تاريخ

تعرف على قصة حظر حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بيع واستهلاك شرائح الخبز الجاهزة

حظر حكومة الولايات المتحدة الأمريكية بيع واستهلاك شرائح الخبز

لابد أن الجميع بات يعرف الآن أن الحياة اليوم أصبحت سهلة جدا، حيث تتوفر فيها وسائل الراحة وتتجاوز إيجابياتها سلبياتها، ومن بين هذه الإيجابيات وأكثرها فائدة على الأرجح هي شرائح الخبز الجاهزة.

لا يحتاج الأمر لتفكير معمق لإدراك هذه الحقيقة، فمن أجل إعداد شطيرة (سندويتش) كل ما يتعين عليك فعله الآن هو فتح كيس شرائح الخبز وسحب العدد الذي تحتاجه منها، لا حاجة لسحب كتلة الخبز كاملة ثم التوجه وحمل سكين والبت في تقطيعها الأمر الذي قد ينتج عنه شرائح غير متساوية العرض والحجم مع نهايات غير سوية كذلك، وما يثير الاستغراب أيضا هو أن الأمر استغرق البشر حوالي ألفي سنة لإدراك هذا الأمر واكتشافه.

الآن تخيل عزيزي القارئ أن يأتي أحدهم ويحرمك من الاستمتاع بشرائح الخبز الجاهزة وكل الوقت والمجهود الذي تختصره عليك! ذلك ما حاولت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية القيام به بالضبط في سنة 1943. في تلك الأثناء؛ كانت الحرب العالمية الثانية في أوجها وكانت الولايات المتحدة، على غرار بقية دول الحلفاء التي كانت تخوض الحرب، تحاول اقتصاد الموارد الطبيعية من أجل استغلالها في تشغيل آلة الحرب، وكان الغذاء من أبرز هذه الموارد التي استهدفتها.

إعلان ترويجي لشرائح الخبز الجاهزة من طرف شركة مخابز (كونتينونتال)، واحدة من أولى شركات المخابز التي باعت شرائح الخبز الجاهزة.

إعلان ترويجي لشرائح الخبز الجاهزة من طرف شركة مخابز (كونتينونتال)، واحدة من أولى شركات المخابز التي باعت شرائح الخبز الجاهزة.

تم إنشاء إدارة غذاء الحرب من أجل هذا الغرض بالتحديد، أي مراقبة إنتاج وتوزيع الغذاء في البلاد من أجل سد حاجيات الشعب الضرورية، وكان الهدف الرئيس من إنشائها هو منع تبذير الغذاء والطعام. كان آنذاك السيد (كلود ويكارد) على رأس هذه الإدارة، كما كان يشغل في الوقت ذاته منصب وزير الزراعة، وكان هو الذي أتى بهذه الفكرة اللامعة: ”حظر شرائح الخبز الجاهزة لأنها كانت تجعل الأمريكيين يتناولون الطعام بكميات أكبر“.

أعظم اختراع:

اخترعت شرائح الخبز الجاهزة من طرف (أوتو فيريديريك رويدر) الذي كان اختصاصي طب عيون وتاجر مجوهرات معا، وكان يملك ثلاثة محلات لبيع المجوهرات في مدينة (ساينت جوزيف/ميزوري) في الولايات المتحدة الأمريكية، ويرجح أنه عندما كان يبيع الأقراط والعقود وطواقم المجوهرات للنساء، كان يستمع رغما عنه لمشاكل الزوجات وربات المنازل وهن يناقشن العبء والتعب الذي تسببه لهن مهمة تقطيع الخبز، ومن هنا لمعت في رأسه فكرة صناعة آلة تؤدي هذه الوظيفة بدلا عن الإنسان، أي آلة لتقطيع الخبز إلى شرائح.

في سنة 1912، تمكن (رويدر) من إكمال إنجاز نموذج أولي عن آلة تقطيع الخبز لكنه لم يكن يدري بالتحديد درجة السُمك التي ستكون عليها شرائح الخبز الناتجة، لذا أعد استبيانا مختصرا ونشره على عدة جرائد كبيرة، وفي غضون عدة أشهر أجابت أكثر من ثلاثين ألف امرأة عن الاستبيان وعبّرن عن اختيارهن لسمك الشريحة وكيف كنّ يفضلنها.

بعد أربعة سنوات، باع (رويدر) متاجر المجوهرات خاصته وبالمال الذي تحصل عليها أنشأ ورشة في أحد المستودعات المهجورة من أجل بناء آلة تقطيع الخبز إلى شرائح. لسوء حظه شب حريق في سنة 1917 وأتى على ورشته والتهمت ألسنة اللهب نموذج آلته الأولى إلى جانب المئات من المخططات والنماذج، فراحت بذلك آلاف الساعات من العمل الشاق والمضني أدراج الرياح.

سحبت تلك النيران (رويدر) ومجهوداته عشر سنوات إلى الوراء حرفيا، لكنه في نهاية المطاف؛ وفي سنة 1928 بالتحديد، تمكن أخيرا من إنهاء بناء آلة جاهزة لتقطيع الخبز إلى شرائح، ولم يقتصر عملها على تقطيع الخبز وحسب بل حتى تغليفه.

صورة توضيحية للنموذج الأولى الأصلي لآلة (رويدر)

صورة توضيحية للنموذج الأولى الأصلي لآلة (رويدر) – صورة: غوغل patents

آلة تقطيع شرائح الخبز

آلة تقطيع شرائح الخبز.

آلة تقطيع شرائح الخبز لدى شركة مخابز (شيليكوث)، إلى يومنا هذا تسمي شركة (شيليكوث) نفسها ”منزل شرائح الخبز الأصلي“.

آلة تقطيع شرائح الخبز لدى شركة مخابز (شيليكوث)، إلى يومنا هذا تسمي شركة (شيليكوث) نفسها ”منزل شرائح الخبز الأصلي“.

كانت شركة مخابز (شيليكوث) في مدينة (شيليكوث/ميزوري) أول شركة تستعمل آلة (رويدر) لتقطيع شرائح الخبز، وخلال أسابيع ارتفعت مبيعات الخبز وبلغت مستويات خيالية؛ أصبح الأمريكيون يتناولون الخبز مثلما لم يفعلوه من قبل، وخلال خمسة سنوات أصبحت تقريبا كل مخبزة في الولايات المتحدة مجهزة بآلة تقطيع شرائح الخبز، وأصبحت كذلك نسبة 80 بالمائة من الخبز الذي يتم إنتاجه في أمريكا مقطعا إلى شرائح.

قلّل من تناول الخبز!

في محاولة لتقليل استهلاك الطعام، أطلقت بريطانيا حملة خلال الحرب العالمية الأولى تشجع فيها الناس على تناول أقل قدر من الخبز وتحثهم على استعمال مكونات بديلة منزلية المنشأ في طهو الطعام، كما كانت السلطات تنصح الناس بتناول الطعام ببطء وأن لا يفعلوا إلا عندما يشعرون بجوع شديد، كما كان يتم نصحهم كذلك بالامتناع عن إطعام الكلاب الضالة.

ومن أجل خفض نسبة استهلاك الخبز أكثر، منعت إدارة الطعام بيع الخبز المطهو حديثا وأمرت بأن لا يباع إلا الخبز الذي مضى على جهوزيته 12 ساعة، وكان أساس هذه الفكرة أن الخبز عندما يتقادم يصبح أقل إثارة للشهية، ومنه سيعزف الناس عن أكله أكثر.

ملصقات الحملات الدعائية البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى.

ملصقات الحملات الدعائية البريطانية خلال الحرب العالمية الأولى.

ربما لم يكن (كلود ويكارد) مدير إدارة غذاء الحرب الأمريكي يشعر بالراحة إزاء إعلام الناس بخفض استهلاكهم لمادة غذائية مهمة على شاكلة الخبز، لذا اتخذ ذريعة يتحجج بها في مسعاه لحظر استهلاك وإنتاج شرائح الخبز الجاهزة، وعندما تم إصدار الحظر في الثامن عشر من شهر يناير سنة 1943، نشرت جريدة الـ(نيويورك تايمز) مقالا تضمن شرحا رسميا من الحكومة ورد فيه: ”يستلزم إنتاج الخبز المقطع إلى شرائح تغليفه بشكل إضافي عن الخبز غير المقطع من أجل منع تعرضه للجفاف“.

وزُعم أن عملية التغليف الإضافية هذه كانت تتطلب ورقا مشمعا، وبما أن الولايات المتحدة كانت توجه تركيزها نحو هزيمة أعدائها في الحرب العالمية الثانية، فكان لها بذلك -على حد تصريح (ويكارد)- أشياء أفضل وأكثر أهمية تقوم بها من تشميع ورق تغليف الخبز، وبما أن الخبز المغلف بواسطة ورق غير مشمع سيتعرض سريعا للجفاف ويصبح غير قابل للاستهلاك، ومنه ستجبر الكثير من العائلات على رميه مما سينتج عنه تبذير واسع للقمح والطعام.

بينما كانت الحاجة إلى تقليل استهلاك القمح وادخاره أمرا منطقيا خاصة في زمن الحرب، غير أن الولايات المتحدة آنذاك كان لديها مخزون هائل من الحبوب يكفيها لمدة عامين كاملين حتى مع توقف الإنتاج والزراعة خلالها، فإن لم تكن فكرة اقتصاد استهلاك القمح هي السبب الفعلي وراء الحظر، فقد يكون إذن اقتصاد المعادن؛ كانت آلات تقطيع شرائح الخبز الكهربائية مصنوعة من الفولاذ، وخلال الحرب تعين على الكثير من الشركات التي تصنع منتجات معدنية تعليق نشاطاتها حتى يتم استغلال الموارد المعدنية ”النفيسة“ آنذاك في صناعة الآلات الحربية والدبابات والمدفعيات.

لكن آلات تقطيع شرائح الخبز الجديدة كانت نادرا ما يتم تصنيعها وإنتاجها ومنه كانت الفوائد الناجمة عن اقتصاد المعادن التي تصنع منها هذه الآلات ضئيلة وهامشية، أضف إلى ذلك أنه لو كان هذا هو السبب الفعلي لكان الحظر موجها مباشرة نحو تصنيع الآلات وليس نحو منتوجها.

مهما كان السبب الفعلي وراء هذا الحظر الغريب، فقد بدا واضحا أنه لم يتم التخطيط له بإحكام ومنه لم يدم طويلا، كما أن الامتعاض الواسع الذي خيم على الشعب الأمريكي كنتيجة لحرمانه من منتوج شرائح الخبز الذي لم يستطع العيش بدونه سبب ضغطا كبيرا على الحكومة.

كتبت إحدى ربات المنزل المستاءات رسالة شكوى وأرسلتها لجريدة نيويورك تايمز جاء في مضمونها:

أريد أن أبين لكم مدى أهمية شرائح الخبز الجاهزة للحفاظ على المنزل العائلي صحيا ومتزناً: يكون زوجي وأبنائي الأربعة دائما في عجلة من أمرهم قبل وأثناء وبعد وجبة الفطور، ومن دون شرائح الخبز الجاهزة يصبح علي تقطيع الخبز بنفسي من أجل تحميصه، وعدد ذلك قطعتان لكل واحد من أفراد أسرتي مما يجعلها عشرة قطع. بالنسبة لوجبة الغداء يتعين علي أن أقطع يدويا على الأقل عشرين شريحة خبز لأن كل شطيرة تستلزم قطعتين، بعد ذلك أعدّ حصتي من الخبز المحمص، وهذا يعني 22 شريحة خبز يجب علي تقطيعها بنفسي على عجالة. أضف إلى ذلك أنها ستبدو أقل إثارة للشهية من شرائح الخباز المتساوية الحجم والمتقنة.

في نهاية المطاف، تم رفع الحظر أخيرا في الثامن من شهر مارس سنة 1943، وفي تصريح أدلاه مجلس إنتاج الحرب إلى العامة، اعترف فيه بأن: ”المدخرات -الناتجة عن هذا الحظر- لم ترقى للتطلعات المرجوة منها“، وأنه كان هناك ما يكفي من الورق المشمع في حوزة الخبازين لتغليف شرائح الخبز لأشهر كاملة.

المصادر

عدد القراءات: 864