in

سيدنا بابا نويل الرأسمالي: لن يستطيع مقابلتك للأسف؛ إن كنت لا تمتلك المال الكافي

في مثل هذه الأوقات من كل عام؛ يتفق العالم بالكامل تقريبًا على إحياء ذكرى ميلاد المسيح، وسواء كنت مسيحيا أو مسلما تؤمن بقصة يسوع/عيسى، أو كنت يهوديًا تراه أحد المسحاء الكذبة، أو تتبع غير ذلك من المعتقدات حيث لا يعرفون عن المسيح إلا أنه ذلك الشخص الذي يحظى بشعبية كبيرة، فكل تلك الطوائف اجتمعت على الإيمان بـ”سيدنا بابا نويل“.

قد يضع البعض أسبابًا دينية لذلك الرواج الهائل في مظاهر الاحتفال بأعياد الميلاد وخاصة ما يخص شخصية بابا نويل، مثل أن يقول أحد المسلمين بأن المسيح شخصية دينية يؤمن هو شخصيًا بها فلا داعي للتعجب من الاحتفال بمولده، ولكن بنظرة أعم وأشمل فباقي الأعياد والمناسبات المسيحية –مثل رحلة العائلة المقدسة مثلًا– لا تلقى أي رواج يذكر، على الرغم من أن دولة مثل مصر كان الأولى لسكانها الاهتمام بتلك المناسبة لوجود الناصرية محل إقامة عائلة المسيح في سنوات الهروب من بطش اليهود والرومان، كما أن مقارنة أعياد الميلاد بالمناسبات الدينية الإسلامية والحديث عن مشاركة المسيحيين للمسلمين في استقبال شهر رمضان مثلًا هو مجرد مجاملة محلية لا ترقى لمستوى حدث أعياد الميلاد، وحتى لا يكاد المسلم ذاته يشعر بأجواء رمضان في الدول الغربية.

إذا، لمَ كل هذا التميز لأعياد الميلاد؟ وكيف نجح بابا نويل في حشد أنصار ومحبين تخطى عددهم جميع أتباع أي نبي أو زعيم سياسي؟

السبب الأول يرجع للرسميات

فأيا كان موطنك وأيا كان التقويم الذي تقدسه في معتقدك، يبقى التقويم الميلادي هو الأكثر انتشارًا واستخدامًا وحصدًا للتوافق العام، لذا فأنت لن تشعر بأن هناك تغييرا هائلا يحدث في أوقات رأس السنة الهجرية ولا العبرية مثلًا، على العكس تمامًا فاللحظة التي يتغير فيها التقويم الميلادي من 31 ديسمبر إلى 1 يناير؛ يتبعها تغير في جميع الأوراق الرسمية والوثائق، وأول ما سيحدث هو ترقب الطلاب في مدارسهم لحظة كتابة تاريخ العام الجديد لأول مرة على لوحات الفصول.

السبب الثاني نفسي

استسلامك لفكرة أن للعام حدودا تبدأ وتنتهي عند ليلة رأس السنة يُضفي مشاعر مختلطة ونادرة على معظم من يراقب الدقيقة الأخيرة من 11:59، فها هي اللحظة التي تودع فيها خيبات ونجاحات العام السابق، تشعر بداخلك بأن هناك شيئا قد انتهى وآخر يجب أن يبدأ، ثم وجود تلك القائمة التي كتبتها وودت أن تحقق بنودها في العام القديم؛ يجعل من رأس السنة نقطة انطلاق وحساب لكشوفات أعمالك خلال 365 يوم.

السبب الثالث اقتصاد الكريسماس

ولكي يصلك تحديدًا ما نتحدث عنه يكفي أن تراقب قبعات بابا نويل المحتشدة في الطرقات ليلة رأس السنة، ثم تنظر إلى أسفلها لتجد وجه سيدة ترتدي حجابا أو شيخا بلحية، حتى شجرة الكريسماس باتت في بعض المنازل أمرًا اعتياديا يجب على الأسرة توفيره، وكذلك هدايا بابا نويل التي يدفع ثمنها الأهل بالطبع.

ملابس جديدة واكسسوارات وأزياء استعراضية وقبعات وأعمال فنية، كل هذه الأشياء تُصبح تجارة مربحة للغاية خلال الأسبوع الأخير من العام.. أسبوع الكريسماس.

الغريب في الأمر أن الكنيسة الكاثوليكية قد حظرت قديمًا تبادل الهدايا في القرون الأولى والقرون الوسطى بسبب أصولها الوثنية، ثم عادت وانتشرت العادة بين المسيحيين بداعي الارتباط بالقديس نيكولا، لكونه اعتاد على توزيع الهدايا والمأكل والملبس على العائلات الفقيرة في إقليم مبرا في آسيا الصغرى دون كشف هويته الحقيقية، قبل أن يخلع بابا نويل هذا الزي ويرتدي زيا آخر رأسمالي بالكامل، إذ يتلقى المال من الأهل أولًا ثم يقدم الهدايا بتلك العربات التي تجرها الغزلان، بشكل غير مباشر.

وتتحول العادة الطيبة إلى غرض تجاري بحت، حتى أن دولة مثل فينزويلا واجهت صعوبة في إتمام مراسم احتفالها بالكريسماس بسبب الأزمة الاقتصادية، وكذلك مصر التي انخفض رقم استيراد هدايا الكريسماس بنحو 49 مليون دولار، أي 858 مليون جنيه مصري تقريبًا، بسبب الأزمة الاقتصادية وفقًا لتصريحات صحفية أطلقها رئيس شعبة الأدوات المكتبية ولعب الأطفال بغرفة القاهرة التجارية السابق، وكذلك انخفاض في استقبال مزيد من أشجار أعياد الميلاد نظرًا لتراجع السياحة الأعوام الماضية وتقليل حجم الطلب عليها من الفنادق والمطاعم.

إذا نتحدث عن رقم ضخم مثل 50 مليون دولار، أي أن حجم الاستيراد دون الحديث عن الإنتاج يقترب من المليار جنيه مصري، من دولة واحدة فقط وهي مصر التي يعتنق غالبيتها الإسلام، وتلك الأرقام قد تتحول إلى مبالغ ضخمة للغاية إذا ما انتقلنا إلى موطن السانتا كلوز؛ أمريكا، حيث بيعت في العام الماضي ما يقرب من 27 مليون شجرة حقيقية و21 مليون شجرة اصطناعية استعدادًا لاستقبال هدايا بابا نويل، بميزانية تتخطى 2 مليار دولار للأشجار الحقيقية و2.2 مليار دولار للأشجار الصناعية.

وهكذا نعرف بأننا أمام اقتصاد حقيقي قائم على تلبية متطلبات بابا نويل لمدة أسبوع، ولمن لا يمتلك المال المناسب لن يستطيع مقابلة بابا نويل للأسف، أو يمكن القول أنه رسميًا بابا نويل الرأسمالي.

كيف حدث ذلك؟

إضافة للأسباب الرسمية والنفسية التي رصدناها، فللآلات الإعلامية الدور الأبرز في تغذية ذلك الاقتصاد بقوة، بداية من الظهور الخاص للإعلام في حلية الكريسماس تلك الفترة، والتركيز على ذلك مرارًا وتكرارًا، إلى انتاج أعمال فنية كاملة تتحدث عن تلك المناسبة لجميع الأعمار، فبابا نويل على سبيل المثال حاضر بقوة في أفلام الكرتون للأطفال وكذلك أفلام الكبار، بقيادة عمالقة أمثال (توم هانكس) و(كيفن جيمس) و(تيم ألين) و(كيرت راسل) ضمن مجموعة ضمت 52 بابا نويل تقريبًا كشخصية أساسية في عمل فني ما.

بالطبع؛ أنا لا أهاجم هنا ذلك الحدث ولا الاحتفاء به، فعلى كل حال جميع المناسبات الدينية الضخمة يرافقها أسباب ونتائج اقتصادية ضخمة، وكالعادة تتحول من حدث سعيد إلى حدث شبه مأساوي على من يربط سعادته بتحقيق وتوفير كل مظاهر المناسبة، فإن لم يقدر ماديا وقع في فخ الندم والحزن وإضافة ضغوطات جديدة على حافظته أيضًا، والأمر غير مرهون بأعياد الميلاد فقط بل حتى مع مناسبات شبيهة ولو كان الحيز الخاص بها أقل، مثل اقتصاد شهر رمضان من الفوانيس والحلويات واللحوم والمشروبات والزينة والألعاب النارية، وكل تلك الأساسيات التي يُدفع المواطن لاقتنائها عن طريق نفس الآلات الإعلامية، خوفًا من انتهاء المناسة الخاصة دون خوض غمارها بالكامل، ولكن في النهاية فعند الحديث عن المناسبة الدينية الأهم اقتصاديًا، فرجل المبيعات الأفضل بكل تأكيد هو سيدنا بابا نويل الرأسمالي، وعام سعيد على الجميع.

جاري التحميل…

0