in

لماذا أنقرة وليست اسطنبول هي عاصمة تركيا الحالية؟

مدينة اسطنبول

بغض النظر عن كونك قريباً أم بعيداً من تركيا، أو أنك تقطن تركيا نفسها. فأول مدينة تخطر بالبال عند الحديث عن البلاد هي مدينة إسطنبول الشهيرة، وحتى اليوم لا يزال الكثيرون يعتقدون أن هذه المدينة القديمة والتي كانت ولا تزال مهمة عبر تاريخها هي العاصمة التركية، لكن على عكس ظنون البعض فالعاصمة التركية هي أنقرة، مدينة في وسط الأناضول وبعيدة للغاية عن البحر.

حتى اليوم بعد أكثر من 100 عام من جعل أنقرة هي العاصمة التركية، لا تزال مدينة إسطنبول أكبر منها بكل شيء، فحتى بتجاهل الأثر التاريخي، لا تزال إسطنبول تمتلك عدد سكان أكبر بثلاثة أضعاف، عدا عن كونها تمتلك اقتصاداً أكثر ازدهاراً وموقعاً استراتيجياً أكثر. وبالطبع لا يمكن إنكار التاريخ الطويل والمهم لمدينة إسطنبول (أو كما كانت تسمى القسطنطينية).

طوال قرون من الزمن كانت إسطنبول مدينة هامة للغاية، فقد كانت عاصمة الشطر الشرقي من الإمبراطورية الرومانية (الإمبراطورية البيزنطية) لقرون طويلة، وعندما سقطت أخيراً بيد العثمانيين نهاية القرن الخامس عشر، باتت عاصمتهم أيضاً واستمرت بتأثيرها الهام لقرون تالية.

بالمقابل لطالما كانت أنقرة مدينة صغيرة وثانوية في الواقع، حيث أنها تأسست منذ عصر الإمبراطورية الحثية قبل أكثر من 3000 عام، ومع أنها كانت محطة تجارية هامة، فقد قضت كامل تاريخها في ظلال إسطنبول وإزمير وسواها من المدن الأكبر. لكن مع مطلع القرن العشرين تغيرت الأمور وفجأة لم تعد إسطنبول هي العاصمة، بل تم نقل كل شيء إلى أنقرة التي شهدت انفجاراً سكانياً سريعاً جداً ونمواً مستمراً حتى اليوم.

الحرب العالمية الأولى واستقلال تركيا

في عام 1918 انتهت الحرب العالمية الأولى بنصر الحلفاء المتمثلين بفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، وبالمقابل هزمت كل من ألمانيا وإمبراطورية النمسا وهنغاريا، والأهم بالنسبة لموضوعنا: الإمبراطورية العثمانية التي كانت في طور الانهيار عموماً مع تراجع سيطرتها على مناطقها والانقلابات الداخلية ضمنها.

نتيجة خسارة العثمانيين للحرب، تم تفكيك الإمبراطورية العثمانية بسرعة، حيث تم وضع العراق تحت الانتداب البريطاني، وسوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، كما حصلت أرمينيا على استقلالها والأهم ربما هو أن اليونان حصلت على حق احتلال شطر كبير من الساحل الغربي لتركيا الحالية، حيث كانت المنطقة مأهولة من يونانيين عرقياً ولغوياً كانوا يعيشون تحت الحكم العثماني ونظام الذمة الإسلامية.

كان السبب الأساسي لهذا التقسيم الجائر جداً للأراضي العثمانية هو المجازر وعمليات التهجير التي قام بها العثمانيون وجماعات إسلامية متنوعة بحق مسيحيي البلاد وأهمهم ربما المجازر الأرمنية والسريانية، بالإضافة للتهجير والعنف الشديد تجاه اليونانيين. حيث وعلى مدار عدة سنوات قتل العثمانيون الملايين من الأقليات العرقية والدينية، وهجروا ملايين الآخرين كذلك.

Treaty of Sèvres 1920.svg
مخطط تقسيم الأراضي العثمانية السابقة في عام 1920

نتيجة تقسيم الأراضي العثمانية السابقة، بدأت حركة تركية قومية مركزها مدينة أنقرة، حيث قاد مصطفى جمال باشا (الذي لقب أتاتورك أو أبو الأتراك لاحقاً) العمليات العسكرية للجيش التركي، وعلى عكس التوقعات تمكن الجيش التركي من هزيمة الحلفاء وإخراج القوات الفرنسة واليونانية من الأناضول، كما أنه احتل الشطر الأكبر من أرمينيا ليحول الدولة إلى مساحة صغيرة مقفلة برياً دون أية سواحل.

بحلول عام 1922 كان أتاتورك قد استعاد شطراً كبيراً من الأراضي العثمانية السابقة وأنهى السلطنة العثمانية التي كانت مستمرة لأكثر من 600 عام مضت، وفي عام 1923 تم عقد اتفاقية جديدة مع الحلفاء جعلت تركيا بلداً جديداً خلفاً للإمبراطورية العثمانية مع سيطرة واستقلال ضمن أراضي تركيا الحالية باستثناء منطقة لواء اسكندرون (حالياً هاتاي) التي بقيت كجزء من سوريا حتى عام 1939 حين قدمها الفرنسيون لتركيا على أمل أن يبعدوها عن التحالف مع ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.

طوال فترة حرب الاستقلال التركية، كانت أنقرة هي مركز كل من الجيش وحتى البرلمان التركي المستقل، حيث كانت إسطنبول وإزمير والمدن الكبرى الأخرى تحت احتلال الحلفاء، مما جعل موقع أنقرة المتوسط لتركيا مثالياً خلال حرب الاستقلال.

مع انتهاء حرب الاستقلال، كان المنطقي هو عودة العاصمة إلى المدينة الأكبر والعاصمة التاريخية للمنطقة، لكن الأمر لم يتم بسبب كون إسطنبول لا تزال مدينة يونانية من حيث المبدأ حتى بعد قرون من الحكم العثماني، كما أنها كانت مكان تجمع الكثير من الأقليات. والأهم ربما، هو أن الجمهورية التريكة الناشئة أرادت إبعاد نفسها قدر الإمكان عن تاريخ السلطنة العثمانية وإظهار وجه جديد لتركيا.

عندما أصبحت عاصمة البلاد في عام 1923، كان عدد سكان أنقرة أقل من 75 ألف نسمة، حيث لم يصل عدد السكان إلى هذا العدد حتى عام 1927. لكن على مدار العقود التالية ازدهرت المدينة أكثر لتصبح مقراً لأكثر من 5 ملايين نسمة وفق التقديرات الحالية لعدد السكان.