أقصوصة

شمعة سوداء

اعتادت الجلوس على الأريكة منتظرة أبيها منذ أن كانت صَغِيرَة، فالأريكة هي المكان الوحيد الذي يجمعها به بعد يوم طويل من العمل، وكانت تسمع ألف قصة وتسافر لألف مدينة قبل أن تنام على صدره الدافئ، وكان يأخذها في رحلة لعالم الأرواح وعالم السحر والجنيات.

راح يطلق تنهداته الطويلة وهو يجلس على الأريكة لينهي بها كل ما يدور بعقله من هموم، ليبدأ رحلته الكونية مع ابنته الصغيرة التي باتت تسأله بلهفة: ”أين سنذهب اليوم يا أبي؟“ ومثل كل مرة؛ كانت تنظر لعينيه المتعبة.

راح ينزع معطفه الثقيل وهو يلاعب شعرها الأسود: ”اليوم سنذهب لعالم الحب يا صغيرتي، حيث لا مستحيل ولا حزن ولا تعب ولا ظلم، ولا أي شيء غير الحب والجمال، هناك سنجد الخلود وكينونة الحياة، هناك سنجد كل من نحب وكل من نرغب برويته. سنرى الجمال كما لم نره من قبل، سأريك كيف تعيش الحياة بلا موت، سأريك الحب؛ ذاك الحب الذي يكون بلا ألم ولا شوق، هناك الكل يعيش مع من يحب للأبد، فلا شيء هناك ليجبرك على أن تكون بعيد عمن تحب ومن تعشق“.

– ”أبي..“

– ”نعم يا عزيزتي“

– ”هل سنرى الله اليوم؟“

– أجابها بابتسامة وقد احمرت وجنتاه: ”نعم يا صغيرتي، سأريك الله اليوم، فالله هو الحب والجمال وضحكة طفلة صغيرة، حاولي أن تفتحي عينيك وسترين الله بفرحة فقير صباح يوم العيد، سترينه بفرح أم حامل بطفلها الأول، سترينه بفرح حبيبة عاد حبيبها من الحرب، سترينه بفرح يتيمة برؤية أبيها الشهي. هذا هو الله كان ولا زال يتجلى بالفرحة والحب والجمال في العالمين“.

كل الرحلات كانت تحدث في ساعات الليل الطويلة، ودائماً ما كانت تنتهي بنوم الطفلة على صدر أبيها كيرقة تنتظر الصباح لتخرج من رحم الشرنقة، لعيش يوماً جديداً ولهفةً جديدةً لحضن أبيها الدافئ.

هناك في منتصف الغرفة وأمام المدفأة، كانت تسكن الأريكة منتظرة الطفلة وأبيها، لتسافر معهما إلى عالم أحلامهما المجنونة بالعيش للأبد مع الخير والسعادة. لم تكن تتعب من السفر، بل كانت تعشق احتوائها لهذين الحالمين، وكانت ترى نفسها وكأنها لوحة من لوحات فان جوخ وهي تحمل عالمين من المستحيل والجنون.

كانا ينسيان كل شيء بمجرد رؤيتهما لبعضهما، وكأن عالمهما الصغير يتجرد من العالم الحقيقي وصخبه، ويصبح معزولاً عن العالم الحقيقي. وكانا يجوبان العوالم بمجرد تشابك أيديهما وتلامس روحيهما، العالم كله كان يتوقف بلحظة تلاقي عيونهما المرهفة، كان شوقهما وكأنه شوق قيس لمحبوبته ليلى، كان كل شيء يصمت إلا عيونهما كانت تصرخ بشوق.

كان الأب؛ وقبل بداية كل رحلة، يشعل شمعة غريبة الشكل بطول ذراع وسمك مسكة يد، كانت غريبة حتى بلون الشمع الأسود، وهي واقفه كالمومياء على رأس المدفئة بجانب صور العائلة القديمة. كانت قاعدتها مليئة بالنقوش الغريبة حيث كان يغوص جزء من الشمعة بالقاعدة من الأسفل.

كان منظر الشمعة يدعو للغرابة والتساؤل، من أين ومتى وكيف أتت هذه الشمعة الغريبة؟ وكيف وصلت إلى هنا؟ وكان الجواب نفسه يتكرر كل مرة: ”لقد أهداني إياها القدر“. وحتى لا تهرب أحلامهم والجنيات، راح الأب يتأكد من غلق الباب وراحت الصغيرة تغلق النوافذ، جلس ليظفر لها شعرها حتى لا تأكله الجنيات كما كان يقول لها ككل مرة، لينطلقا بعدها بتلاقي عيونهما وروحيهما لتصبح روحاً واحدة.

راحت مياه البحر الهائجة تخرج من كل مكان، من شقوق الجدران والصور واللوحة اليتيمة المعلقة على الحائط فوق المدفئة. خرجت المياه من الأرضية ومن النوافذ ومن كل مكان حتى من عيونهما، لتبدأ رحلتهما الى الله وإلى اللامكان وإلى كل مكان وإلى المكان نفسه.

صارت الغيوم تتشكل وبدأت تمطر بغزارة، وراحت الجزر والحيوانات تظهر، وتشكلت الأمواج وراحت تضرب سور قلعتهما الضخمة السابحة في فضاء الغرفة، فوق كل العوالم والجزر والممالك وكأنها تقول أنا رب هذا العالم، أنا رب كل من أنا فوقه، أنا ربكم الأعلى. ومن داخل القلعة وهما يجلسان على عرش عالمها الخاص، راح الأب كالآلهة يخلق، والصغيرة تلهو بِما يخلق من عوالم.

راح يخلق شجرةً وعصفوراً وعشاً، حصاناً أسود وسرباً من طيور الكناري، ودلافين تلاعب حصاناً أسود يركض فوق الماء بذيل أبيض طويل، وفهد مرقط وغربان سوداء وقطة صفراء فوق قارب مرعوبة من المياه، نوارس تمشط المحيطات والجزر وأسد يتثاءب واقفاً فوق تلة غير مكترث لكل ما يحصل.

اختفت ملامح الغرفة وصارت عالماً ممزوجاً بألف عالم، لم يكن هناك أحد يستطيع أن يفهم ما هو هذا الوجود ومن أين أتى، ولم يكن هناك أحد يستطيع أن يفهم هذا العالم غيرهما.

اقترب عصفور أبيض بذيل أحمر من الصغيرة وظل يحدق بعينيها العسليتين الجميلتين، وراح يداعب ضفيرتها وينقر فوق رأسها حتى استيقظت من صوت نقر العصافير في الخارج على نافذة الغرفة. لقد انتهت الرحلة وبدأ يوم جديد، استيقظت وهي في غير مكان نومها المعتاد، فقد كانت معتادة على الاستيقاظ في سريرها بجانب أبيها لكن هذه المرة نامت واستيقظت في حضنه على غير العادة.

لقد نام من شدة التعب، هذا ما ظنته في البداية، هل اليوم عطلة؟ لماذا لم يذهب أبي للعمل؟ وقفت متسائلة:

– ”أبي استيقظ، لقد فات وقت الفطور والعمل وأنت لا تزال نائماً!“

لم يكن هناك رد… ”أبي استيقظ“، كررتها ألف مرة لكن دون جدوى، ”أبي“ صرخت، ”استيقظ أنا صغيرتك الحبيبة لماذا لا ترد عليّ“. ظلت تصرخ حتى صار الدمع يحرث بخديها لكن لا جدوى بعد الآن، فقد تناثر وبات سبعة عشر ألف فراشة، وكل فراشة كانت تمثل يوم من حياته.

راح الفراش يدور حول الصغيرة وكأنه كان يُقبلها ويودعها الوداع الأخير، هربت الفراشات من الفتحة التي تركتها الصغيرة في نافذة الغرفة في الليلة السابقة، وظلت واقفة بدون حراك من شدة الصدمة، وظلت تتساءل مع نفسها: ”ما الذي حدث؟ وأين أبي؟… هل أنا أحلم؟… نعم هذا حلم هذا ليس حقيقة“، ظلت تردد هذه الجملة لأنها لم تكن مستعدة لرؤية الحقيقة، فقد كانت صغيرة على عيش هكذا حقيقة مؤلمة.

لقد ماتت قبل أن تموت، ماتت بموت عالمها، كان بالنسبة لها حياةً أخرى في هذه الحياة، صنع لها كل شيء من لا شيء، وكان لها ضوءًا في شارع مظلم، ومظلة في يوم ممطر. كان لها كالماء في الصحراء، كان لها كل حياتها وكل ممتلكاتها، ومن شدة الحزن والصدمة صارت تبحث عنه في كل مكان، في أغراضه وأوراقه وثيابه.

بحثت عنه في الصور والجرائد والإعلانات في اللوحة المعلقة على الجدار، في المرآة وفي قهوته وكتبه وسجائره، وبحثت في كل هذه الأشياء إلا الشمعة، لم تنتبه إلى الشمعة الواقفة على المدفئة، لقد ذابت وانتهت في يوم وفاة والدها، ولم تعرف أن الشمعة كانت قدر والدها وعمره.

لقد ذاب عمره في عمرها وذاب في إسعادها، لم تكن تعلم أن الرحلات كانت تكلف والدها نزيفاً من عمره، هو كان يعلم أن استمرار هذه الرحلات قد ينهي حياته، لكنه لم يهتم فقد كان همه الوحيد إسعادها. وبعد أن فشلت في إيجاده راحت تحاول السفر لعالم الأرواح علها تجده هناك، لكنها فشلت في كل مرة حاولت فيه إنزال المطر او إخراج الماء من شقوق الحائط والصور.

فشلت حتى في إخراج الماء من عينيها رغم بكائها الطويل، لا ماء ظهر ولا جزر ولا قلاع، كل شيء كان يسكن في الغرفة صامت في مكانه، إلا خيالها الذي كان يتبعها لكل مكان تذهب إليه، من شدة اليأس والإحباط راحت تسأل رفيقها الوحيد عن أبيها عله يجيبها ولو بإشارة، خيالها الذي أصبح المكان الوحيد الذي تلوذ به من الإحباط والاكتئاب، تبكي وتحزن وتنهار صارت تلملم ما تهدمه وتهدم ما تلملمه.

كانت تفعل كل هذا وأكثر مع ظلها الصامت، صار لها مكاناً آمناً، أصبح لا يفارقها حتى وإن فارقته، كان وكأنه يشعر بالألم الذي تشعر به، كان يتواجد معها حتى في الليل رغم عدم وجود نور يساعده ليظهر، لكنه ظل يظهر لأنه يعلم أنها بحاجة لمن يكون بجنبها ويرعاها فلم يخيب ظنها أبداً.

كبرت وكبُرت معها حلقات بحثها حتى صارت تبحث عن أبيها في الشوارع والأزقة والمدن والمحيطات، تحت الجسور وفوق ناطحات السحاب، وحتى داخل المباني المهجورة. صارت كالمجنونة تبحث عن ملامحه في كل الوجوه التي قابلتها في الشوارع والحدائق والحانات، صار البحث عنه هو كل حياتها، وصارت تعيش من أجل البحث ليس إلا، كيف لا وهي قد باتت بعده تعيش بلا معنى؟

كانت تبحث عنه حتى يكون لحياتها معنى، كانت تتساءل بجنون كيف يستطيع البشر العيش بلا معنى، وكيف يتحملون كل هذا العدم، كيف وصلت البشرية لهذه البشاعة حتى صرنا نعيش بلا هدف، كيف صرنا نعيش وحدنا بعيدين عن بعضنا البعض، ظلت تتساءل وتتساءل حتى نامت وبقيت هكذا كل يوم، وصار يومها نفس اليوم الذي قبله، فلا شيء كان يتغير غير أماكن وأوقات بحثها، ويبقى السؤال يتكرر: وهل للبحث فائدة بعد الآن.

مقال من إعداد

mm

أحمد كاظم العطية

عدد القراءات: 373