أقصوصة

مستودع لا مجتمع

كواحدة من مليارات البشر على سطح هذا الكوكب ولدت على الدين الحق، تابعةً للإله الحق، ومن العرق الصافي المميز، وعلى الأرض النبيلة والشعب الطاهر. أتَّبع النسب المميز وحفيدة الجد البطل، وابنة المناضل العظيم، أو على الأقل هذا ما كنت اسمعه منذ خلقت هنا.

ترعرعت على طريقة فهم هذا المجتمع المنحط للأخلاق، احتفظ بي والدي في صندوق أسود صغير الحجم حتى أنني توقفت عن النمو في سن السابعة عشرة من شدة ضيق هذا الصندوق، كانت وصيّة والدي بعد وفاته هو توريث هذا الصندوق الذي كنت قابعة بداخله بشكل مقوقع لا يتسع لقطعة من البسكويت بيدي، لأخي الأكبر ليحتفظ به ويصونه حتى يأتي ميعاد فتحه.

كما تتحدث أساطيرهم الأزلية، عُلِّمتُ ما يهمهم أن تتعلمه الفتيات الذين ولدن على الحق، وفي الأرض الطاهرة من صاحبات العرق النبيل من فن الطبخ وفن الحفاظ على قطعة المطاط القابعة بين فخذيّ أي فتاة، حتى جاء اليوم الذي دُقَّت فيه أبواب منزلنا جالبةً معها السرَّ الكبير الذي طالما انتظره اخي.

جاء ميعاد فتح ذلك الصندوق القاتم حتى يتفاخر بأنه قد صان الأمانة التي تركها له والدنا المناضل؛ أثناء استراق السمع لحديث أمي مع امرأة جاءت لتحدثها بخصوص ذلك الخبر المفرح، استطعت أن أسترق جملة من مجمل الحديث كانت تلك الجملة بصوت والدتي التي سبقها صوت قرقعة فنجان القهوة على الطاولة (لقد أعطيناكم ابنتنا إن أعطاكم الله).

قرأوا تلاوة من كتابنا المقدس، ثم ودَّعت أمي تلك المرأة بشغف مكبوت داخلها حتى لا تفضح شعورها بالسعادة العارمة التي كانت تعتريها، ونادتني الى غرفتها لتخبرني بأني يجب أن أفرح! لأني سأخرج من ذلك الصندوق الأسود الذي أمضيت فيه 20 عاما، وأنتقل لداخل صندوق وردي اللون كزوجة لشخص أخر.

قد تم وهبي له وأصبح من واجبي أن أقوم بما تعلمته لشخص لا أعرفه حتى الأن يطلقون عليه اسم زوج، عَمّت الفرحة أرجاء معمورتنا، قُرِئت الكثير من التلاوات المقدسة على رأسي، أُدخلت الى غرفة نوم أمي عنوة لتعلمني أشياء سيطلب مني فعلها في منزل زوجي، وإلا فإنه سيحضر امرأة أخرى يحشرها معي في ذات الصندوق إن لاحظ أي تقصير تجاهه.

يالَ سعادتي وسذاجتي سأنتقل الى صندوق أكبر من ذاك الذي كنت فيه، سأمرح به كما يحلُ لي ربما أسطيع الأن أن أشتري القصة التي طالما حلمت أن تقصها عليَّ أمي قبل النوم، سألعب بلعبة الباربي التي حُرمت منها سابقاً لأنها تملك أعضاء جنسية كانت أول تخيلات سعيدة أعيشها بتلك المدة التي اعتبرها طويلة.

في ليلة تسليم السلعة لصاحب السعادة تقدمت ممسكة يد أخي الأكبر باتجاه صاحب الصندوق الوردي الكبير، فككت يدي عن يد أخي وتوجهت لأمسك يد زوجي، كانت تلك اللحظة الوحيدة التي أشعر فيها بالحرية تمنيت لو أن الطريق يطول ويطول الى ما لا نهاية له، لا أريد الوصول كنت أردد هذه الجملة مع كل خطوة أخطوها باتجاه الصندوق الوردي، أعدتُ تقييد يدي بيد زوجي الذي تعرفت على شكله سابقاً منذ ايام، ولم أكن أحفظه بشكل جيد ولو أني ارتطمت به في مكان ما لم أكن لأعرفه حينها.

تباطأت وتيرة العيش في ذاك الصندوق الجديد، لم أحظ بقصتي، لم أحظ بلعبي حظيت بالكثير من الدماء في ليلتي الأولى حتى صبغت صندوقي الأسود السابق ليتحول الى لون أفتح، لكن حجمه لم يتغير ولم تتغير صفاته ولا رائحته، ضقت ذرعا بكوني سلعة لا غاية لوجودها هنا سوى تبادلها بين منزل والدتي ومنزل زوجي بالصندوق ذاته والرائحة ذاتها.

قررت الهروب وإعلان الحرب على العلبة التي أُوهِمت بأنها منزل، والمستودع الذي أُوهِمت أنه مجتمع، حتى وصلت الى بلاد من هم أدنى مِنا في ترتيب النُبل، وليسوا موجودين على قائمة اختيارات الآلهة لترتيب الشعوب أو ما يسميه مجتمعنا ببلاد الكفار.

خَلعت عني ذلك الوشاح الذي توارثه أجيال النساء النبلاء في عشيرتنا ورميت بصناديقهم في البحر، ذهبت لأول متجر في طريقي ضمدت جراحي الأخيرة التي تعرضت لها قُبيل اغتصابي من قبل زوجي، اشتريت القصص، اشتريت الألعاب، تذكرت تلك اللحظة التي أرخيت بها يد اخي الأكبر وكنت أرى فيها ضوء أبيضاً في الجهة المقابلة من حجم كذب ما أوهمت به، كانت خطوتي الأولى في ذلك المكان الذي بدأت أتنفس فيه الصعداء وأتذوق طعم الحرية التي تقضي بعدم ربطي بسلسلة حول رقبتي أنصاع بها لأوامر من هم أكمل مني عقلاً وأكثر مني حظاً وفُهماً.

مقال من إعداد

خالد الجرعتلي

عدد القراءات: 427