in

قصة أكبر عملية احتيال تقنية في التاريخ: من 9 مليارات دولار إلى صفر (0)

في عام 2003، وبينما كان عمرها 19 عاماً فقط، تركت إليزابيث هولمز (Elizabeth Holmes) جامعة ستانفورد العريقة لتبدأ شركتها الخاصة. وفي الأعوام العشرة التالية وصلت شركة هولمز المسماة «Theranos» إلى قيمة سوقية تتجاوز 9 مليارات دولار، مما جعل هولمز أصغر مليارديرة أنثى تجمع ثروتها بنفسها بدل من أن ترثها.

اليوم لم تعد شركة Theranos موجودة أصلاً، بينما هولمز باتت مفلسة وتحت المحاكمة بتهم عديدة حول الفساد والاحتيال قد تلقي بها خلف القضبان لحوالي 20 عاماً في حال إدانتها. ومع أن الخسائر المالية للمستثمرين كانت عملاقة دون شك، فالخسائر التي تسببت بها هولمز للمرضى الذين يحلمون بطريقة سهلة للتشخيص والعلاج هي الأكبر أخلاقياً على الأقل.

هنا سنتناول قصة شركة Theranos، وكيف نجحت إليزابيث هولمز بخداع كبار المستثمرين ومن بينهم هنري كسنجر (وزير الدولة السابق في الولايات المتحدة) وروبرت مردوخ (من أكبر رجال الأعمال في مجال الإعلام بمختلف أشكاله) لتجعلهم ضحايا لها.

حلم التشخيص والعلاج السريع للأمراض

عينات من الدم

في عام 2003 قررت إليزابيث هولمز ملاحقة حلم يراودها منذ الطفولة حسب وصفها، وهو جعل القطاع الصحي ديموقراطياً عبر اختراع أداة صغيرة تستطيع إجراء جميع تحاليل الدم وحتى تقديم العلاجات المناسبة للمريض بمجرد وضعها على إصبعه.

الأداة التي أرادتها هولمز مشابهة لأجهزة قياس سكر الدم الحديثة، حيث قطرة دم صغيرة من قمة الإصبع كافية لمعرفة مستوى السكر. لكن بدلاً من قياس سكر الدم فقط، أرادت هولمز إجراء جميع التحاليل الطبية التي تخطر بالبال (أكثر من 200 تحليل مختلف) من قطرة دم وحيدة ودون استخدام إبرة معتادة لسحب الدم.

عندما طرحت هولمز الفكرة لمدرسي الاختصاصات الطبية في الجامعة، كانت الردود المستمرة هي كون أمراً كهذا مستحيل تماماً. فالتحاليل الطبية متنوعة للغاية وتجرى بالعديد من الطرق المختلفة. وحتى في حال نجحت بجعلها تتم جميعاً ضمن أداة صغيرة (وهو أمر مستحيل)، فقطرة دم واحدة لن تكون كافية أبداً لإجراء هذه التحاليل المتعددة حقاُ.

بعد رفض الفكرة وتأكيد استحالتها من جميع الاختصاصيين الطبيين، لجأت هولمز لعميد الهندسة في جامعتها تشانين روبرتسون (Channing Robertson)، والذي بدوره أصبح أول أعضاء مجلس الإدارة في شركتها التي حملت اسم Real-Time Cures قبل أن يتغير الاسم لاحقاً إلى «Theranos» المشتقة من كلمتي Therapy التي تعني العلاج، وDiagnosis التي تعني التشخيص.

بدايات الشركة والاستثمارات الكبيرة

إليزابيث هولمز مقابل ستيف جوبز

منذ صغرها كانت هولمز مهووسة بالمدير التنفيذي السابق لشركة Apple: ستيف جوبز (Steve Jobs)، حيث حاولت تقليده في كل شيء بداية من ارتداء ملابس مطابقة لما يرتديه عادة، وحتى الاستعانة بنفس شركة التسويق التي كان يستخدمها ومقابلتهم في نفس الأيام التي يقابلهم فيها جوبز.

بفضل كون بروفيسورها (روبرتسون) الواسعة، تمكنت هولمز من التواصل مع وقاء العديد من الشخصيات المهمة والمستثمرين. وخلال عامها الأول تمكنت من جمع حوالي 6 ملايين دولار من الاستثمارات لتنطلق بشركتها وتبدأ بتطوير منتجاتها العديدة.

مع الوقت تزايدت الاستثمارات التي يتم ضخها إلى شركة Theranos، وبحلول عام 2010 كانت الشركة قد حصلت على أكثر من 100 مليون دولار من التمويل دون أي منتج في الأسواق أو نماذج أولية حتى. حيث يشهد الجميع بقدرات هولمز الاستثنائية على الإقناع وجعل من يقابلها يوافق على الاستثمار أو الدخول في مجلس الإدارة بسرعة.

خلال فترات مختلفة، تضمن مجلس إدارة Theranos العديد من الشخصيات المؤثرة والمهمة، حيث تضمن المجلس وزيري دولة سابقين، ووزير دفاع لاحق للولايات المتحدة، عدا عن بضعة أساتذة جامعيين مرموقين ومدراء شركات كبرى، وحتى مدير سابق لمركز التحكم بالأوبئة (CDC) والذي يعد من اهم المؤسسات الطبية في الولايات المتحدة.

بفضل مجلس الإدارة المثير للإعجاب، تمكنت هولمز من جعل الأنظار تتوجه إليها من كل مكان حتى دون أية بيانات صحفية من شركتها، فمجرد إدارتها لشركة تتضمن أسماء كبيرة كالتي امتلكتها كان كافياً لجذب الإعلام وبالطبع المستثمرين إلى الشركة.

صناعة الأسطورة الإعلامية

أغلفة مجلات تتناول إليزابيث هولمز

في عام 2013، عقدت شركة Walgreen المعروفة بسلسلة صيدلياتها الكبرى اتفاقاً مع شركة Theranos، حيث كان من المخطط استخدام أجهزة الشركة في 40 موقعاً في البداية، ومن ثم يتم توسيع الأمر إلى مختلف الأماكن حول الولايات المتحدة.

نتيجة الاتفاق مع Walgreen، سرعان ما باتت هولمز شخصية معروفة على نطاق واسع، حيث تمت استضافتها في مؤتمر النساء القياديات، كما ظهرت في عشرات المقابلات التلفزيونية وعلى أغلفة العديد من المجلات مع وصفها بأنها “ستيف جوبز التالية”، وحتى أنها حصلت على بقعة للحديث ضمن مؤتمر TED المعروفة.

نتيجة الهوس الإعلامي بهولمز، بدأت الاستثمارات تتدفق عليها من كل الجهات وبمئات ملايين الدولارات. وهذا ما قاد إلى تقييم شركة Theranos بحوالي 9 مليارات دولار، وهو ما جعل ثروة هولمز تقدر بحوالي 4.5 مليارات وهي بعمر 29 عاماً فقط.

طوال الفترة بين عامي 2013 و2016 كان الاهتمام الإعلامي يلاحق هولمز في كل مكان، والمقالات التي تصفها بأنها من أهم الشخصيات في العالم التقني تأتي بشكل دوري. ونتيجة هذا الاهتمام حصدت العديد من الجوائز التقديرية من العديد من الجمعيات المختلفة.

في عام 2015 تم ضم هولمز إلى مجلس الزملاء للمدرسة الطبية في جامعة هارفارد العريقة، وهذا على الرغم من كونها لا تمتلك أي تريب أو حتى معرفة طبية. ولاحقاً عينت كسفيرة رئاسية لريادة الأعمال من قبل الرئيس الأمريكي حينها: باراك أوباما.

المنتجات الفاشلة والمخيبة

أول النماذج التي كان من المفترض أن تصنعها شركة Theranos هي أداة (كان من المقترح أن تكون على شكل سوار) تقوم بسحب عينات صغيرة من الدم، وتحللها وترسل بيانات التشخيص إلى خادم بعيد، وعند عودة التشخيص تقوم الأداة نفسها بتقديم الجرعات الدوائية مباشرة.

بالطبع فقد كانت الأداة الأولى ضرباً من الخيال تماماً، وحتى في حال تمكنت أداة صغيرة كالمقترحة من تحليل الدم حقاً، فمن المستحيل أن تتضمن كميات دواء لعلاج العدد الهائل من الأمراض الممكنة، عدا عن عجزها عن تقديم الدواء إلى مجرى الدم أصلاً.

لاحقاً تم شطب الفكرة الأولى واستبدالها بفكرة أقل خيالية: عبوة صغيرة خاصة بأخذ عينات الدم (قطرة أو اثنتان فقط)، وآلة تستطيع أخذ العينة وتحليلها وفق عشرات أنواع التحليلات المختلفة، ومن ثم تقديم البيانات إلى اختصاصيين طبيين يجرون التشخيص. أي أن الموديل الثاني تخلى عن فكرة التشخيص والعلاج تماماً (مع أنهما أساس فكرة الشركة)، وأبقى على أمر واحد هو تحاليل الدم.

آلة The Edison من شركة Theranos

على مدى عدة سنوات تم العمل على تطوير آلة التحاليل المزعومة، وتم الكشف عن الموديل الجديد الذي يحمل اسم “The Edison”. حيث كان الموديل الجديد صغيراً نسبياً، ويفترض به إجراء أكثر من 190 تحليلاً طبياً مختلفاً على الدم، وهذا هو المنتج الذي كان من المفترض استخدامه ضمن الاتفاق مع شركة Walgreen عام 2013.

عند التجربة لم يكن جهاز Edison قادراً على إجراء معظم التحاليل المزعومة، بل عدة تحاليل قليلة فقط، وحتى هذه التحاليل كانت شبه معدومة الدقة وتعطي نتائج غير موثوقة حتى أن موظفي الشركة أنفسهم كانوا يرفضون استخدامها لإجراء التحاليل لهم ولأفراد عائلاتهم.

الكذب، الاحتيال، والمنع من إجراء التحاليل

للحصول على سمعة جيدة للشركة، كان لا بد من الحصول على بعض الدراسات التي توثق نجاحاتها المزعومة في بعض الدوريات العلمية المحترمة. لكن وبسبب كون أجهزة الشركة لا تعمل، وتحاليلها تفتقد الدقة، فقد كان الحصول على دراسة منشورة أمراً صعباً للغاية.

باستخدام آلات تحاليل طبية من مصدر ثالث، تمكن فريق Theranos من جمع بيانات عن التحاليل، ومن ثم تم تقديم هذه البيانات على أنها نتائج تحاليل تمت باستخدام أجهزة الشركة. ولاحقاً تم تقديم البيانات للمراجعة من قبل خبراء طبيين، ونشرت مراجعة البيانات هذه ضمن دورية طبية.

لاحقاً وضمن التعاقد مع Walgreen، تم استخدام أجهزة The Edison جزئياً للتحاليل. لكن الجزء الأكبر من التحاليل كانت تتم عبر أجهزة من مصادر خارجية في الواقع، حيث كانت Theranos تحاول تأجيل التزاماتها التعاقدية لتجنب حقيقة كونها عاجزة عن الوفاء بوعودها.

في نهاية عام 2015، قامت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) بزيارة مفاجئة لتفقد مخابر Theranos، واكتشفوا أن أجهزة الشركة لا تستطيع تقديم وعودها، بل تستطيع إجراء 12 تحليلاً فقط من أصل أكثر من 250 تحليلاً موعوداً، وحتى هذه النسبة الضئيلة تتم بشكل غير دقيق أبداً.

لاحقاً تم منع شركة Theranos من إجراء أية تحاليل للدم، وبدأت الشركة بالتدهور بسرعة نتيجة عدة فضائح مختلفة.

الفضائح الإعلامية والملاحقة القانونية

في نهاية عام 2015، وبعد سنتين من التغطية الإيجابية المتواصلة لهولمز تم نشر تقرير جديد في صحيفة The Wall Street Journal، لكن على عكس التغطية السابقة كان ها التقرير يكشف أسرار الشركة وأكاذيبها المخبئة.

في الواقع كان تقرير WSG سابق الذكر هو سبب تحقيق إدارة الغذاء والدواء الأمريكية مع الشركة. ونتيجة تناقل التقرير بين وسائل الإعلام الأخرى، سرعان ما بدأ المستثمرون بالفرار من الشركة، كما بدأ العديد منهم بمقاضاة الشركة مقابل التضليل والاحتيال الذي تمت ممارسته تجاههم.

خلال أشهر قليلة فقط، تحولت إليزابيث هولمز من أصغر مليارديرة عصامية، إلى امرأة مفلسة وسط سيل من الدعاوى القضائية. ومن مديرة لشركة ثورية يفترض أن تغير شكل العالم، إلى مجرمة محتملة تنتظر الحكم عليها في قضايا قد ترميها حلف القضبان لأكثر من 20 عاماً.

بحلول خريف عام 2018، كانت Theranos قد أغلقت بشكل كامل، حيث تم تصفية معظم ممتلكاتها وأصولها في محاولات لسداد ديونها المتراكمة، وبإغلاقها خسر الكثير من المستثمرين أموالهم المستثمرة تماماً كون الشركة عجزت عن إيجاد أي شركة تريد شرائها.

حتى اليوم لا تزال هولمز تدعي البراءة من التهم الموجهة لها، وخلال جميع المحاكمات التي خاضتها فقد رفضت تقديم أي اعتذار لأكثر من مليون شخص أجريت لهم تحاليل باستخدام أجهزة الشركة، التي تفتقد للدقة تماماً.

كيف تمكنت Theranos من الازدهار أصلاً؟

عند النظر إلى تاريخ الشركة اليوم، سيبدو من الواضح للغاية أنها احتيالية، أو على الأقل مبنية على آمال مستحيلة لشابة أرادت أن تحقق المستحيل. لكن الأمور كانت مختلفة للغاية عند نجاح الشركة، وفي الواقع ساهمت العديد من الأمور بقدرة Theranos على الازدهار.

خلال فترة مطلع الألفية، كان هناك العديد من الشركات التقنية الناشئة. حيث حقق كل من Facebook وTwitter نجاحات هائلة، وقبلهما كانت Google قد نمت بشكل سريع جداً إلى عملاق تقني حقيقي. وبالنسبة لمن راقب نمو هذه الشركات السريع، كان من المغري جداً البحث عن شركات يمكن أن تحقق نمواً خارقاً مشابهاً، وبالتالي تعيد فوائد أكبر بكثير من الاستثمار الأولي.

من حيث المبدأ لا يمكن اعتبار شركة Theranos شركة تقنية أو حتى هندسية في الواقع، بل أنها شركة طبية مهما حاولت إخفاء ذلك. لكن بالنسبة للمستثمرين وحتى لأعضاء مجلس الإدارة، كانت الأمور تصور وكأن الشركة هي النجاح التقني القادم على سياق النجاحات التقنية العملاقة الأخرى.

بالنسبة لشركة طبية جزئياً على الأقل، كان من الواضح أن هناك خطباً ما عندما يكون مجلس الإدارة وقائمة المستثمرين خالية من أي أطباء أو أشخاص مع معرفة جيدة بالمجال الطبي حتى. في الواقع معظم أعضاء مجلس الإدارة كانوا يمتلكون خلفيات سياسية أو عسكرية أو إدارية، وبالتالي فقد كان من السهل تضليلهم كون الشركة يفترض أن تصنع تقنيات طبية جديدة.

في حال أردنا تلخيص سبب نمو Theranos، فالجواب هو الطمع بالربح السريع. هذا الطمع هو نفسه ما قاد للاستثمار العملاق في العملات الرقمية نهاية عام 2017، وهو نفس الطمع الذي أدى إلى فقاعة دوت كوم الشهيرة نهاية التسعينيات.

الواقع هو أن الشركات التي تنجح بشكل مذهل ليست كثيرة حقاً، ومع أننا نرى الأمثلة التي نجت في كل مكان اليوم، فنحن لا نرى أضعاف الأمثلة التي فشلت في تحقيق مرادها.