in

هل كان ليكايون ملك أركاديا أول المستذئبين؟

أول ما ذُكر (ليكايون) ملك أركاديا ففي الأساطير اليونانية القديمة، حيث يعتقد أنه عاش في الفترة التي سبقت الطوفان العظيم، وبالتالي كان معاصرًا لملكين أسطوريين آخرين، (دوكاليون من ثيسالي)، و(سيكروبس من أثينا). في الأساطير اليونانية، يُذكر (ليكايون) كملك عاقبه الإله لشدة تفاخره واستخفافه وانعدام تقواه.

بصرف النظر عن القصة الغريبة إلى حد ما، من المعروف أيضًا أن (ليكايون) كان والدًا للعديد من الأبناء، الذين أسسوا قرى وبلدات أركاديا (إحدى مقاطعات اليونان) وأعطوا أسماءهم لها. وهكذا، بطريقة ما، يمكن اعتبار (ليكايون) بطلًا مؤسسًا، على الرغم من الجريمة البشعة التي ارتكبها.

في هذا المقال لا نستعرض قصة ظهور شخصية المستذئب في الأدب وعلى الشاشات، بل نمر على أصول الشخصية وامتداد العديد من التفاصيل الواردة في الاسطورة لعالمنا الحالي كالطوفان والأضاحي والخبز المقدس والعدالة الإلهية وغيرها.

قصة عائلة (ليكايون)

ديانا (هي ارتميس بالرومانية) و(كاليستو) 1712-1716. صورة: Sebastiano Ricci/Public Domain
ديانا (هي ارتميس بالرومانية) و(كاليستو) 1712-1716. صورة: Sebastiano Ricci/Public Domain

وفقًا للأسطورة اليونانية، كان (ليكايون) هو ابن (بيلاسجوس)، الذي يُعتبر عمومًا الجد الأعلى للبيلاسجيان، سكان اليونان الأوائل. وفقًا لأحد روايات الأسطورة، كانت والدة (ليكايون) هي (ميليبويا)، بينما تدعي أخرى أن والدته كانت (سيلين). يقال إن كلاهما كانتا حوريات، وربما كانتا في الواقع نفس الشخص. تشير نسخة ثالثة من الأسطورة إلى أن والدة (ليكايون) كانت (ديانيرا)، الذي كان والدها، بالمناسبة، اسمه أيضًا (ليكايون).

يقال أن (ليكايون) كان لديه العديد من الزوجات، ومن خلالهن، أنتج نسلًا كبيرًا. بشكل عام، يُذكر أن (ليكايون) أنجب ما يصل إلى 50 ابنًا. ومع ذلك، تختلف المصادر فيما يتعلق بعددهم، وكذلك أسمائهم.

خلال فترة حكم (ليكايون)، كانت منطقة أركاديا تُعرف باسم بيلاسجيا، تكريمًا لمؤسسها، (بيلاسجوس). أعيدت تسمية المنطقة في وقت لاحق لأركاديا، تكريما لـ (أركاس)، حفيد (ليكايون). كان (أركاس) هو ابن (كاليستو)، ابنة (ليكايون).

في الأساطير اليونانية، كانت (كاليستو) رفيقة صيد للإلهة (أرتميس) وأقسمت بالحفاظ على عذريتها. لكنها كسرت هذا العهد في نهاية المطاف وأنجبت (أركاس). تنتهي الأسطورة بتحوّل (كاليستو) إلى دبة، ومطاردتها، و وضعها في السماء بهيئة كوكبة نعرفها الآن بالدب الأكبر. ومع ذلك، هناك عدة روايات لهذه الأسطورة.

على سبيل المثال، تنص إحدى الروايات على أن (زيوس) اتخذ شكل (أرتميس) لإغواء (كاليستو). عندما اكتشفت حملها، ألقت (كاليستو) اللوم على (أرتميس)، فلم تُسرّ الإلهة على الإطلاق، وحولتها إلى دب. في نسخة أخرى، كانت زوجة (زيوس) الغيورة، (هيرا)، هي التي حولت (كاليستو) إلى دب بعد أن علمت بما فعله زوجها. ثم أقنعت الإلهة (أرتميس) بصيد هذا الدب.

بعد وفاة (كاليستو)، أرسل زيوس (هيرمز) لإنقاذ (أركاس) من رحم أمه وسلّم الطفل إلى الحورية (مايا) لتربيته.

أسطورة (ليكايون)

(ليكايون) يتحول لذئب بفعل غضب زيوس. صورة: Henrik Goltzius/Public Domain
(ليكايون) يتحول لذئب بفعل غضب زيوس. صورة: Henrik Goltzius/Public Domain

على عكس ابنته (كاليستو)، التي كان مآلها نتيجة نزوة لآلهة اليونانية القديمة، كان سقوط (ليكايون) نتيجة مباشرة لأفعاله. مثل أسطورة (كاليستو)، والعديد من الأساطير اليونانية الأخرى، هناك العديد من الاختلافات في القصة. يمكن العثور على الرواية الأكثر شهرة من هذه الأسطورة في «كتاب التحولات» لـ (أوفيد).

في هذه الرواية، أبلغ (زيوس) بقية الآلهة أن: ”أخبارًا سيئة قد وصلته من عالم البشر“، وعلى أمل أن يثبت أنها أخبار كاذبة، قرر كبير الآلهة زيارة الأرض في هيئة بشري. مع اقتراب الليل، وصل (زيوس) إلى أركاديا وكشف عن ألوهيته للشعب.

بينما كان الأركاديون يصلون ويتعبّدون لـ (زيوس)، سخر (ليكايون) من “نذورهم الورعة”، وقال إن ”التجربة الحقيقة ستثبت صدقه إن كان إلهًا أو إنسانًا“.

عمد (ليكايون) إلى اختبار معرفة (زيوس) عندما قدّم له اللحم البشري كوجبة ضيافة. فوفقًا لـ (أوفيد)، ”نحر عنق رهينة أرسل إليه من مملكة مولوسي، وقطّع أوصاله بينما هي لا تزال ترتعش في الماء المغلي، وشواها على نار مشتعلة.“ وقدّمه لـ (زيوس) الذي كان يعي الحيلة التي حاول (ليكايون) القيام بها، فغضب غضبًا جمًا ودمر منزله بالصواعق.

أما الملك الشرير، فقد حوله (زيوس) إلى ذئب، ”أفقده الرعب الذي ضرب في نفسه فهرب، وامتلأت السهول الصامتة بعواء محاولاته البائسة في التحدث؛ يرغي ويزبد وترتجف فكاه، راغبان في ذبحية حية، انقلب على الأغنام وسفك دمائها. امتلأ صدره بشعر أشعث، وتغيرت ذراعيه إلى ساقين. وكذئب كان له نفس الفرو الرمادي، ونفس الوجه الصلب، ونفس العيون الساطعة، ونفس المظهر الشرس“.

في نهاية القصة، اقتبس (أوفيد) عن (زيوس): ”هكذا زُهقت عائلة كاملة، ولكن لم تكن الوحيدة التي تستحق أن تهلك؛ على كل الأرض تسود الرزائل، وكل البشر يطاوعون الشر. فليتمرغوا بثقل العقوبات الرهيبة التي استحقوها بعدل.“ ولا شك أن (أوفيد) كان يهدف إلى تحذير قرائه من ارتكاب الشرور، خشية أن يعانوا من العدالة الإلهية.

وكون (ليكايون) لا يمانع اكل لحم البشر فان هذه الهيئة تناسبه أكثر. فإنسان يأكل إنسانًا هو أمرٌ مشين أما ذئب يأكل إنسانًا فهي الطبيعة لا أكثر.

الاختلافات في أسطورة (ليكايون)

الطوفان، بريشة (جون مارتن)، 1834. صورة: Yale University/Public Domain
الطوفان، بريشة (جون مارتن)، 1834. صورة: Yale University/Public Domain

تم العثور على نسخة أخرى من الأسطورة في «مكتبة أبولودورس الزائف»، والتي يعود تاريخها إلى القرن الأول أو الثاني الميلادي. على عكس نسخة (أوفيد)، تقول تلك التي وجدت في المكتبة أن العمل الشرير ارتكبه أبناء (ليكايون)، وليس الملك نفسه. وفيها يُذكر أن لـ (ليكايون) 50 ابنًا واستعرضت أسماء كل واحد منهم.

كما قيل أن أبناء (ليكايون) ”قد تجاوزوا جميع البشر في الكبرياء والتجبر“ فقام (زيوس)، الذي كان ينوي أن يرى بنفسه مدى فداحة وعنجهية هؤلاء الناس، بزيارتهم بهيئة عامل بسيط.. أبناء (ليكايون) ”قدموا له ضيافة وذبحوا طفلاً من أبناء القرية، وخلطوا أحشاءه بالذبائح، و وضعوها أمامه، بتحريض من الأخ الأكبر (مينالوس)“.

غني عن القول أن (زيوس) عرف بما فعلوه، فغضب ”وأنزل على (ليكايون) وأبناؤه الصواعق.“ فقط الابن الأصغر، (نيكتيموس)، نجا، حيث كان سريعًا بما يكفي ليمسك يد (زيوس) اليمنى ويسترضي غضبه. ”لقد كان (نيكتيموس) هو من خلف (ليكايون) كملك، وخلال فترة حكمه حدث الطوفان العظيم، والذي يقول البعض إنه عقاب (زيوس) على عدم تقوى أبناء (ليكايون).“

كما ورد في بعض إصدارات الأسطورة أن (نيكتيموس) هو الابن الذي ذبحه (ليكايون) وأعده كوجبة لـ (زيوس) ليختبر معرفته وحكمته.

تم العثور على نسخة أخرى من الأسطورة في الوصف الذي كتب خلال القرن الثاني الميلادي على يد الرحالة والجغرافي (باوسانياس) الذي عاش من 110 – 180 قبل الميلاد لليونان. القصة التي قدمها (باوسانياس) تختلف تمامًا عن تلك المذكورة أعلاه.

على سبيل المثال، لا يذكر (باوسانياس) كبرياء أو عقوق (ليكايون). بالإضافة إلى ذلك، لم يذكر أي شيء عن تقديم ا(ليكايون) اللحم البشري المطبوخ إلى (زيوس).

كانت التضحية البشرية التي قام بها الملك هي التي تسببت في غضب (زيوس)، إذ أحضر (ليكايون) طفلًا بشريًا إلى مذبح (زيوس ليكايوس)، وضحى به، وسكب دمه على المذبح، و وفقًا للأسطورة على الفور بعد الذبيحة تغير من هيئة رجل إلى ذئب. لذلك، يمكن القول إن جريمة (ليكايون)، وفقًا لهذه النسخة من الأسطورة، كانت اختياره الخاطئ بتقديم أضحية بشرية للآلهة.

على سبيل المقارنة، يذكر (باوسانياس) ملك أثينا (سيكروبس)، الذي كان معاصرًا لـ (ليكايون)، ونوع التضحية التي قدمها ويقول إنهما لم يكونا على نفس القدر من الحكمة في مسائل الدين. بالنسبة إلى (سيكروبس) كان أول من أطلق اسم Zeus Hypatos (الإله الأعلى) على زيوس، ورفض التضحية بأي شيء حيّ، ولكن بدلاً من ذلك أحرق على المذبح الخبز المحلي الذي لا يزال الأثينيون يطلقون عليه اسم «بيلانوس».

الجانب الآخر من القصة

واحد من لوحين باقيين خلدا اسماء المنتصرين في ألعاب (ليكايون) صورة: Dan Diffendale/CC BY NC SA 2.0

بينما يذكر الكتاب القدماء الآخرون فقط جريمة وعقاب (ليكايون)، كتب (باوسانياس) أيضًا عن المساهمات الإيجابية لهذا الملك. وفقًا له، أسس (ليكايون) مدينة Lycosura على جبل Lycaeus ومنح (زيوس) لقب Lycaeus كاسم أول له، اللقب الذي مُنح لبعض الآلهة الأخرى، مثل (بان) و(أبولو)، الذين عُبدوا أيضًا على نفس الجبل. يذكر (باوسانياس) أنه تم إنشاء منطقة لـ (ليكايوس زيوس) على الجبل وتم منع الناس من دخولها.

إذا خرق شخص هذه القاعدة ودخل المنطقة، فسوف يموت في غضون عام. يروي (باوسانياس) أيضًا أسطورة تحيط بهذه المنطقة المقدسة، وهي كالتالي، ”كل شيء على حد سواء داخل المنطقة، أكان وحشًا أم إنسانًا، لا ظل له. لهذا، عندما يلتجئ وحش إلى هذه المنطقة، لن يندفع الصياد وراءه، بل سيبقى في الخارج، وعلى الرغم من أنه يرى الوحش إلا أنه لا يستطيع أن يرى الظل.“

يُرجع (باوسانياس) الفضل لـ (ليكايون) لتأسيس ألعاب رياضية تحمل اسمه وزعم أنها سبقت ألعاب مهرجان عموم أثينا الشهيرة. فيقال أن ألعاب (ليكايون) نشأت ما بين 1398 و1294 قبل الميلاد. ومثل الألعاب الأولمبية القديمة، كانت ألعاب (ليكايون) تقام مرة كل أربع سنوات.

يمكن تقسيم هذه الألعاب إلى قسمين، الطقوس والأحداث الرياضية. يتضمن الأول تقديم الأضاحي والقرابين للآلهة، في حين تضمن الأخير سباق المركبات والخيول، المصارعة، الملاكمة، والسباق الخماسي.

بالإضافة إلى ذلك، يذكر (باوسانياس) أن أبناء (ليكايون) أسسوا العديد من المدن في أركاديا. على عكس «مكتبة أبولودورس الزائف»، يلاحظ (باوسانياس) أن (نيكتموس) كان أكبر أبناء (ليكايون)، وأنه هو الذي خلفه في الحكم. ومع ذلك، أسس إخوانه مُدنًا في المواقع التي اعتبروها الأفضل لهم. ويتابع (باوسانياس) سرد جميع المدن التي أسسها أبناء (ليكايون).

وفقًا لـ (باوسانياس)، ”طلب (أونوتروس)، أصغر أبناء الملك، من شقيقه (نيكتموس) المال والرجال ليعبر عن طريق البحر إلى إيطاليا؛ نالت أرض «إينوتريا» اسمها من (أونوتروس) الذي أصبح ملكها.“ يؤكد (باوسانياس) أيضًا أن «إينوتريا» كانت أول مستعمرة أسسها الإغريق، فيقول:

”كانت هذه أول رحلة أرسلت من اليونان لتأسيس مستعمرة، وإن أجرى أحدهم تحقيقًا بأقصى دقة ممكنة سيكتشف أنه ما من أحد هاجر إلى أرض أخرى قبل الإينوتريون.“ وهكذا، يرسم (باوسانياس) صورة مختلفة عن (ليكايون) وأبنائه. فبدلاً من مجرد بشر سيئين متجبرين، تصورهم كتابات (باوسانياس) على أنهم أبطال مؤسسون شكلوا قوة حضارية في أركاديا.

هل كان المستذئب الأول؟

مستذئب. صورة: chainat/Adobe Stock

جانب آخر مثير للاهتمام حول (ليكايون) موجود في وصف (باوسانياس) لليونان هو ارتباط الملك بشخصية المستذئب أو المذؤوب التي عرفناها باللغة العربية، أما في الولايات المتحدة والعالم عمومًا يسمى بـ werewolf وفي المملكة المتحدة وبعض الدول الأوروبية يسمى بـ Lycane وهو الاسم المشتق من اسم الملك (ليكايون) Lycaon.

أما كلمة werewolf فهي مشتقة من اللغة الإنجليزية القديمة وتعني حرفيًا «الرجل الذئب». وبذلك، غالبًا ما يُعتبر (ليكايون) أحد أقدم الأمثلة على هذه الظاهرة.

عُثر أيضًا على قصة رجل يتحول إلى ذئب في «ملحمة جلجامش»، التي تعتبر أقدم قطعة أدبية موجودة في تاريخ البشرية. في هذه الملحمة، يرفض البطل جلجامش عرض الإلهة عشتار، لأنه علم أنها حولت أحد عشقاها السابقين إلى ذئب. كما ذكرنا سابقًا، أُكّد على تحول (ليكايون) إلى ذئب في كل من نسخ (أوفيد) و(باوسانياس) من الأسطورة اليونانية.

ومع ذلك، فإن هذا الأخير لديه بعض المعلومات الإضافية بشأن الموضوع. فيذكر (باوسانياس) أنه: ”لم يكن تحوّل (ليكايون) لمدى الحياة؛ فإذا امتنع عن أكل اللحم البشري وهو في هيئة الذئب، بعد تسع سنوات سيعود رجلاً مرة أخرى، ولكن إذا تذوق لحمًا بشريًا فإنه سيظل وحشًا إلى الأبد“.

ومع ذلك، يبدو (باوسانياس) متشككًا، كما يجب أن نكون دائمًا، ويقول: ”على مر العصور، العديد من الأحداث التي وقعت في الماضي، وحتى بعض الأحداث التي حدثت اليوم، قد فقدت مصداقيتها بشكل عام بسبب الأكاذيب التي بنيت على أسس حقيقية“.