تاريخ

دخلك بتعرف قصة (فويتك)، الدب السوري الذي حارب النازيين

سيتم تحويل قصة الدب، الذي رباه الجنود البولنديون وساعدهم على انتزاع (مونتي كاسينو) من الألمان؛ إلى فيلم من قبل المنتج التنفيذي لفيلم The Snowman من أجل تكريم ذكراه.

الدب الجندي (فويتك)

سيكون (فويتك)، الدب الذي ساعد الجنود البولنديين في الانتصار في إحدى أكثر المعارك وحشية في الحرب العالمية الثانية، موضوع فيلم رسوم متحركة من إنتاج المنتج التنفيذي للفيلم الكلاسيكي The Snowman من عام 1982، وسيكون الفيلم بعنوان «دب يدعى فويتك» A Bear Named Wojtek، حيث يبحث الآن المنتج (أيان هارفي) من شركة Illuminated Films عن شريك يقنعه بتمويل فيلمه وبأنه يمكن أن يضاهي فيلم «حصان الحرب» War Horse الذي تطرّق واستكشف الروابط والمعاناة التي جمعت بين البشر والحيوانات خلال الحرب العالمية الأولى.

قال (هارفي) لصحيفة التايمز: ”إنه لأمر رائع أن يكون لديك عمل ساحرٌ لكنه حقيقي في نفس الوقت“، معترفاً أنه في البداية افترض أن قصة ”دب الحرب“ كانت ”خيالاً خالصاً“، غير أن قصة (فويتك) تبينت أنها حقيقية بالفعل وبدأت في جبال (ألبرز) شمال إيران عندما وجد أحد دياسم الدببة البنية السورية نفسه يتيماً بعد أن قتل بعض الصيادين أمه، حينها وجد صبيٌ شاب الديسم الصغير الوحيد فأخذه وتبناه، وفي خريف عام 1942 التقى الصبي والديسم بمجموعة من الجنود البولنديين الذين كانوا يمرون عبر إيران في طريقهم إلى العراق.

في ذلك الوقت بدا الديسم الصغير متعباً وجائعاً فشعر الجنود بالأسف تجاهه، إذ ألفوا الشعور بالتعب والجوع، أما عن سبب وجودهم في إيران فكان إطلاق سراحهم من معسكرات الاعتقال في روسيا بعد أن قام (ستالين) في الاتحاد السوفييتي، الذي غزا بولندا بمساعدة ألمانيا النازية في عام 1939، بتغيير مخططاته عندما قام النازيون غزو الاتحاد السوفييتي في عام 1941.

قام الجنود، الذين سينضمون قريباً للسرية 22 لدعم سلاح المدفعية من الفيلق البولندي الثاني، بشراء الدب اليتيم من الصبي مقابل بعض العملات الفارسية وبعض من الشوكولا وسكين حربي سويسري، إضافة لعلبة من لحم البقر.

دخلك بتعرف قصة (فويتك)، الدب السوري الذي حارب النازيين

في البداية قام الجنود بإطعام الديسم الحليب بواسطة زجاجة فودكا قديمة وهم يحاولون إخفاء وجوده عن أنظار كبار الضباط، وهو ما أصبح أكثر صعوبة مع نمو (فويتك) أكثر فأكثر.

في البداية خبأ الجنود الدب الصغير بعيداً عن أعين الضباط وأطعموه الحليب بواسطة زجاجة فودكا قديمة بحلمة مصنوعة من قطعة قماش، لكن كان من الصعب جداً إخفاء دب بني سوري يبلغ طوله 1.82 متر ووزنه 200 كيلوجرام، لذا في النهاية عرف الضباط بأمر المجند الجديد، غير أنهم سمحوا له بالبقاء كجالب حظ لوحدتهم العسكرية، وتم تعيين جندي شاب يدعى (بيتر برينديز) كحارس لـ(فويتك)، وتكفل بتعليمه كيفية أداء التحية العسكرية.

غير أن الدب تعلم بعض العادات الأخرى من حارسه، حيث بدأ يشرب الجعة، على الرغم من أنه لم يكن يسكر لأن زجاجة واحدة لم يكن لها تأثير يذكر على جسده الضخم، وجرب التدخين على الرغم من أنه لم يأخذ سوى نفخة واحدة من السيجارة قبل بلعها بأكملها، كما ورّط نفسه في بعض المشاكل عندما انتقل البولنديون إلى معسكر كبير للحلفاء في العراق، حيث قيل أنه في أحد الأيام سرق كل الملابس الداخلية على حبل الغسيل للموظفات المتمركزات في المنطقة، ويقال أيضاً أنه عندما كان البولنديون بصدد إعداد وليمة عشية عيد الميلاد في عام 1942 اكتشفوا أن (فويتك) قد دخل إلى مخزن الأغذية وحطمه باحثاً عن أي شيء لذيذ.

دخلك بتعرف قصة (فويتك)، الدب السوري الذي حارب النازيين

صورة: IWM

وفي غزة التي كانت تحت سيطرة بريطانيا آنذاك؛ تعلّم (فويتك) كيف يخفف من الحرارة بالتسلل إلى خيمة الاستحمام وفتح الماء على نفسه، وذات يوم دخل إلى الخيمة ليباغت رجلاً مناهضاً للحكم البريطاني كان قد تسلل إلى المخيم على أمل سرقة بعض الذخيرة، والذي تسبب صراخه النابع عن شدة خوفه من الدب في اعتقاله، فتمت مكافأة (فويتك) بزجاجتين من البيرة وحمام مفتوح منعش.

وهكذا عندما حان الوقت لنقل الحرب إلى إيطاليا أراد البولنديون أخذ دبهم معهم، لكن كان للسلطات العسكرية البريطانية أفكار أخرى، حيث أصروا على سياسة صارمة لنقل الجنود فقط، ويُقال إن الجنود البولنديين حينها جعلوا لدبهم رقم خدمة ورتبة ”جندي“ وكشف راتب رسمي –على الرغم من أنه لم يتقاض سوى الطعام كراتب فقط– وجميعها صدرت باسم (فويتك) الذي اختير بعناية، حيث كان يعني ”المحارب المبتسم“.

”لكنه ليس رجلاً!“؛ صرخ ضابط بريطاني يقوم على سجل الانطلاق، فجاء الرد: ”الجندي (فويتك) يُحيي الروح القتالية في الجنود البولنديين!“ فسُمح للدب بالصعود.

(فويتك) مع الجنود البولنديين أثناء قتالهم عبر إيطاليا (متحف الحرب الإمبراطوري)

(فويتك) مع الجنود البولنديين أثناء قتالهم عبر إيطاليا – صورة: متحف الحرب الإمبراطوري

دخلك بتعرف قصة (فويتك)، الدب السوري الذي حارب النازيين

الدب الجندي (فويتك) مع أحد الجنود البولنديين – صورة: IWM

وهكذا واجه (فويتك) الكثير من الأهوال التي تحملها الجنود أثناء الحملة الإيطالية، ويقال أنه عندما عاش لأول مرة القصف الذي حصل في مايو 1944 خلال المراحل الأخيرة من معركة (مونتي كاسينو) التي خلّفت أكثر من 75 ألف قتيل وجريح؛ تسلق شجرة في محاولة غير مجدية للهروب، ومن هناك رأى رفاقه البشر يحملون صناديق مليئة بقذائف المدفعية.

سواء لرغبته في مساعدة أصدقائه أم لأنه تعلم تقليد تصرفات البشر للحصول على المكافآت، فقد نزل (فويتك) إلى أسفل الشجرة ووقف على رجليه الخلفيتين ووسع كفّيفه الأماميين، ويقال إن الجنود أعطوه ثلاثة صناديق من قذائف المدفعية لنقلها، وعلى الرغم من الضوضاء والارتباك في المعركة، قيل إن الدب اللطيف والشجاع استمر في حمل صناديق الذخيرة حتى آخر ثانية في المعركة، وفي وثائقي عُرض عام 2011 بعنوان Wojtek – The Bear That Went to War أقسم أحد قدامى المحاربين البريطانيين أنه كان قد صُعق لرؤية دب يمر أمامه وهو يحمل صندوقاً من قذائف الهاون في خضم المعركة.

في 18 مايو 1944 نجح الفيلق البولندي الثاني بعدما فشلت ثلاث وحدات أخرى في الاستيلاء على ”الحصن الجبلي“ المهم استراتيجياً في منطقة (مونتي كاسينو) وانتزاعه من الألمان، وبموافقة القيادة العليا البولندية تم تغيير شارة السرية رقم 22 في سلاح المدفعية إلى شارة تصوّر دباً يحمل قذيفة مدفعية.

دخلك بتعرف قصة (فويتك)، الدب السوري الذي حارب النازيين

شارة السرية رقم 22 في سلاح المدفعية – صورة: IWM

أحبّ المحاربون الذين خدموا إلى جانب (فويتك) رفيقهم الدب، وفي عام 2011 قال (فويسيتش ناربسكي)، وهو رجل يبلغ من العمر 86 عاماً كان قد صادف الدب لأول مرة وهو جندي يبلغ من العمر 17 عاماً، لهيئة الإذاعة البريطانية: ”شعرت وكأنه أخي الأكبر… خلال تلك الأيام الصعبة للغاية في الحرب كان وجوده بالنسبة لنا، بالنظر إلى الجانب النفسي، مهماً جداً.“

بعد الانتصار في الحرب، واصل زملاء (فويتك) حمايته، وبالنظر إلى معاملتهم السابقة من قبل روسيا تحت حكم (ستالين)، فإن العديد منهم لم يرغب في العودة إلى وطنه حيث كانت سيطرة الشيوعية تتزايد، بل انتهزوا الفرصة للانتقال إلى معسكر إقامة في Winfield Airfield على الحدود الإسكتلندية وأخذوا (فويتك) معهم، مُحبطين رغبة الاتحاد السوفييتي بوضع الدب، الذي كان في ذلك الوقت بطلاً قومياً، في حديقة حيوانات في بولندا، وعندما انتقل الجنود إلى حياة جديدة خارج المعسكر جاء الوقت الذي صار لابد فيه من منزل جديد لـ(فويتك).

دخلك بتعرف قصة (فويتك)، الدب السوري الذي حارب النازيين

تمثال (فويتك) في إدنبرة يقف على قطعة من الغرانيت البولندي – صورة: Alan Beattie Herriot

انتقل الدب إلى حديقة حيوان إدنبره حيث عاش هناك حتى وفاته عام 1963 عن عمر 21 سنة، وبحلول ذلك الوقت أصبح محبوباً من قبل الإسكتلنديين والبولنديين على حد سواء، حيث جمعوا معاً في عام 2015 مبلغ 300 ألف جنيه إسترليني لصنع تمثال برونزي له في حدائق (ويست برينسيس ستريت) في إدنبره على رخام بولندي.

قال (ناريبسكي)، الذي كشف النقاب عن النصب التذكاري هو محارب قديم آخر: ”لم يستطع فويتك العودة إلى بولندا، لكنه سيبقى واقفاً على التراب البولندي“، ويبدو أن (فويتك) حتى آخر أيامه لم ينسَ رفاقه السابقين في السلاح، إذ يقال أنه كلما سمع اللغة البولندية أو لهجة بولندية في حديقة الحيوان كان يقف على قدميه الخلفيتين ويلوح بكفّه، كما لو كان يؤدي التحية العسكرية.

عدد القراءات: 6٬902