علوم

لماذا تتغوط جميع الثدييات في مدة 12 ثانية مهما كان حجمها؟ وما فائدة ذلك بالنسبة لرواد الفضاء؟

فيل يتغوط

أجل، لا نقاش في ذلك، الجميع يتغوط، خاصة الحيوانات الثديية، التي يتغوط جميعها تقريبا خلال نفس المدة الزمنية، وذلك وفقا لدراسة جديدة.

قامت هذه الدراسة التي تم نشرها في مجلة (المادة اللينة) Soft Matter بتفحص ثديات صغيرة بحجم القطط، وكبيرة بحجم الفيلة، ووجدت بأن كلا منها -مهما كان حجمه- يستغرق حوالي إثني عشر ثانية لتفريغ حمولته (ليتغوط).

تفحصت هذه الدراسة بشكل دقيق الفيلة، ودببة الباندا الكبيرة، والخنازير الوحشية في حديقة حيوانات (أطلانطا)، والكلاب في المتنزهات، وأبعاد وأشكال الأمعاء الغليظة، ونماذج رياضياتية من أجل فهم أفضل للطريقة التي تتغوط بها الحيوانات.

كلب يتغوط

وجد هؤلاء الباحثون القيمون على هذه الدراسة في معهد (جورجيا) للتكنولوجيا أنه مهما كان الحجم الكلي للحيوان، فإن هذه الثدييات التي تناولوها بالدراسة كانت تطرح برازا بضعف طول المستقيم لديها (الشرج)، ومهما كان طول مستقيمها، سواء كان بطول أربعة سنتمترات أو بطول 42 سنتمترا، فإنه استغرق الأمر برازها كلها مجرد إثني عشر ثانية ليخرج من جسمها.

تناولت هذه الدراسة الحيوانات الثديية التي برازها بشكل الأسطوانة فقط (حيث عزلت الأرانب، والقوارض، والحيوانات المجترة مثل الأبقار في هذه الدراسة).

من أجل ذلك، قام الباحثون بجمع عينات براز تعود لحيوانات مختلفة في أربعة وثلاثين حديقة حيوانات، وسبع مزارع حيوانات، ونوعين إثنين من الحيوانات لم يتم إدراجهما يعيشان في معهد جورجيا.

قام كذلك هؤلاء الباحثون بملاحظة ودراسة العديد من الحيوانات وهي تتبرز في حديقة حيوانات (أطلانطا) ملاحظة مباشرة، كما شاهدوا تسعة عشر شريط فيديو مختلفا يبرز العديد من الحيوانات وهي تقضي حاجتها.

ومن خلال ملاحظاتهم وحساباتهم النظرية على ميكانيكا السوائل الخاصة بطرح الفضلات، توصل الباحثون إلى أن الحيوانات تمارس نفس القدر من الضغط أثناء التغوط، كما وجدوا كذلك أن الحيوانات الأكبر حجما كان عليها أن تتخلص من كميات أكبر من البراز، كما أنها كانت لديها كذلك طبقات مخاطية أغلظ تغلف جدران الأمعاء الغليظة لديها، مما يساعد على نقل ودفع البراز خارج جسمها بشكل أسرع، وهنا تكمن المفاجأة، حيث أن حجم البراز الذي يطرحه الفيل -20 لتر تقريبا- هو أكبر بـ1000 مرة من حجم براز الكلب.

يكمن السر في سرعة الإخراج، فالحيوانات الكبيره تقوم بالاخراج بسرعة أكبر من الحيوانات الصغيرة، فالفيل مثلا يقوم بإخراج البراز بسرعة 6 سنتيمترات في الثانية، وهي سرعة أكبر 6 مرات من الكلب. ”يقع الإنسان في الوسط بسرعة 2 سنتيمتر في الثانية.“

فيل يتغوط

تتفاوت سرعة الإخراج بسبب كمية المخاط المفرز مع البراز، والذي يتكون من الخلايا المخاطيه المغلفة لجدار الأمعاء الغليظة، ولزوجته أقل 100 مرة من البراز، ولا يمكن قياسه إلا بوزن البراز بعد تبخر المخاط.

وجد الباحثون أن البراز يتحرك في شكل سدادة صلبة، ولذلك فإن طوله وأبعاده يتم تحديدها بناءً على شكل الأمعاء الغليظة والمستقيم، ومن النتائج المهمة لهذه الدراسه أن البراز يملأ منتصف طول المستقيم والقولون.

مع وضع طول البراز بجانب خصائص المخاط، فإنه لدينا الآن قصة فيزيائية متماسكة عن كيفية التغوط، فالحيوانات الضخمة لديها براز أطول، لكن مخاط أكثر سمكا، مما يساعدها على تحقيق سرعة عالية في عملية الإخراج. وعند نفس الضغط، وبدون هذه الماده المخاطية يكون التغوط مستحيلا، وقد يؤدي لحدوث مضاعفات مثل الإصابات البكتيرية والإمساك المزمن.

زاوج بين هذين العاملين، وتتحصل على أزمنة ثابتة من التبرز على طول مملكة الحيوان (إثنا عشر ثانية) على الرغم من الإختلاف الكبير بين أحجام أجسامها (ملاحظة: يحدث الإمساك عندما يقوم البراز المتنقل داخل المعي الغليظ بامتصاص طبقات المخاط التي تحيط بذات المعي، فكر في الأمر كمحاولتك الإنزلاق في منزلق مائي جاف تماما).

لم تقم هذه الدراسة بتفحص ودراسة كل حيوان على وجه الأرض، إلا أن ما توصلت إليه من نتائج يتماشى ويتوافق مع بحوث أخرى تناولت عادات وسلوكات الحيوانات الغريبة الأخرى، حيث وجد عمل سابق حاز على جائزة نوبل فخرية في سنة 2015 بأن الثدييات تستغرق نفس المدة أثناء التبول، وهي مدة 21 ثانية.

كما أن لهذا الأمر علاقة تطورية كذلك، فالتغوط يجعل من الهروب من المفترسات أمرا صعبا (يموت عدد معتبر من حيوانات الكسلان بينما يغادر معاقله في الأشجار من أجل التغوط على الأرض)، ولذا فإن حركة أمعاء سريعة تخلص صاحبها من فضلات جسمه في عدة ثوان، أفضل من أن تضطر إلى أن تلزم نفس المكان في وضعية حرجة، وفي خطر محدق لمدة عشرين دقيقة.

يأمل هؤلاء الباحثون بأن تستغل دراستهم هذه في أمور أفضل من إشباع فضول المهووسين بالقولون، حيث كانوا قد كتبوا: ”من خلال فهم أفضل وأعمق للفيزياء التي تحكم التغوط، لن نتمكن فقط من توفير أفكار جديدة في التشخيصات الطبية، وصناعة الحفاضات، بل سنتمكن كذلك من توفير طرائق أفضل لنقل براز البشر، والحيوانات الأليفة، والحيوانات المهمة في الزراعة.“

بعيدا عن الفضول العلمي البحت، فإن نتائج هذه الدراسات ساهمت في فهم أعمق لعملية التغوط، وهو ما ساعد وكالة NASA على تطوير حفاضات تساعد رواد الفضاء في البقاء داخل بذلاتهم لمدة سبعة أيام، وهو ما كان يعتبر عائقا أمامهم في الماضي، حيث كانوا محكومين بسعة حفاضاتهم، حيث تعمل الحفاضات الجديدة على عزل البراز وإبقائه بعيدا عن الجلد بناءا على المعلومات التي عرفناها عن لزوجة المخاط الموجود مع البراز، وهو ما يثبت أيضا أن الفيزياء والرياضيات يمكن الإستفاده منها في كافة المجالات.

عدد القراءات: 1٬509

تدقيق لغوي: سفيان عشي.