اجتماعيات

لم الانتقاد والتحيز؟! (نظرية التنافر المعرفي)

والدي يسعى دائماً لمتابعة الأخبار على القنوات التي توافق توجهاته .. وأخي يقرأ الكتب التي تؤكد معتقداته ..أصدقائي هم أصدقائي لأنني أشابههم في وجهات النظر.. حتى أنت على الأغلب تتابع الصفحات التي توافق أفكارك ومعتقداتك. وإذا صدف أن رأيت أحد المنشورات التي لا تشابه أفكارك فإما تسارع للتعليقات لتخوض جدالاً في ذلك أو تهرع لزر إلغاء الإعجاب لتشعر بعدها بالراحة والسلام الداخلي!

هذا التحيز الذي يزداد حدة كلما ازدادت قيمة هذا المعتقد في نفسك هو ردة فعل لحالة التنافر المعرفي التي تحدث عنها ليون فيستنغر, فهل لديك فكرة عن هذه النظرية؟…

ما هي نظرية التنافر المعرفي Cognitive dissonance:

ظهرت هذه النظرية سنة 1957 على يد العالم الأمريكي ليون فستينغر Leon Festinger  بحيث تحدثت عن حالة القلق والتوتر التي يشعر بها الإنسان عندما يتعرض لأفكار تتعارض مع معتقداته وتوقعاته أو عندما يكون سلوكه متعارض مع أفكاره وقراراته ”أنا أقدس الصدق وأطالب الآخرين أن يكونوا صادقين معي لكنني أكذب!“. مما يدفع الإنسان للحد من هذا السلوك أو تلك الأفكار التي تتعارض مع معتقداته مسببة له عدم الارتياح…

Photo: Marcelo Gerpe

Photo: Marcelo Gerpe

كيف يحد الإنسان من هذا التنافر:

  1. تغيير المعتقد change the belief.
  2. دعم المعتقد support the belief.
  3.  إهمال المعتقد والتصرف كأنه ليس بتلك الأهمية downplay the belief.

قرأت العديد من الأمثلة التي تشرح هذه الخطوات وأشهرها المثال الذي طرحه ليون عن المدخنين لكنني هنا أرغب بتوضيح الفكرة على مثالي الخاص:

مدير شركة أقام مسابقة لتعيين موظفين جدد لإنقاذ الشركة التي تشارف على الإفلاس.

المدير لديه معتقد مترسخ بأن الرجال أكثر كفاءة مهنية من النساء! وعندما ظهرت نتيجة المسابقة كانت الفائزة بها امرأة فماذا سيفعل هذا المدير؟:

تغيير المعتقد change the belief

تغيير المعتقد شيء صعب جداً خاصةً أن معتقدات الإنسان لم تتكون بين ليلة وضحاها إنما هي نتاج تراكم زمني وموروث يرجع لسنين مضت  ففي المثال الذي طرحت قد يتخلى المدير عن اعتقاده بأن الرجال أكثر كفاءة من النساء ويوظف الفائزة لتفوقها في الاختبار دون النظر إلى ماتبقى.

دعم المعتقد support the belief

دعم المعتقد أمر منتشر جداً في حل التنافر المعرفي لأنه الأسهل والأسرع ففي المثال السابق قد يعتذر المدير من الفائزة بحجة أنه لا يستطيع منحها الإجازات الخاصة بالمرأة من أمومة وغيرها كما أن مسؤوليات المرأة خارج العمل أكبر، مما سيشكل عليها ضغط في العمل ولن تقوم بواجبها كما يجب فحتى لو كانت أفضلهم في الاختبار فالاختبار لم يتجاوز الساعة ولا يمكن اعتماده مقياس!

دعم المعتقد بشكل جنوني قد يدفع العقل للتحيز.

التحيز bias:

يعمل الإنسان جاهداً ليريح نفسه من هذه الصراعات فيقوم بالانجذاب لكل ما يوافقه ويدعم آرائه ويبحث عن كل ما يؤكد صوابيته .. وينبذ كل ما يخالفه ويبتعد عنه. وليجد نفسه مدفوعاً للعديد من القرارات الخاطئة نتيجة لتحيزه هذا ..

إهمال المعتقد والتصرف كأنه ليس بتلك الأهمية downplay the belief.

بكل الأحوال الآن يهمني أن أنقذ الشركة.. هنا قام المدير بإهمال معتقده دون أن يتخلى عنه…

وليس التحيز فقط هو نتاج للتنافر المعرفي بل حتى الانتقاد دون وجه حق!

الانتقاد:

”واللي مايطول العنب.. حامضاً عنه يقول!“.

عندما يرغب الإنسان بشيء بشدة ولا يستطيع الحصول عليه فيسعى لانتقاده لتخفيف حدة التنافر في داخله بين الرغبة في الحصول عليه وعدم المقدرة. وقد شرح ليون هذا بشكل واضح من خلال إحدى قصص خرافات إيسوب. حيث رأى ثعلب جائع بعض عناقيد العنب الناضجة، فشرع يقفز عالياً لكنه لم يدركها وظلت العناقيد بعيدة، فأقلع عما يفعل وانصرف عن العنب مدعياً عدم المبالاة قائلاً:

إنه حصرم مر وليس كما أظن عنباً ناضجاً.

”يستطيع أي أحمق أن يحتقر ما لا يمكنه الحصول عليه“

حسناً!! ماذا سنفعل الآن؟

من الطبيعي أن يسعى الإنسان للاتساق الداخلي ولكن إدراكه لهذا يجعله يفكر بشكل أفضل مبتعداً عن التحيز والانتقاد بلا مبرر.. لذلك يجب على الإنسان دائماً تقييم معتقداته قبل أن يقرر أنها صائبة ويتخذ قراراته اعتماداً على ذلك.. ربما هذا الخيار الأصعب لكنه الأفضل بالتأكيد.

مقال من إعداد

mm

أصالة عثمان

طالبة في جامعة دمشق كلية العلوم قسم الرياضيات.

عدد القراءات: 1٬357