in

لماذا لم يستقبل هذا المطار في برلين مسافرا واحدا على الرغم من بنائه منذ 15 عاما بتكلفة 8.5 مليار دولار؟

مطار برندنبرغ ببرلين

يعج ماضي مدينة برلين الألمانية ببعض أكثر الأمور فظاعة، من بينها مطاراتها، فهي بكل بساطة قديمة ورديئة جدا. لنأخذ على سبيل المثال مطار (تيغل) الذي يعتبر الأسوأ من ناحية التقييم على غوغل، في الواقع هو أسوأ تقييماً من سجن يجاوره، ومن مطار (سكونفلد).

كما أن تقييمه أسوأ من مطار حلب في سوريا، الذي هو عبارة عن منطقة حرب فعلية! لكن لماذا يوجد في برلين مطاران رديئان بدلا من واحد فقط؟

يعود السبب في هذا إلى عقود في الماضي، عندما كانت مدينة برلين مقسمة إلى قسمين غربي وشرقي، وكان من الصعب جدا الانتقال بين هذين القسمين.

عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، تم تقسيم المدينة إلى منطقتين يديرهما معسكران متنافسان: الولايات المتحدة الأمريكية في الغرب والاتحاد السوفييتي يسيطر على برلين وألمانيا الشرقية، وسرعان ما اكتشف السوفييت أن القسم الذي كانوا يسيطرون عليه من المدينة كان يؤول من سيئ إلى أسوأ، ومنه كان الكثير من سكانه ينتقلون إلى القسم الغربي تحت إدارة الولايات المتحدة، ولمنع هذا النزوح الجماعي، قاموا ببناء جدار برلين الشهير.

كانت برلين الغربية تحوز على مطارين اثنين هما (تومبلهوف) ومطار (تيغل)، بينما كان هناك مطار وحيد في برلين الشرقية وهو مطار (سكونفلد).

عندما انهار المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وتم توحيد الألمانيتين، وأصبحت مدينة برلين تملك ثلاثة مطارات، ثم تم إغلاق واحد منها في سنة 2008.

مطار برندنبرغ ببرلين

لم يكن المطاران المتبقيان كافيين لاستيعاب حجم المسافرين من وإلى المدينة، لذا تقرر بناء مطار ثالث جديد وضخم وبمعايير عالية.

بعد عدة اجتماعات ودراسات، استقر الرأي على الموقع الذي سيتم فيه تشييد المطار الجديد، وهو جنوب مطار (سكونفلد) القديم، وبهذه الطريقة سيستفيد المطار الجديد من مدرجات الهبوط والإقلاع الخاصة بهذا المطار القديم.

بحلول سنة 2012، قرب موعد اكتمال أعمال البناء على المطار الجديد، لذا تحضرت مدينة برلين لعملية انتقال هائلة الحجم. في ليلة الثاني من يونيو من نفس العام، كان من المفترض أن يتم تسجيل آخر هبوط لطائرة على مدرجات المطارين القديمين الرديئين، ثم كان من المقرر الشروع في عملية نقل جميع المسافرين والطواقم ومعداتهم من هذين المطارين إلى المطار الجديد، الذي أطلق عليه اسم مطار (براندنبرغ)، وهي العملية التي ستستغرق الليلة كاملة.

لقد كان التخطيط لهذه العملية يجري على قدم وساق منذ سنوات، فقد خططت المدينة لإغلاق الطرق السريعة الكبرى، وراحت قنوات التلفاز تتحضر لتغطية الحدث إعلاميا، كما تم الاستعانة بخدمات طواقم عمال إضافية، وبيعت تذاكر شركات الخطوط الجوية من المطار الجديد منذ شهور، كما أن شركة (لوفتانسا) خططت للاحتفال برحلتها الجوية رقم 380A بكونها أول رحلة جوية تحط في المطار الجديد، حتى أن المستشارة الألمانية (آنجيلا ميركل) أدرجت حضور مراسيم الافتتاح في رزنامة مواعيدها، واستمر التحضير على هذا المنوال حتى قبل 26 يوما من موعد الافتتاح، عندما أُعلن عن تأجيله.

كانت تلك سنة 2012، وفي يومنا هذا في سنة 2020، مازال المطار الجديد، مطار (براندنبرغ) في برلين، بعيدا كل البعد عن الافتتاح.

إليك ما حدث بالضبط

مطار برندنبرغ ببرلين

بدأت أشغال البناء في 5 سبتمبر سنة 2006، واستمرت بدون توقف بوتيرة سريعة إلى غاية 2011 عندما اقتربت الأشغال من الانتهاء، وهنا بدأت أعمال الاختبار، فتطوع أكثر من 10 آلاف شخص لمحاكاة اقتناء التذاكر والعبور عبر بوابات الأمن، ثم الصعود على متن طائرات، ثم النزول منها والعودة إلى نقطة استرجاع الأمتعة.

بدا في هذه المرحلة وكأن افتتاح المطار كان قريبا جدًا، فتم تأجير المتاجر المتواجدة فيه كلها في زمن وجيز، وكان مالكوها يستعدون لافتتاحها لعرض منتجاتها على المسافرين المستقبليين، وهنا بدأت المشاكل تطرأ.

خلال ما كان يعتبر الأيام الأخيرة لأعمال البناء، كانت هناك الكثير من الاختبارات والتجارب للسهر على أن الجوانب المختلفة من المطار لن تتسبب في مقتل المسافرين.

وقد كان المحققون الألمان حريصين بشكل أخص على السهر على أن أجهزة الحماية من الحرائق كانت تعمل على أكمل وجه، وذلك لأنه في ألمانيا بالذات شب ما يعتبر أسوأ حريق في تاريخ المطارات منذ 15 سنة، والذي أتى على معظم مطار (دوسلدروف).

من هناك، قام الخبراء والمفتشون والمحققون بمحاكاة الحرائق بإطلاق الدخان وإصدار بعض الأصوات المرتبطة بالنيران المشتعلة، دوّت بعض صافرات الإنذار، بينما لم تستجب الكثير منها، كما انطلقت صافرات أخرى لكن في مناطق خاطئة تماما من المبنى، وتبين أن شبكات الأسلاك التي تسببت في كل هذه الفوضى، كانت في حد ذاتها تمثل خطرا في نشوب الحرائق.

اكتشف كذلك أن المراوح التي صممت من أجل سحب الدخان خارج المبنى لم تكن تعمل ببساطة، وكان من المحتمل أن تنفجر أثناء حريق حقيقي، باختصار كان نظام الحماية من الحرائق الخاص بالمطار فشلا ذريعًا.

حريق في مطار (أليكانتي) في إسبانيا.
حريق في مطار (أليكانتي) في إسبانيا.

كانت إدارة مشروع المطار تحاول يائسة افتتاحه في الوقت المحدد، لذا اقترحت بدل الاستعانة بنظام حرائق توظيف 800 عامل من ذوي الأجور المتدنية للوقوف في نقاط معينة من المطار والإبلاغ عن كل حريق يحدث، وكان رد المحققين والخبراء على هذا الاقتراح هو الرفض بكل بساطة.

في اليوم الموالي، أي قبل 26 يومًا من الافتتاح، تم الإعلان عن تأجيل مراسيم الافتتاح، وخلال السنوات القليلة القادمة، تم تأجيل الافتتاح مرارا وتكرارا ذلك أن الإدارة لم تتمكن من إصلاح مشكلة أنظمة الحماية ضد الحرائق.

كما ظهرت عدة مشاكل أخرى، من بينها أنه لم يكن هناك ما يكفي من مكاتب تسجيل الدخول لعدد المسافرين المتوقع، كما كان ترقيم حوالي 4000 باب خاطئًا، ولمدة من الزمن، مُنع عمال البناء من التواجد داخل المبنى بسبب احتمال انهيار السقف.

كما ظهرت مشكلة كبيرة أخرى في سنة 2017… كانت الفكرة الجوهرية حيال تشييد مطار بهذا الحجم تتمثل في جعله محور خطوط جوية للقارة الأوروبية، حيث يتمكن المسافرون من الهبوط فيه واستكمال رحلاتهم المختلفة على متن طائرات أخرى، وقد كانت جميع الحسابات المالية مبنية على هذه النقطة بالذات، وكانت المشكلة أن شركة خطوط جوية وحيدة كانت تتمتع بخاصية محور الطيران في برلين، وهي الخطوط الجوية البرلينية، التي أعلنت إفلاسها في سنة 2017 وأغلقت نهائياً، ومنه كان مطار برلين الجديد هذا الذي من المفترض أن يكون محور خطوط جوية لا يملك أي شركة خطوط جوية مع خاصية محور الطيران، ومنه لن يستقبل أي مسافرين يستكملون رحلاتهم الجوية من خلاله.

الخطوط الجوية البرلينية.
الخطوط الجوية البرلينية.

في هذه المرحلة، أصبحت التأجيلات المتكررة وتبعاتها مدعاة للسخرية، حيث في سنة 2018 تعين تغيير شاشات العرض في المطار البالغ عددها 750 بتكلفة 500 ألف دولار لأنها ظلت تشتغل دون توقف لمدة 6 سنوات وبلغت صلاحيتها تاريخ نهايتها.

اليوم، مازالت أنظمة الحرائق لا تعمل بالشكل اللازم مما جعل التاريخ الرسمي للافتتاح في شهر أكتوبر من سنة 2020 يبدو أقل واقعية أكثر فأكثر، وهو ما جعل البعض يقترح بأن المطار لن يفتح أبدا وأن مصيره الهدم في نهاية المطاف.

من الداخل، مازال المطار قابعاً بحلّة يبدو فيها جديدا تماماً، لكنه يبقى مطارا بتكلفة 8.5 مليار دولار الذي قد لن يشهد مسافراً واحداً يمر عبره على الإطلاق.