ذاك العصر الذي اختفت فيه الدولة المركزية في بغداد وانهارت الدولة الفاطمية وعاثت الحملات الصليبية فسادا وغزوا؛ جمع صلاح الدين جيشه من صوفية عصره ويذكر التاريخ أنه؛ بالإضافة الى طرده للصليبيين، ارتكب جرائم طائفية مخزية، بما فيها قتله للشيخ الاشراق السهروردي وسواه من فلاسفة مصر وحلب. وحتى وقت قريب فيذكر أن جل المؤديين للدولة الاسلامية في العراق والشام والمحاربين في صفوفها هم من اتباع الطرق الصوفية، كما لا يخفى ارتباط فتح الله غولن المتصوف التركي بالاستخبارات الامريكية وصناع القرار الدوليين والبنوك العالمية.

وعليه اتضح الفرق بين التصوف الفلسفي والتصوف اللاهوتي وسأوجزها على الترتيب:

التصوف الفلسفي: يقوم على العشق والمحبة، يهدف إلى الوصول إلى المعرفة والحقيقة مهما كانت، نشأ في عصر الإزهار المادي وجاء ردا على العلوم الطبيعية والمادية لتذكر الإنسان بأخلاقه، مهتم بنشر السلام والمساواة؛ ليس مع الانسان وحسب بل مع الكون والعالم. الزهد لديه يعني تجنب ذوي السلطان ومناهضة بيع الضمائر للساسة، كسبيل للتعبير عن الذات بحرية دون مراعات رأي الممول. من امتداته التاريخية المعاصر اعمال الموسيقار سيد درويش والقدود الحلبية وأعمال الاخوان رحباني وجانب مما غنته السيدة أم كلثوم.

التصوف اللاهوتي: يقوم على الزهد ولبس الصوف، يهدف للوصول لله ولا يكترث بالحقيقة، نشأ في عصور الانحطاط المادي والسياسي، جاء ردا على الزندقة ويعد الأرضية الخصبة للمنظمات المتطرفة والطائفية، مرتبطة بشكل او بآخر بالسلاطين والتقرب من ذوي المال عمليا، وترتدي الصوف شكلانيا، بما يشبه (اللوغو) الشعار التجاري. من امتداداتها التاريخية فرق الانشاد الصوفي وفرق احياء الموالد التي تترع بالموسيقا الشعبية والكلمات الساذجة في بعضها تجد إهانة حقيقية لما تظن انها تمتدحهم.

في النهاية:

يحاول البعض مؤخرا الدعوة للتصوف كبديل عن التطرف، ولكن وبناء للتفريق السابق تجد أنه يقدم لك محاسن التصوف الفلسفي نظريا بينما هو يدعوا إلى التصوف اللاهوتي عمليا. وبمعنى آخر هو شكل من التضليل سواء كان مقصودا أو عن قلة معرفة، يريد أن يدخل الإنسان المعاصر في التصوف اللاهوتي عن طريف تعريف شيء آخر على الاطلاق، ومن الصحيح أن هناك ارتباط ما بين نوعي التصوف ولكن الفرق بينها كبير لدرجة أنك من الممكن ان تعتبرهما شيئين مختلفين تماما، وما الربط بينها سوى التشابه في الاسماء هو تماما كالفرق بين الصوف والمعرفة اي الصوف والصوفيا والثرى والثريا.

ويخبرنا التاريخ أن الأمم المهزومة تلتحق بركب التصوف اللاهوتي، وتلجأ للخرافة الدينية بينما يلجأ الشق الآخر للزندقة والإنحلال الأخلاقي، ولكأنه قدر المهزومين، ومصير الشعوب لم تستطع اثبات ذواتها. أممٌ لم تتحمل عمق العقلانية فاستهونت الخرافة، ولم تستوعب اللادينية فتهاوت إلى الزندقة.

للتوسع…

  • مختارات من ديوان شمس التبريزي: جلال الدين الرومي، ترجمة ابراهيم الدسوقي شتا [ملاحظة: لا تتوفر ترجمة كاملة لديون شمس].
  • ديوان أبو العلاء المعري.
  • موسوعة تاريخ العلوم العربية من اصدارات مركز دراسات الوحدة العربية.
  • لا يمكن اعتماد رواية سمرقند لأمين ملوف مصدرا تاريخا، ولكن ينصح بقراءتها لتضعك في الجو التاريخي لحقبة عمر الخيام.

مقال من إعداد

mm

غياث عباس

باحث عربي.

عدد القراءات: 8٬133