أقصوصة

هذا العالم القاسي أتعبني..

Santa in Aleppo - Mostafa Heravi
Mostafa Heravi
mm

يتهيّأ الجميع كالعادة لقدوم السنة الجديدة وتبدأ التحضيرات للحفلات والسهرات وكل ما يُعتبر من أساسيات هذه الليلة. يبدأ العدّ العكسي لسنةٍ يعتبرونها ”سنة جديدة ومليئة بالأمل..“ إلّا أنا.. لا أريد سنة جديدة، لا أريد عاماً جديداً، أنا متعبة جداً.. هذا العالم القاسي أتعبني.. هذا العالم المليء بالحروب والأسى.. أتعبني، ويقتلني يومياً، لا أستطيع أن أبكي، جفّت دموعي.

كلّ يومٍ أستيقظُ على أخبارٍ مجازر وإبادات جماعية، كل يوم أسمع بتفجيرات هنا وقصف هناك، كل يوم أشاهد التلفاز ووسائل التواصل الإجتماعي ولا أرى سوى الجثث الممدّدة على الطرقات والأشلاء، لا أريد عاماً جديداً مليئاً بكوارث جديدة. ألا تكفي الكوارث والحروب التي تحصل الآن؟ أنحن بحاجة حقاً إلى أشلاء جديدة؟ ألم تشبعوا من الحروب وويلاتها؟؟ ألا يعرفون أنّ الحروب ليست ببعيدة عنا.. أنّ دورنا آت نحن ”المتفرجون من بعيد“ في حروب ومجازر ستحصل في سنة جديدة من السنوات القادمة التي يحتفلون بمجيئها ولكن السؤال ”متى؟“.

أجرّب وأسأل الجميع من هو السبب، لمَ تحصل هذه الأشياء البشعة؟ لا أحد يعلم، لا أحد يُجيبني، يبرّرون فقط هذه المجازر القذرة ويضعون اللوم على بعضهم.. هل فقدنا ما يُسمّى ”بالإنسانية“؟ أأصبحت الحروبُ والمآسي جزءاً أساسياً من التاريخ؟ أأصبح السلامُ معجزة؟ ألم يعُد هناك شيء اسمه ”ضمير“؟

لا أريد كل هذه السنوات الجديدة.. أريد أن أبقى في عالمي، أريد أن أكتب وأصنع عالماً خاصّاً بي، أريد أن أغلق باب غرفتي، أريد أن أبتعد عن الجميع، أن أطفأ كل ما هنالك من وسائل إعلام وتواصل، لأنني لم أعُد أتحمّل أكثر، بربّي لم أعُد أتحمّل.

أريد أن أبقى في عالمي ولا أخرج منه إلّا حين يخبروني أنّ أخبار الموت والخراب توقفت! أأطلب الكثير؟! أريد أن أبقى في غرفتي وأكتب عن عالم جميل جداً لم ولن أراه يوماً، عن عالم خياليّ.

أريدُ أن أحلمَ بدنيا بسيطة، بأشياء إنسانية، ألا يحقّ لي أن أحلم؟ فليحتفلوا بسنة جديدة، فليرقصوا وليمرحوا، وأنا سأكون قابعة في غرفتي مرتدية الأسود وأكتب بعيدة عنهم، سأكون أسعد منهم، فعلى الأقلّ لن أخدع نفسي بأكاذيب جديدة، لن أرقصَ وأمرح وأنا قلبي يموت كل يوم على إنسانية فُقدت، لن أحتفلَ بسنوات بشعة جديدة وأنا أرى أيدٍ سوداء ملطّخة بالدماء تلوّح لنا من بعيد.

لستُ متشائمة بل أنا إنسانة واقعية لا تهتّم بكوب فارغ أو ممتلئ، أردّد في نفسي قائلة ”انشالله بتضربنا نيازك وبتقتلنا كلنا“.. ولن أخلع ثيابي السوداء إلّا حين أخرج من غرفتي وأرى أنّ اللون الأبيض والألوان الجميلة تليق بهذا العالم الظالم.. فأنا متعبة جداً.

عدد القراءات: 963

تدقيق لغوي: عباس حاج حسن.