in

دخلك بتعرف «نساء الأمازون»، قصة النساء المحاربات اللواتي أرعبن اليونان

في الميثولوجيا الإغريقية، كانت نساء الأمازون عرقاً من النساء المحاربات اللواتي اشتهرن بمهاراتهن في الحرب وشجاعتهن وعزة أنفسهن. عُرف عن نساء الأمازون أنهن يفضلن العيش في أقصى بقاع العالم، ووردت في الميثولوجيا الإغريقية مدينة ثيميسكيرا على البحر الأسود بصفتها المدينة التي تعيش فيها نساء الأمازون.

كانت ملكتهن هيبوليت، ووفقاً لما ذكره هوميروس، كانت نساء الأمازون مساويات للرجال في جميع المراتب، كما خضن معاركاً وقاتلن الإغريق، وتحديداً أبطال الميثولوجيا الإغريقية، أمثال هرقل وثيسيوس وبيليروفون. كانت مشاهد تلك المعارك بارزة جداً في الأعمال الفنية الإغريقية، خاصة الفخاريات والخزف والمنحوتات التي تزيّن أجمل المعابد والمباني من اليونان القديمة، حتى معبد البارثينون المبني على جبل الأكروبولس.

لكن، هل كانت نساء الأمازون حقيقة أم مجرد أسطورة؟ أي هل عاشت مجموعة من النساء في منطقة بعيدة عن اليونان، وتألفت حصراً من النساء المقاتلات اللواتي وصلنا وصفهن؟ تبيّن أن الاكتشافات الأثرية للمقابر الموجودة عبر أوراسيا تؤكد أن العديد من النساء اللواتي ينتمين للقبائل الرحل في السهوب كنّ فعلاً محاربات، خاصة في المنطقة المحيطة بالبحر الأسود.

الأصل والاسم

نقش يصوّر محارباً يلاحق امرأة أمازونية. صورة: Mark Cartwright

في الميثولوجيا الإغريقية، كانت الأمازونيات بنات (آريس) إله الحرب. كانت تلك النساء أعضاءً في مجتمع تحكمه النساء فقط، أما الرجال، فلم يكن مرحباً بهم سوى لهدف واحد: التزاوج مع الأمازونيات وإنجاب المزيد من المحاربات، أما الأطفال الذكور، فكانوا يلاقون مصيراً مروعاً وهو الموت.

يُعتقد أيضاً، وفقاً للأسطورة، أن نساء الأمازون عشن في أماكن اعتبرها الإغريق بعيدة جداً عن “الحضارة”، وغالباً ما كانت تلك الأماكن على طول الساحل الجنوبي للبحر الأسود، تحديداً مدينة ثيميسكيرا.

حصل تواصل مع نساء الأمازون في إفسس ضمن الأناضول، فاعتُقد أن نساء الأمازون قدمن أضحيات لآلهة الصيد (أرتيميس) في معبدها المُقام هناك، وشرعن يؤدين رقصات الحرب، وتلك احتفالية أصبحت تُقام سنوياً منذ تلك الحادثة. وفوق ذلك، تُعتبر نساء الأمازون مسؤولات عن إقامة عددٍ من المستوطنات في آسيا الصغرى، أشهرها إفسس وكيمه وسينوب وميرينا وسميرنا وميتلين وليسبوس.

قدّم هيرودوت (وُلد نحو العام 484 قبل الميلاد –توفي بين عامي 425 و413 قبل الميلاد) في كتابه «السير» وصفاً مطولاً عن لقاء وقع بين الأمازونيات والسكوثيين (شعب متنقل من أصول إيرانية، واستقروا غربي نهر الفولغا شمال البحر الأسود، وكان لهم صلة بالمستعمرات الإغريقية على سواحل البحر الأسود). أقنع عددٌ من المحاربين السكوثيين عدداً من الأمازونيات بإقامة مجتمع جديد سوية، لكن أصرت الأمازونيات على أنهن، ونسلهن أيضاً، لا يرغبن بتغيير أسلوب حياتهن. من المفترض أن هذا العرق الجديد هو أصل شعب السارماتيين في جنوب روسيا، حيث كان هؤلاء (السارماتيون) مشهورون بمهاراتهم في ركوب الخيل وغاراتهم على الشعوب المجاورة.

نقش آخر يصوّر معاركاً بين الأمازونيات والإغريق. صورة: Getty

يمكن اعتبار مجتمع الأمازونيات بديلاً عن المجتمع الذكوري الإغريقي، حيث مارست الأمازونيات جميع النشاطات التي يهيمن عليها الذكور، مثل ركوب الخيل والصيد والغزوات العسكرية. في الأسطورة (بدون وجود دليل تاريخي يدعم هذه الأسطورة)، أحرقت نساء الأمازون أثدائهن اليمنى كي يتمكن من استخدام النشاب أو رمي الرمح بسهولة. في المقابل، يشير مصطلح «a-mazon» في الإغريق القديمة بمعناه الدارج إلى «التي لا تملك ثدياً»، وهناك معانٍ أخرى مشابهة مثل «ثدي واحد»، أو ربما تشير إلى الشخص الذي لم ترضعه والدته. هناك تفسير آخر لهذه التسمية، وهو أن الاسم مشتق من اللغة الفارسية القديمة، ويعني ببساطة «محارب».

أما التفسير الأخير لاسم أمازونيات، فهو أن الاسم مشتق من الأرمنية، ويعني «إلهة القمر»، ويشير إلى كاهنات القمر اللواتي استوطن على سواحل البحر الأسود، واللواتي حملن السلاح في عددٍ من المناسبات.

المثير للاهتمام هو أن الإغريق لم يجسدوا أو يصوروا نساء الأمازون بثدي واحدٍ فقط كما يشاع. يقترح المؤرخ (أدريان مايور) أن الخلط اللغوي بين كلمة «mazon» وكلمة «mastos» الإغريقية التي تعني «ثدي» هي سبب انتشار هذه المعلومة عن نساء الأمازون. وفي الفنون الإغريقية المتبقية حتى اليوم، صُورت نساء الأمازون وهن مرتديات دروعهن وممتطيات أحصنتهن. أما أشهر أنواع الأسلحة التي حملنها، وفقاً للقطع الأثرية التي تصورهن، فكانت الرمح والقوس، لكن بعضهن حملن الفؤوس وفق ما تصوره التماثيل والمنحوتات. وفوق ذلك، لم تكن نساء الأمازون مجرد نساء محاربات فحسب، بل اعتبرن ماهرات جداً في نصب الكمائن والأفخاخ والانقضاض على الأعداء.

قتالهم مع الأبطال في الأساطير الإغريقية

تمثال يجسد المقاتلة بينثيسيليا. صورة: Wikipedia

– هرقل وهيبوليت:

كان أول لقاءٍ بين الإغريق والأمازونيات، وفقاً للأسطورة طبعاً، عندما أرسل (يوريستيوس) ملك ميسيناي وترينس وأرغوس، البطل هرقل في إحدى مهامه الاثني عشر الشهيرة، والتي طلب الملك منه فيها جلب طوق ملكة الأمازونيات (هيبوليت).

حصلت (هيبوليت) على هذا الطوق من والدها (آريس) إله الحرب، وُطلب من هرقل جلب هذا الطوق لأن المهمة شبه مستحيلة وخطرة جداً. ففي إحدى نسخ القصة، يذهب هرقل لوحده لإنهاء المهمة، لكن في مصادر أخرى، يجمع هرقل أولاً جيشاً من أفضل المحاربين الإغريق، من بينهم البطل (ثيسيوس). لكن في نُسخ أخرى، تقوم (هيبوليت) بتسليم الطوق سلمياً، وفي قصص أخرى، تقوم (هيرا) –إلهة الزواج، والتي كانت تكره هرقل جداً لأنه ابن زوجها، زيوس، الذي جاء إثر علاقة مع (ألكمين) –بتحريض نساء الأمازون كي يتحضروا لاستقبال البطل هرقل وجيشه. وعلى الرغم من أن الأمازونيات كن نساءً محاربات قويات، لكنهن لم يستطعن الصمود أمام البطل الأسطوري هرقل، والذي تمكن بدوره من إحضار الطوق إلى الملك وتنفيذ المهمة.

لكن تجسيد هذه القصة على الأعمال الفخارية يسبق المصادر الأدبية التي تذكرها بنحو قرنين من الزمن، وفي المقابل، تظهر تلك الرسومات على الفخاريات هرقل وهو يقاتل محاربة أمازونية تدعى (أندروماكي) أو (أندروميدا)، ولم يظهر في أي من تلك الرسومات حزامٌ أو طوق كما ورد في المصادر الأدبية. وذلك دليلٌ آخر على أن الأساطير المنقولة شفوياً كانت معقدة ومتنوعة بشكل أشد من النسخ الأدبية المكتوبة والتي بقيت حتى اليوم. هناك عنصر آخر في هذه القصة قد يدلنا على حقيقة ما جرى: فخلال الحملة، وقع البطل (ثيسيوس) في حب إحدى الأمازونيات التي تدعى (أنتيوب)، وقام باختطافها لاحقاً (أو ربما هربا سوية). هذا الحدث، سيقود إلى لقاءٍ آخر بين الإغريق ونساء الأمازون.

صوّر الإغريق قتال هرقل مع الأمازونيات في منحوتة موجودة في إفريز ضمن خزينة الأثنيين في ديلفي (490 قبل الميلاد)، وفي معبد (أبولو) وفي معبد هيفيستوس في أثينا (449 قبل الميلاد) وفي حقل منحوتة معبد زيوس على جبل الأولمب (470 –456 قبل الميلاد). كما جُسدت القصة على عرش تمثال زيوس على الاولمب، إحدى عجائب الدنيا السبع من العالم القديم، والتي تحتوي أيضاً مشاهداً أخرى من تلك الأسطورة الشهيرة.

– ثيسيوس وأنتيوب:

أصبح ثيسيوس لاحقاً حاكم أثينا، لكن الأمازونيات لم ينسين خسارتهن أمام الإغريق واختطاف (أنتيوب)، فأطلقن حملة لإنقاذ الأخيرة. هزم (ثيسيوس) الغزات الهجميين، لكن قُتلت (أنتيوب) خلال تلك المعركة. إذا شاهدنا معبد أبولو في إرتيريا، سنجد أن قصة اختطاف (أنتيوب) على يد (ثيسيوس) مجسدة على مثلث في واجهة المعبد، وضمن حقل منحوتة خزينة الأثنيين في ديلفي. كانت أثينا أيضاً مركزاً لتقديم الأضاحي السنوية للأمازونيات.

– بيليروفون والأمازونيات:

التقى (بيليروفون) بالأمازونيات في ثالث لقاء بين الإغريق وبينهن. كان (بيليروفون) بطلاً آخراً عليه إنجاز مهام شديدة الصعوبة لخدمة الملك. كان الملك هذه المرة (برويتوس) ملك أرغوس، والذي ثار غضباً عندما اتهمته زوجته بالتهجم عليها، فأرسل البطل (بيليروفون) لخدمة الملك (إيوباتس) ملك ليسيا. وهو من أمر (بيليروفون) بقتل مخلوق الـ «شيمايرا» الأسطوري –وهو مخلوق ينفث النار، ويجمع بين الأسد والأفعى والماعز –وعندما تمكن (بيليروفون) من أداء المهمة، عَلِم أن عليه مقاتلة الأمازونيات أيضاً. وكالعادة، تمكن البطل الإغريقي من الفوز والانتصار.

– أخيل وبينثيسيليا:

هو اللقاء الرابع والأخير بين الإغريق والأمازونيات، والذي وقع بحلول نهاية حرب طروادة. جاء في «الدورة الملحمية» –مجموعة من الأشعار والقصائد الملحمية الإغريقية –أن الأمازونية (بينثيسيليا)، وهي ابنة الإله (آريس) والأمازونية (أوتريري)، ساعدت الطرواديين لكنها قُتلت في المعركة على يد (أخيل). في مصادر أخرى، نجد أن (أخيل) وقع في حب ضحيته عندما أزال خوذتها الحربية عندما أصيبت الأخيرة وكادت توشك على الوفاة. وبالمناسبة، صُور هذا المشهد على مزهرية سوداء على يد الرسام (إكسيكياس) نحو العام 540 قبل الميلاد.

معارك الأمازونيات

صورة: Wikipedia

صُورت عدة معارك أخرى مع الأمازونيات على درع تمثال أثينا في البارثينون (438 قبل الميلاد)، في المدخل الغربي لمعبد أسكليبيوس (أسقليبيوس) في إبداوروس (395-375)، وفي معبد أثينا نايكي على هضبة الأكروبوليس، وفي معبد أريس ضمن الأغورا القديمة في أثينا. أما أقدم تصوير لمحارب يوناني يقاتل نساء الأمازون، فهو موجود على درع تمثال طيني من عام 700 قبل الميلاد. أما ثاني أشهر تصوير للأمازونيات، فهو تجسيد لمعركة (هرقل) مع الأمازونيات على فخارية (كانت الفخاريات الإغريقية تتميز بشخصياتها المصوّرة باللون الأسود)، وهناك أكثر من 400 مثال عن تلك المعارك لا تزال سليمة حتى اليوم. حتى أن الكثير من تلك الفخاريات والخزفيات تحوي مشاهداً لنساء الأمازون وهن يقاتلن محاربين غير معروفين خلال القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد.

خلال القرن الخامس قبل الميلاد تحديداً، جسدت تلك المعارك الأسطورية ضد الأمازونيات أحداثاً معاصرة بالنسبة لليونان، مثل المعارك التي تجسد حرب الإغريق مع الغزاة الفرس خلال الحروب الفارسية. صُورت أيضاً معركة بين جيش (داريوس الأول) في ماراثون، و(إكسرسيس) في سالاميس، والهجوم الفارسي على أثينا عام 480 قبل الميلاد، وبالفعل، فقد صوّرت الأمازونيات أيضاً على فخاريات مشابهة من تلك الحقبة لكن بملابس شبيهة بملابس الفرس.

كانت المعابد والمباني العامة وما تحتويه من منحوتات وسيلة مهمة للتواصل، بالتالي ذكرت تلك الصور التي تجسد حرب الأمازونيات مع الأبطال اليونانيين تذكاراً للناس العاديين بأن القادة السياسيين دافعوا بنجاعة عن الثقافة الإغريقية ضد تهديد الأجانب (سواء كانوا الفرس أم نساء الأمازون)، والذين اعتبرهم الإغريق غزاة.

الأمازونيات في الحفريات الأثرية

أُجريت استشكافات أثرية للحفريات الموجودة في مقابر الشعب السارماتي ومقابر القبائل المتنقلة في أماكن أخرى، خاصة كازاخستان، والتي يعود تأريخها إلى عصر هيرودوت. كشفت تلك الحفريات الأثرية احتمال وجود بعض النساء المحاربات. كانت البقايا العظمية للإناث تحمل أيضاً أسلحة وخوذاً وحذوات أحصنة، وعلامات على تعرض الضحايا لإصابات سببها نصل سيف أو رأس سهم.

في إحدى المقابر السكيثية التي تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، والتي توجد قرب تيراس القديمة على نهر دنيستر شمال ساحل البحر الأسود، عُثر على هيكل عظمي لأنثى تعرضت لجرح في الجمجمة سببه على الأرجح رأس فأس الحرب، واحتوى الهيكل أيضاً على رأس سهم برونزي عالقٍ في ركبة الهيكل العظمي. كان الهيكل العظمي للمرأة المتوفاة محاطاً برمحين حديديين و20 سهماً برونزياً وسكينة برونزية أيضاً، بالإضافة إلى قطعٍ أخرى من الدروع.

أظهر تحليل الهيكل العظمي ودراسة الأغراض الأخرى المرافقة للهيكل (كالأسلحة والدرع) وجود أكثر من 1000 مقبرة أخرى لقبائل السهوب المتنقلة الشبيهة بتلك المقبرة، والمنتشرة من تركيا وحتى روسيا. احتوت تلك القبور على هياكل تعود لنساء محاربات، والمدهش أن نسبة هؤلاء النساء المحاربات شكلت 37 بالمئة من تلك الهياكل العظمية، وأغلب النساء تعرضن لإصابات نمطية ناجمة عن المعارك أو القتال. يعود تاريخ معظم القبور إلى القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، وكانت جميع النساء شابات تتراوح أعمارهن بين الـ 16 و30 عاماً، أي تماماً مثل الأمازونيات في الأساطير الإغريقية. لذا يبدو واضحاً أن الأساطير التي صنعها مؤرخو وفنانو الإغريق لم تولد من مخيلة هؤلاء فحسب، بل جسدت على ما يبدو حقيقة تاريخية عن نساء محاربات من أوراسيا.