اجتماعيات

​تجارة الحرب في سوريا – الحواجز

​تجارة الحواجز في سوريا

أوقات الحرب تفرض ظروفاً استثنائية على الناس، خصوصاً الحروب الأهلية طويلة الأمد كالحرب السورية. مع انقضاء خمس سنوات ونصف على بداية الصراع المسلح في سوريا فقد تغير وجه البلاد الديموغرافي بشكل كبير. وبالإضافة للتغير الديموغرافي فالحياة الاقتصادية لم تعد كما كانت أبداً مع صعود تجارات جديدة وانهيار أخرى.

أحد أشكال ”النشاط الاقتصادي“ الجديدة إن جاز التعبير هي حواجز التفتيش المتناثرة هنا وهناك في كل مكان، وإن كانت المعلومات هنا عن الحواجز في مناطق سيطرة النظام فلا أظن الأمر مختلفاً في سواها (وإن لم أكن قد جربت سواها نظراً لكون ”نفوسي“ على الهوية كافية للإطاحة برأسي).

قديماً قبل عام 2011، كان الجميع يعرف أن بإمكان أي شخص أن يقود سيارته من أقصى البلاد لأقصاها دون ان يخطر له حمل هوية شخصية أو سواها. لكن مع بدأ الثورة السورية وتحول الأمر بسرعة إلى حرب أهلية أكلت الأخضر واليابس، وقسمت البلاد إلى مناطق تابعة لعشرات الفئات المتقاتلة، تغير الأمر وأصبح التنقل لبضعة كيلومترات فقط يتطلب إثباتات شخصية وأحياناً موافقات أمنية وعسكرية بالإضافة لانتظار مطول قد يمتد لساعات.

تجارة الحواجز في سوريا

الوضع على الحواجز في سوريا يمثل الحالة المعتادة التي يعطى فيها أشخاص سلطة كبيرة بلا محاسبة فعلية، فكما كانت تردد جدتي ”سألوا فرعون: من فرعنك؟ أجاب: لم يمنعني أحد“. عند المرور على الحاجز يجب أن تبتسم ابتسامة مشرقة وتبدو بأبرأ شكل ممكن وتزيل نظاراتك الشمسية وسماعات الأذن و”تضيف“ العنصر أي شيء تتناوله أو تدخنه أو تشربه أو أحيانا تحمله في سيارتك.ىيمكنك بالطبع تجربة أسلوب ”كيفك ضيعة“ (وهي عبارة شائعة بين أبناء الطائفة العلوية) لتجاوز الحاجز بسهولة، لكن النتيجة غالباً سلبية فحتى ولو كنت ”ضيعة“ فالعنصر قد لا يكون أو ببساطة قد تكون صاحبته ”مطموزة“ وأنت المنحوس الذي أتى بوجهه.

على الرغم من كل المعاناة التي يمر بها الأفراد على الحواجز، فهي هينة مقارنة بمعاناة أي شخص يقود سيارة او شاحنة تحمل بضاعة من أي نوع. ففي حال كونك تنقل أي بضاعة كانت ولم تكن محسوباً على أحد ”كبير“ بشكل كافٍ لإخافة العناصر بعيداً عنك فأنت أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تلعب اللعبة مع العناصر المبتسمين بسبب ”مجيء الغلة“ وتدفع المعلوم سواء نقداً أو كجزء من بضاعتك، أو تلعب بالطريقة الصعبة ولا تفهم التلميحات، وعندها سيتم إنزال كل قطعة صغيرة من البضاعة الخاصة بك وبعثرتها وأحياناً تحطيمها مع تعقيدات لا تنتهي، وسؤال عن أذون أمنية موجودة أو خيالية بالإضافة لإطالة مدة الانتظار لساعات وساعات. إما تدفع أو تتحمل النتيجة.

على طريق دمشق–حمص يقع ”حاجز القطيفة“ الشهير، ويشهد لهذا الحاجز بالإبداع والابتكار في مجاله بشكل جعله أحد رواد هذا البزنس. يشكل الحاجز الشهير اختناقاً مرورياً كبيراً على الطريق الدولي بشكل جعله هماً حقيقياً لأي شخص ينوي التنقل بين هاتين المدينتين أو عبور الطريق لمكان آخر، فطوابير السيارات تمتد بشكل لا نهائي، والانتظار قد يطول لساعات في حال كونك تركب سيارة خاصة ولمدة أطول إن كنت في وسيلة نقل عام أو سائق شاحنة تحمل البضاعة. بعد الانتظار الطويل على الحاجز، تحول الشاحنات والحافلات وسيارات المنحوسين الذين يبدو عليهم الثروة ولا يبدو عليهم السلطة إلى ”ساحة التفتيش“ ليبدأ مشوار الانتظار المطول ويظهر نوع آخر من ”استثمار الحواجز“: الأكشاك. فعلى أطراف ”ساحة التفتيش“ التي تعج عادة بما لا يقل عن 100 راكب طوال النهار تتوزع أكشاك تبيع التبغ والماء والمأكولات الخفيفة، وتعود ملكية هذه الأكشاك إما لعناصر مدعومين على الحاجز أو على الأقل تدفع نسبة من أرباحها للعناصر على شكل ”حق استثمار“.

بالطبع لا يمكن الحديث عن الحواجز الأمنية دون ذكر ”حاجز المليون“ الشهير، فعلى عكس حاجز القطيفة فهذا الحاجز تابع لميليشيا ”الدفاع الوطني“ المؤيدة للنظام، لكنه في الواقع يشكل ما هو أشبه بدولة مستقلة عن أي سلطة. السلطة الوحيدة هناك للسلاح وسطوته فقط، وإن كانت معظم الحواجز تكتفي بأتاوات معينة وعمليات نهب متفرقة، فهذا الحاجز لا يجد حرجاً من الخطف والقتل والسطو على السيارات جهاراً نهاراً.

في النهاية.. بعد خمس أعوام ونصف على الحرب الطاحنة، صعدت فئات جديدة إلى أعالي الهرم المعيشي في البلاد، وبينما يعاني معظم الشعب السوري (باختلاف انتمائاته الطائفية والسياسية) من أحوال تزداد تدهوراً يوماً بعد يوم، فهذه الفئة من قطاع الطرق الجدد يزدهرون أكثر وأكثر ويتمددون بكل أكبر وأكبر كل يوم.

عدد القراءات: 6٬507