in

لماذا نبكي؟ وما سبب ذرفنا للدموع عند شعورنا بالضيق؟

طرح عدد من الباحثين خلال السنوات القليلة الماضية السؤال التالي: لماذا نبكي؟ من خلال قراءة الأبحاث، يبدو أن الإجابة المختصرة هي أنه لا توجد إجابة قصيرة. بل إنها معقدة بالفعل.

ظهرت العديد من المقالات حول البكاء في الصحافة العادية في أعقاب كتابين جديرين بالاطلاع حول هذا الموضوع. الأول هو «لماذا يحب البشر البكاء: المأساة، التطور، والدماغ» عام 2012، وهو عبارة عن مجلد قصير نسبياً من كتابة الطبيب النفسي العصبي الإنجليزي (مايكل تريمبل). أما الثاني، «لماذا البشر هم من يبكون فقط: كشف أسرار الدموع» عام 2013، فهو عمل أكثر أكاديمية إلى حدٍ ما كُتب على يد عالم النفس الهولندي (آد فينجرهوتس).

إن (تريمبل) طبيب محترم في مجاله، وشهد، أكثر من غيره على الأرجح، حالات تنطوي على البكاء المَرَضي، وبعد نشر كتابه، أُفيد أنه غُمر برسائل من أشخاص يزعمون أنهم يمرون بحالات مطابقة. لكن (فينجهويتس)، أستاذ علم النفس بجامعة تيلبورغ في هولندا، هو الخبير في البكاء الطبيعي، كما يتضح من الأوراق الأكاديمية العديدة التي قدمها هو ومعاونوه المثابرين (أزمير جراغانين) من جامعة رييكا في كرواتيا و (لورين بيلسما) من جامعة بيتسبيرج ببنسيلفانيا بناءً على بحث مكثف حول هذا الموضوع.

في هذا المقال سنقوم بجولة سريعة حول ما نعرفه عن البكاء، ما الذي أضافه البحث الجديد إلى معرفتنا وما هي الأسئلة المتبقية.

صورة: Shutterstock

بادئ ذي بدء، يبدو أن البكاء العاطفي سلوك إنساني فريد، إذ تذرف الحيوانات الدموع كجزء من وظائف العين الطبيعية، رغم أنه هناك تقارير عن حيوانات ذرفت دموعًا عاطفية في مناسبات معينة، ولكن بالنسبة للجزء الأكبر فإن الإنسان هو صاحب التعبيرات العميقة عن الحزن والعواطف المعقدة الأخرى. ومن المثير للاهتمام أن البشر يبكون في سياقات مختلفة ولأسباب عديدة ومتناقضة. فعلى سبيل المثال، قد نبكي من الحزن في جنازة لوفاة أحد أفراد الأسرة، ولكن أيضًا من الغبطة في حدث ولادة طفل جديد في العائلة. من المحتمل أن نبكي عندما تنتهي علاقة رومانسية عشناها، وربما نبكي في حفل زفاف عندما نشهد تكوّن رابطة جديدة. من الصعب وضع المشاعر التي نمر بها في هذه اللحظات في كلمات، وغالبًا ما تتجاوز ”السعادة“ أو ”الحزن“ بتعابيرنا المحدودة، لذا قد يساعدنا البكاء على توصيل ما نشعر به بطريقة لا تسطيعها اللغة.

في محاولة لتوضيح الغرض من البكاء، ركز باحثون مثل (فينجهويتس) على كل من وظائفه ”الشخصية“ (آثر البكاء على الفرد) و وظائفه ”بين الأشخاص“ (آثار البكاء على الآخرين). فاقترح أن الجوانب الشخصية للبكاء قد تُفسر بشكل خاص اقتصارها على البشر بحكم تطورها ضمن مجموعة من السلوكيات الاجتماعية التي جعلتنا ناجحين كنوع بيولوجي. يعد البكاء في الأساس، وفقًا لهذا الرأي، شكلاً من أشكال التواصل الاجتماعي غير اللفظي بهدف الحصول على المساعدة والراحة والدعم الاجتماعي من الآخرين، وقد أظهرت الأبحاث التي أجريت حتى الآن أنه عند رؤية الآخرين للبكاء فإنهم يدركون ذلك على أنه إشارة موثوق بها على الحزن أو الضيق (بطريقة أكثر إقناعًا من الكلمات) والتي تؤدي عادةً إلى الشعور بالارتباط واستجابات تعاطفية ورغبة في مساعدة الآخرين.

لكن لوحظ أن الأمور يمكن تكون معقدة أكثر، لأن ردود الفعل على البكاء قد تختلف بناءً على عوامل مثل الجنس والسياق الاجتماعي، من المرجح على سبيل المثال أن يُنظر إلى البكاء في بيئة حميمة ومقربة بشكل أكثر تعاطفاً من البكاء في العمل، والذي يمكن أن يؤدي إلى ردود سلبية. تميل النساء أيضاً إلى تقديم استجابات أكثر تعاطفاً تجاه البكاء من الرجال، وغالبًا ما ينظر المراقبون إلى الرجال الذين يبكون بشكل بسيط على أنهم حساسون ولكنهم مسيطرون على الموقف، في حين أن البكاء الشديد منهم يمكن أن يُعتبر علامة على الضعف، خاصة من قبل المراقبين (الأشخاص الذين يشاهدون آخراً يبكي أمامهم) الذين يحتاجون أنفسهم إلى المساعدة. ولذلك يحاول الناس السيطرة على البكاء وفقًا لذلك.

بالانتقال إلى الوظائف غير الاجتماعية للبكاء، اعتبرها كل من (فينجهويتس) و(جراغانين) و(بيلسما) سلوكًا أساسيًا للتهدئة الذاتية، وبعبارة أخرى، نحن نبكي عند الشعور بالحزن ونختبر العواطف السلبية الأخرى لأن ذلك يساعدنا على الشعور بالتحسن. هذا الاعتقاد تدعمه استطلاعات حول البكاء بأثر رجعي (بالنظر للماضي وتأثيراته) بالإضافة إلى دراسة استقصائية من عام 2013 أجرتها (جويندا سيمونز) في جامعة أكسفورد، والتي وجدت أنه عندما يسمح الناس أو يشجعون أنفسهم على البكاء، فإنه عادة ما يكون لتحقيق تطهير للنفس. لكن من الغريب أنه على النقيض من البيانات السابقة، هناك عدد من الدراسات الاستطلاعية قاست الحالة المزاجية لأناس عُرض عليهم أفلام حزينة في بيئة شبه تجريبية فأتت بنتيجة أن البكاء يجعل الناس يشعرون بشعور أسوأ.

في ورقة بحثية نشرت عام 2014، تكهن (جراغانين) وزملاؤه بأن التناقض الواضح بين الآثار المزاجية للبكاء على أساس نتائج المسوحات بأثر رجعي (البكاء يجعلنا نشعر بالتحسن) والدراسات الاستقصائية شبه التجريبية (البكاء يجعلنا نشعر بشكل أسوأ) قد يفسر ”تحيزات الذاكرة“. على سبيل المثال، ربما تحفز الدراسات الاستقصائية بأثر رجعي الذكريات الإيجابية أكثر من تلك السلبية. أو ربما قد أُسيء فهم الفكرة القائلة أن البكاء المدفوع بذكريات من الماضي والعودة، تدرجيًا، إلى حالة مزاجية أفضل، فاعتُبر على أنه تحسينات ”حقيقية“.

فكرة أن التحيزات في الذاكرة قد تخدم دورًا شافيًا نراه في كيفية تذكر النساء للولادة، فعلى الرغم من أن ولادة طفل والأسابيع التالية تشكل صدمة جسدية وعاطفية مليئة بالدموع في كثير من الحالات، فمن المعروف أن النساء غالبًا ما يتقن إلى تكرار العملية متناسيات على ما يبدو مدى صعوبة المرة الأولى. إحدى النظريات الشائعة لاضطرابات ما بعد الصدمة هي أن ”توطيد“ الذكرى ضروري للشفاء. ربما يساعدنا البكاء في احتواء المحنة، سواء كانت الذكريات اللاحقة للمزاج المصاحب دقيقة أم لا. ما يجعل آثار البكاء على توطيد الذكريات موضوع مهم للبحوث المستقبلية.

جزء مهم من لغز التأثيرات المتباينة الظاهرة للبكاء على الحالة المزاجية جاء من خلال دراسة أخرى قام بها (فينجهويتس) و(جراغانين) وزملاؤهم في عام 2015 بعرض أفلام حزينة على المتطوعين. على الرغم من تكرار حالات المزاج السلبية في عينات الاختبار فور مشاهدة الفيلم فقد تحسنت حالتهم المزاجية بعد 20 دقيقة، وبحلول 90 دقيقة كان مزاجهم أفضل مقارنة بمزاجهم قبل مشاهدة الفيلم. لذلك اتضح أنه على المدى قصير، عكست الذكريات بأثر رجعي تحسينات حقيقية بالفعل بعد البكاء. ربما تكون تلك الذكريات أقوى من ذكريات الحالة المزاجية السيئة المرتبطة بالبكاء، أي أن تذكر ذكريات سيئة ومواجهة تأثيرها علينا أقوى تأثيرا من التأثر الآني والبكاء بمؤثر حالي، لذلك ربما يكون الغرض من البكاء في حقيقة الأمر التنفيس وتطهير المشاعر السلبية المدفونة، والتي قد تتركك في حالة من التوتر والارتباك ما لم تخرجها من داخلك.

بالعودة للذين اتصلوا بـ (تريمبل) بعد نشر كتابه وعبروا عن عدم قدرتهم على البكاء قام (فينجهويتس) بالتعاون مع الدكتورة (ديل هيسدروفر) من جامعة كولومبيا بإجراء مسح على عينة من 475 شخصًا زعموا أنهم فقدوا القدرة على البكاء، ومقارنتهم بـ ”الباكين الطبيعيين“ الذين تم وضعهم كضوابط ومعيار للتجربة، فظهر إن أولئك الذين لم يبكوا صنفوا أنفسهم على نحو مشابه فيما يخص السعادة العامة، لكنهم كانوا أقل تعاطفًا وأقل اتصالًا بالآخرين، وهم أيضًا أقل تحفزًا بالمنبهات العاطفية ولديهم خبرة اجتماعية أقل من سواهم. ما يقرب نصف غير الباكين وحوالي 60 في المئة من الإناث المشاركات في التجربة شعروا أن عدم القدرة على البكاء كان له تأثير سلبي على حياتهم.

الكثير مما يتعلق بالبكاء، وخاصة علاقته بالصحة النفسية، لا يزال لغزًا بالنسبة لنا، فلطالما أعاقت الأبحاث مجموعة من القيود العملية، كانت الدراسات الحالية في معظمها ذات محدودية في القدرة على حثّ الأشخاص على البكاء أو عدم البكاء من أجل توضيح تأثيرات محددة بشكل أفضل. استندت استطلاعات الرأي بأثر رجعي بالنسبة للجزء الأكبر على الحالة المزاجية المبلغ عنها ذاتياً والتي تخضع لتحيزات الذاكرة. كما يقدم البكاء تحت ظروف شبه تجريبية، مثل عند مشاهدة فيلم حزين، منظوراً ضيقاً للغاية قد ينطبق أو لا ينطبق على ظروف الحياة الحقيقية. لكن استنادًا إلى هذه الرؤية المحدودة تقدم أبحاث علم النفس الاجتماعي المتعلقة بالبكاء تأكيدًا مبدئيًا للمعرفة العامة أن البكاء في كثير من الأحيان يشعرنا بتحسن ويقربنا من الآخرين.

لقد مر أكثر من ألفي عام على نظرية أبقراط أن وظيفة البكاء تكمن في الإفراج عن ”المزاج السيئ“ من الدماغ ومنذ أن كتب أرسطو أن البكاء ”ينظف العقل“. من الناحية الفلسفية، من البديهي أن نقول أن الحالات العاطفية نسبية، ولمعرفة السعادة نحن بحاجة إلى تجربة الحزن. ما لم يثبت بعد هو ما إذا كان اليونانيون القدماء على صواب، ما إذا كان البكاء جزءًا من عملية ترميم وإصلاح تساعدنا على التركيز على الحزن وتجربته على مستوى عميق، جسديًا وعاطفيًا على حد سواء، مما يمهد الطريق لمواجهته فيتسنى لك الشعور بشكل أفضل مجددًا. إذا كانت هذه الفكرة مدعومة بأبحاث مستقبلية فقد نكون قادرين على أن نعلن يومًا صحة التعبير القائل: في بعض الأحيان نحتاج إلى الشعور بسوء قبل أن نشعر بتحسن، والبكاء هو السبيل لذلك.

جاري التحميل…

0