in


الحقيقة وراء ”رسائل الجنون“ التي ألفها فريديريك نيتشه قبل وفاته

فريدريك نيتشه

كان (فريديريك نيتشه) فيلسوفاً ألمانياً يعتبر الكثيرون أعماله على أنها راديكالية وعدمية. ولد في الخامس عشر من أكتوبر سنة 1844، وبدأ مسيرته كمفكر في ميدان فقه اللغات ودراستها واستخدامها الشفهي والكتابي وكذا مواردها التاريخية، وعندما بلغ من العمر 24 سنة أصبح أصغر عالم في جامعة (بازل) في ميدان فقه اللغة الكلاسيكي. سرعان ما توسع اهتمامه في ميادين علمية أخرى نذكر منها على وجه الخصوص: الفلسفة الغربية، اللاهوت، النقد الثقافي، التأليف الموسيقي، والشعر، كما أصبح عالما شهيراً في اللغتين اليونانية واللاتينية.

توفي (نيتشه) في سنة 1900 وعمره لم يتجاوز 55 سنة، غير أن لأعماله أثراً كبيرا على الفكر الغربي. كان (نيتشه) ملحدا ساعدت كتاباته المفصلة حول الدين في تبليط الدرب أمام ظهور الفلسفة الإنسانية التي ستنتشر في نهاية المطاف في كامل أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

ربما اشتهر بشكل أكبر بمفهومه الذي أسماه ”موت الإله“، وهو لم يكن يعني من ورائه أن الإله قد توفي، بل أن الحاجة إلى الديانة التقليدية كمصدر للمعرفة حول العالم ومعنى الوجود لم تعد ضرورية ولا حاجة للإنسانية بها بعد الآن، خاصة في وجه العلم الحديث.

بورتريه للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في سنة 1882.
بورتريه للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في سنة 1882.

كان (نيتشه) يؤمن بأن المسيحية والديانات الأخرى بشكلها التقليدي قد مثلت حماية أمام أشكال العدمية الهدامة من خلال منح الناس وجهة نظر عالمية مفهومة والتي منحت بدورها معنى لحياتهم ومنحتهم وسائل يفهمون من خلالها العالم من حولهم. غير أنه بما أن العلم أصبح قادرا الآن على تفسير الكثير من الأمور التي كانت في السابق محصورة في ميدان الدين، جاءت الضرورة لشكل جديد من العدمية.

بكلمات (نيتشه)، قادت العدمية في العالم الحديث إلى ”الرغبة في اللاشيء“، وهذا لم يكن بالضرورة أمرا سيئا ولا سلبياً بل أمرا كان يجدر مجابهته بأساس فلسفي جديد تماماً.

مكتبة أرشيفات نيتشه في (ويمار) بألمانيا، التي تأسست أول مرة على يد شقيقته إليزابيث سنة 1894 في (نومبرغ).
مكتبة أرشيفات نيتشه في (ويمار) بألمانيا، التي تأسست أول مرة على يد شقيقته إليزابيث سنة 1894 في (نومبرغ).

أسس (نيتشه) لرؤية جديدة تجاه العالم التي ستمثل أساس ما نعرفه اليوم على أنه الفكر البنائي. إن البنائية هي فكرة أن كل شيء حيال العالم هو في الواقع مبني من طرف الأفراد الذين ينشؤونه، ولا يمكن فهم أي شيء عن يقين، لا يمكن النظر إلى الحقيقة على أنها مطلقة بعد الآن لأن كل شيء محل مساءلة وتحقيق وتفحص. بدل ذلك، ما هو مهم بالفعل هو وجهات نظر الناس تجاه المشكلات المختلفة.

أساسا، إذا كان الإله ميتاً يجب على الإنسان هنا أن يقرر عن نفسه ما هو حقيقي، ومنه لا يجب عليه أن يقيّم الحقائق بناء على ما يرد في كتبه الدينية بل بناء على تجاربه الخاصة.

في قلب الفكر البنائي الخاص بـ(نيتشه)، نجد الفكر الإنساني الذي يتمثل في مفهوم (الأوربمانش)، أو ”الإنسان الخارق“، وهي شخصية مثل المخلّص التي ستأتي لتساعد على إيصال البشرية إلى عصر جديد. لسوء الحظ، أساء بعض قرائه ترجمة هذا المفهوم واستخدموه للتبرير للفكر المعادي للسامية ومنه نشأة النازية، وكان منهم حتى من ادعى بأن هيتلر هو (الأوبرمانش).

في الواقع، ألّف (نيتشه) الكثير من الأفكار المناهضة لمعاداة السامية وكان ليرتعب من مجرد فكرة نظر الناس إلى هيتلر على أنه مخلص ألمانيا والبشرية كلها.

الانهيار العقلي الذي أصاب (نيتشه):

في سنة 1889، وقعت حادثة يعتقد الكثيرون أنها كانت بداية الجنون الذي سيستهلك آخر 11 سنة من حياة هذا الفيلسوف العظيم. وفقاً لما ورد في القصة، كان (نيتشه) يتجول عبر مدينة (تورينو) الإيطالية عندما رأى رجلاً يجلد حصانه، جعل هذا المنظر (نيتشه) يشعر برعب شديد، فركض ناحية الفرس وحال بينه وبين مالكه الذي كان يجلده ثم سرعان ما بدأ ينتحب بدون سيطرة وانهار على الأرض باكياً. تمت مرافقته إلى منزله وزعم أنه قضى اليومين اللاحقين في حالة تصلّب.

مقتطفة من سلسلة من الصور بين شهري يونيو وأغسطس تبرز نيتشه المريض.
مقتطفة من سلسلة من الصور بين شهري يونيو وأغسطس تبرز نيتشه المريض.

وقعت حادثة الحصان في الثالث من يناير سنة 1889، وبعد أسبوعين لاحقاً، في الثامن عشر من يناير اصطُحب (نيتشه) إلى مصح للأمراض العقلية حيث تم تشخيصه بمرض الزهري في مراحله الأخيرة. من نتائج هذا المرض في مراحله المتقدمة هو الخرف، والانهيارات العصبية، وبعض المشاكل الأخرى العصبية منها والنفسية.

قال الأطباء أنه أظهر أعراض الشلل الخرفي، الذي كان يعرف آنذاك أيضا على أنه الشلل العام المتعلق بالجنون. يتصف هذا الخرف بالأوهام، وفقدان الذاكرة القصيرة، والاكتئاب، والسلوكات الهوسية، والهمود، والرجفة، والارتباك، والنوبات. في المراحل الأخيرة، يصبح المريض متصلبا تماماً. اعتقد الكثير من الناس بمن فيهم أفراد من عائلة (نيتشه) أن ما أصابه كان بسبب حالة الزهري، وقالوا أنه ربما أصيب بالزهري عندما كان شابا صغير السن حينما كان يرتاد جامعة (بازل).

إحدى الرسائل التي كتبها (نيتشه) خلال مرضه العقلي.
إحدى الرسائل التي كتبها (نيتشه) خلال مرضه العقلي.

عندما كان في مستشفى الأمراض العقلية، كتب (نيتشه) عددا كبيرا من الرسائل التي وجهها إلى أصدقائه وكذا إلى أفراد عائلات ملكية وأشخاص نافذين آخرين. تعرف هذه الرسائل باسم (وانبريف)، أو ”رسائل الجنون“. كان بشكل متكرر يوقع هذه الرسائل بأسماء غريبة على شاكلة ”الشخص المصلوب“ أو (ديونيصوص). وفقاً للأفكار التي تكونت عنده، فإن هاتين الشخصيتين كانتا متضادتين، وهو ما دفع البعض للاعتقاد بأنه أصيب بالفصام في مرحلة ما من مرضه وطور هذه الشخصيات المتضادة التي كان يوقع رسائله بأسمائها في كل مرة.

في نهاية المطاف، توفي (نيتشه) في حالة تصلب تام بعد أن عانى من المرض العقلي لمدة 11 سنة، ولم يكن يبلغ من العمر سوى 55 سنة.

رسالة من فريدريك نيتشه إلى المؤرخة ميتا فون ساليس، يقول فيها: ”العالم بصدد التحول إلى شيء جميل، لأن الله أصبح على الأرض. ألا يسعك أن تري كل تلك الفرحة في السماء؟ لقد بسطت سلطتي للتو على إمبراطوريتي، ووضعت البابا في السجن، وأعدمت رميا بالرصاص (ويلهلم) و(بيسمارك) و(ستوكر). المصلوب“ مكتبة جامعة (بازل).
رسالة من فريدريك نيتشه إلى المؤرخة ميتا فون ساليس، يقول فيها: ”العالم بصدد التحول إلى شيء جميل، لأن الله أصبح على الأرض. ألا يسعك أن تري كل تلك الفرحة في السماء؟ لقد بسطت سلطتي للتو على إمبراطوريتي، ووضعت البابا في السجن، وأعدمت رميا بالرصاص (ويلهلم) و(بيسمارك) و(ستوكر). المصلوب“ مكتبة جامعة (بازل).

ورد في إحدى نصوص رسائله ما يلي: ”العالم بصدد التحول إلى شيء جميل، لأن الله أصبح على الأرض. ألا يسعك أن تري كل تلك الفرحة في السماء؟ لقد بسطت سلطتي للتو على إمبراطوريتي، وزججت بالبابا في السجن، وأعدمت رميا بالرصاص (ويلهلم) و(بيسمارك) و(ستوكر). المصلوب“. وفي رسالة أخرى كتب (نيتشه): ”لقد أمرت بوضع (كايافاس) [القس الأكبر الذي تسبب في صلب اليسوع] في الأغلال. في السنة الفارطة أيضاً لقد صلبت على يد الأطباء الألمان. تم نفي كل من (ويلهلم) و(بيسمارك) وجميع المعادين للسامية“.

اليوم تقبع الكثير من رسائل (نيتشه) في أرشيفات تحمل اسمه في (نومبرغ) بألمانيا، وهي الرسائل التي جمعت أول مرة من طرف شقيقته (إليزابيث فوستر نيتشه)..

الأسباب المحتملة لانهياره العقلي:

على مر قرن من الزمن، لم يتجرأ أحد على تحدي افتراض أن (نيتشه) أصيب بما أصيب به من الجنون كنتيجة لمرض الزهري في مراحله المتأخرة، المرض الذي لم يشف منه أبداً. غير أنه في سنة 2003، نشر الدكتور (لينارد ساكس) مقالا في مجلة السيرة الذاتية الطبية قال فيه أنه وفقاً للأدلة الجنائية، فإن (نيتشه) لم يكن أبدا مصابا بالزهري، وبدل ذلك كان يعاني من ورم بطيء النمو في الدماغ، الذي انتهى به المطاف أن قاده إلى حالة من الجنون.

ولو أن (نيتشه) أصيب حقا بداء الزهري لكان قد لاقى مصرعه بعد إصابته بالجنون في غضون سنتين على الأكثر، غير أنه في الواقع عاش لأكثر من 11 سنة بعد تشخيصه، ومنه يعتقد الدكتور (ساكس) أن الأمر لم يكن يتعلق بداء الزهري على الإطلاق.

بالإضافة إلى إلى الأدلة الجنائية الطبية، ورد في كتاب من تأليف (ويلهلم لانج إيكبوم) أن طبيب أعصاب من برلين في ألمانيا أخبره بأن (نيتشه) أصيب بداء الزهري عندما كان طالبا في جامعة (بازل) في أحد بيوت الدعارة في (لايبزيغ)، وأنه خضع للعلاج ضد هذا المرض على يد اثنين من الأطباء في نفس المدينة.

ربما لم يتم تشخيص (نيتشه) أبداً بداء الزهري في مراحله المتقدمة، ولا يسعنا الفصل في هذا الأمر ذلك أن الوثائق الأصلية الخاصة بأطبائه قد تعرضت للإتلاف.

والدة فريدريك نيتشه وهي تعتني به أيام مرضه.
والدة فريدريك نيتشه وهي تعتني به أيام مرضه.

ربما كانت الحقيقة حول الانهيار العقلي الذي عانى منه (نيتشه) أغرب من ذلك؛ بينما كان مريضاً، كانت شقيقته (إليزابيث) هي من تحمّل العبء الأكبر في الاعتناء به. فقامت بنشر كتبه التي لم ينه تأليفها، مما قاد الكثيرين إلى الاعتقاد بأنها قد تكون أضافت عليها بعض التغييرات لجعلها تطابق بشكل أكبر وجهة نظرها الخاصة.

أصبح (نيتشه) يعرف على أنه الأب الروحي للفاشية كنتيجة لذلك، لكنه كان قبل أن يمرض يكره بشدة أمورا على شاكلة الديكتاتورية ومعاداة السامية. غير أن شقيقته (إليزابيث) كانت من أشد المناصرين لـ(أدولف هيتلر)، وربما كانت المصدر الأساسي للصورة المزيفة والخاطئة التي رسمت عن شقيقها (نيتشه) على أنه ذلك الداعم والمناصر لحركات التطرف اليميني في أوروبا.

صورة لشقيقة فريدريك: (إليزابيث فورستر نيتشه).
صورة لشقيقة فريدريك: (إليزابيث فورستر نيتشه).

قام (كريستيان نيمير) بنشر ”موسوعة نيتشه“ وإلى جانب فريق من 150 باحثاً اكتشف بأن (إليزابيث) قد أجرت بعض التعديلات على كتب (نيتشه) غير المنشورة كما أنهت كتابتها بنفسها ثم نشرتها. يقول: ”قامت (فورستر نيتشه) بكل ما بوسعها: على غرار إخبار القصص عن (نيتشه)، كما كتبت رسائل كاذبة تحمل اسمه، وذلك من أجل أن تجعله يبدو من مناصري اليمين المتطرف مثلها“. اكتشف فريق (نيمير) من الباحثين كذلك رسائل مزيفة ومزورة كانت قد كتبتها باسم شقيقها التي يعود تاريخها إلى سنة 1887، أي قبل سنتين من انهياره العقلي وإصابته بالمرض.

قاد تورط شقيقة (نيتشه) إلى الاشتباه في أن كامل القصة حول حادثة الحصان والانهيار العقلي كانت مفبركة بالكامل.

كان هناك بدون شك شهود لحادثة الحصان، لكن ربما لم يحدث أبدا ذلك المرض الذي دام 11 سنة. ولو أن الأمر حدث بالفعل، فمن المحتمل أن رسائل الجنون لم تُكتب بقلم (فريدريك نيتشه) بل بقلم وأفكار شقيقته (إليزابيث) وشركائها، الذين ربما قاموا بفبركة الأمر من أجل المساعدة على الدفع قدماً بأجندتها التي كانت معارضة للكثير من الفلسفات ووجهات النظر والآراء التي كان شقيقها يدعمها.

ربما لن يكون بمقدورنا أن نعرف عن يقين ما حدث بالضبط، لكن قد تقودنا بعض التحقيقات الجنائية المعمقة إلى الجزم بواقع تأليف (نيتشه) لتلك الرسائل من عدمه.