in

دخلك بتعرف توماس فيتزباتريك الذي هبط بطائرة في أحد شوارع مدينة نيويورك مرتين وهو تحت تأثير الكحول

قام الطيار (توماس فيتزباتريك) بالمراهنة في إحدى الحانات على قدرته على التحليق بالطائرة والهبوط بها في أحد شوارع مانهاتن، كما أنه عزم على تنفيذ الرهان مرة ثانية عندما ادعى أحد أصدقائه في الحانة أنه لم يصدق ما يرويه وأنه لم يفعل ما يقول أنه فعله.

في عام 1956، قام طيار الحرب العالمية الثانية (توماس فيتزباتريك) بسرقة طائرة ذات محرك واحد والتحليق بها فوق مدينة نيويورك ثم هبط في أحد شوارع مانهاتن، بعد رهان قبل به عندما كان مخموراً في إحدى الحانات، ثم بعد عامين نفذ الرهان مرة أخرى.

صورة لواشنطن هايتس، المكان الذي نشأ في توماس فيتزباتريك في بدايات عام 1910.
صورة لواشنطن هايتس، المكان الذي نشأ في توماس فيتزباتريك في بدايات عام 1910.

حياة الطيار (توماس فيتزباتريك):

لا تتوفر الكثير من المعلومات حول حياة (توماس فيتزباتريك)، ولكن يبدو أنه عاش حياة رائعة حتى قبل هبوطه بالطائرة في شوارع مدينة نيويورك.

ولد (توماس فيتزباتريك) في مدينة نيويورك عام 1930 في حي (واشنطن هايتس) على جزيرة مانهاتن، وخدم في فيلق مشاة البحرية الأمريكي في المحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية، ولكننا لا نعلم أين بالضبط.

تصدر توماس فيتزباتريك الصفحات الأولى من الصحف بعد أن هبط مرتين بطائرة في وسط مدينة نيويورك.
تصدر توماس فيتزباتريك الصفحات الأولى من الصحف بعد أن هبط مرتين بطائرة في وسط مدينة نيويورك.

بعد تسريحه من الجيش بوسام شرف، قرر (فيتزباتريك) الانضمام إلى الجيش الأمريكي والمشاركة في الحرب الكورية بدلاً من الابتعاد عن الحياة العسكرية، أُصيب خلالها بجراح وحصل على وسام القلب الأرجواني، ثم قرر الابتعاد عن حياة الحروب هذه والاستمتاع بالحياة المدنية.

تحدث (فريد هارتلينج)، وهو أحد الجيران القدامى لـ(فيتزباتريك)، مع صحيفة (نيويورك تايمز) عن التصرفات الغريبة لهذا الطيار الشاب، حيث قال: ”كان لدى (تومي) جانب مجنون“، وقال عنه هو وشقيقه وصديقه المقرب (بات) أنهما كانا جزءاً من ”مجموعة طائشة“ من الأصدقاء.

التحق (فيتزباتريك) بمدرسة الطيران (تيتربورو) بعد تقاعده من الجيش.
التحق (فيتزباتريك) بمدرسة الطيران (تيتربورو) بعد تقاعده من الجيش.

أبدى (فيتزباتريك) اهتماماً بالطيران والتحق بمدرسة (تيتربورو) للملاحة الجوية في (نيوجيرسي)، وعندما بلغ 26 من عمره، أصبح يعمل في ميكانيك الطائرات.

الهبوط الأول لـ(فيتزباتريك) في مانهاتن:

هبط (توماس فيتزباتريك) بطائرة (سيسنا 140) ذات المحرك الواحد في شارع (سانت نيكولاس) الذي يقع بالقرب من شارع 191.
هبط (توماس فيتزباتريك) بطائرة (سيسنا 140) ذات المحرك الواحد في شارع (سانت نيكولاس) الذي يقع بالقرب من شارع 191.

في 30 من شهر ديسمبر عام 1956، توجه (توماس فيتزباتريك) الذي كان تحت تأثير الكحول إلى مدرسته للطيران بغرض استعارة إحدى الطائرات ذات المحرك الواحد، وهذا بعد أن تحداه مجموعة من الأصدقاء في حانة محلية بالتحليق بالطائرة والعودة بها إلى الحانة ذاتها في شارع (سانت نيكولاس).

حاول (فيتزباتريك) الهبوط بالطائرة في حديقة مجاورة ولكنه لم يتمكن من رؤية شيء بسبب الظلام، لذلك قرر الهبوط في الشارع بدلاً من الحديقة، والأمر الذي فاجأ الكثيرين هو قدرته على الهبوط بها بدقة في الساعة الثالثة صباحاً على الرغم من أنه كان مخموراً.

اندهش سكان الحي عند استيقاظهم ورؤية طائرة صغيرة متوقفة في وسط شوارع المدينة، حيث تحدث (جيم كلارك) عن رؤية طائرة بالقرب من منزله، كما تكلم عن محاولة (فيتزباتريك) للهبوط بالطائرة في ساحة مدرسة (جورج واشنطن) الثانوية ولكنه لم ينجح بسبب الظلام لذلك قرر الهبوط في الشارع.

قال (كلارك): ”تقول القصة أنه كان قد تراهن مع أحد الأشخاص في الحانة بأنه يمكنه العودة من (نيوجيرسي) إلى (واشنطن هايتس) في مدة 15 دقيقة“، حيث تصدر خبر هذا الهبوط المرتجل الصفحات الأولى للصحف المحلية كصحيفة (نيويورك ديلي نيوز).

(سام جارسيا)، هو مقيم آخر في الحي، الذي قال بأنه على الرغم من كونه صغيراً عندما رأى طائرة (توماس فيتزباتريك) في وسط مدينة نيويورك، فإنه اعتقد أن ما رآه ليس حقيقياً.

صورة حديثة للمكان الذي هبط به (فيتزباتريك) بالطائرة للمرة الأولى في (مانهاتن).
صورة حديثة للمكان الذي هبط به (فيتزباتريك) بالطائرة للمرة الأولى في (مانهاتن).

وقال (جارسيا): ”اعتقدت وقتها أنه قد تم نقلها على متن شاحنة كنوع من الدعابة، وذلك لأنه كان من المستحيل أن يهبط أحدهم بها في مثل هذا الشارع الضيق“.

على الرغم من الخطر الكبير الذي كان من الممكن أن يتسبب به بسبب رهانه هذا، إلا أنه كان من الصعب على أي أحد إنكار روعة ما فعله، فمن بإمكانه التحليق بين المباني الشاهقة والسيارات وأعمدة الإنارة! كما وصفت صحيفة (نيويورك تايمز) ما فعله هذا الطيار بأنه ”إنجاز في علم الطيران“.

حتى أن الشرطة أبدت إعجابها بهذا الهبوط على الرغم من عدم تصديقها لادعاءات (فيتزباتريك) بأنه هبط بالطائرة في الشارع بسبب مواجهته لمشكلة في المحرك، ولكنه اعترف في مقابلة لاحقة أنه قد قام بذلك كجزء من رهان عقده مع صديقه في الحانة، كما قال الرقيب (هارولد بيرنز) من شرطة مكتب الطيران أن احتمالية نجاح هبوط مثل هذا هي 1 بالمئة ألف!

بعد مرور عامين على هذا الرهان، كرر (فيتزباتريك) فعلته مرة أخرى:

عندما هبط (توماس فيتزباتريك) في مدينة نيويورك للمرة الثانية، حاول إنكار أنه من هبط بالطائرة إلا أن عدة شهود تعرفوا عليه.
عندما هبط (توماس فيتزباتريك) في مدينة نيويورك للمرة الثانية، حاول إنكار أنه من هبط بالطائرة إلا أن عدة شهود تعرفوا عليه.

في الخامس من أكتوبر عام 1958، أي بعد عامين فقط من مغامرته السابقة، هبط (توماس فيتزباتريك) بطائرة أخرى في أحد شوارع (مانهاتن)، ولكن هذه المرة كان يحلق بطائرة (سيسنا 120) ذات المحرك الواحد واللون الأحمر والقشدي وهبط بالقرب من شارع 187.

لم تختلف هذه المرة عن سابقتها بالدقة والمهارة، حيث تمكن من التحليق بهذه الطائرة بسلاسة في شوارع المدينة كما لو أن المدينة تحولت لتصبح مدرجاً للطائرات.

السبب الحقيقي وراء هذه المغامرة الثانية هو رجل مجهول الهوية من (كونيكتيكت) لم يصدق قصة (فيتزباتريك) بالهبوط بالطائرة في شوارع مانهاتن واعتبره شخصاً سكيراً لا يعي ما يقوله.

كما قال هذا الشخص المجهول لصحيفة (نيويورك تايمز) في ذلك الوقت: ”إنه بسبب ذلك المشروب الرديء“، لسوء حظ (فيتزباتريك) أنه عندما هبط بالطائرة للمرة الثانية كانت رخصة طيرانه قد انتهت مدتها، واعترف للمحققين أنه لم يجدد رخصته بعد تنفيذه للرهان أول مرة، فقال: ”لم أكن أرغب بالتحليق مرة أخرى“، ولكنه فعل هذا لكي يثبت لصديقه الجديد أنه مخطئ، كما قال أنه توجه بصحبة صديقه هذا إلى (تيتربورو)، وركب طائرة ذات محرك واحد كانت موجودة في مدرج الإقلاع.

رأى العديد من الشهود محاولة هبوطه عن قرب، من بينهم (جون جونسون) وهو نجار محلي كان يقود دراجته النارية في الشوارع عندما اضطر لإيقاف دراجته لتجنب الاصطدام بالطائرة!

صفحة جريدة عليها صورة وقصة توماس فيتزباتريك
ظهر وحي هاتين الحيلتين الجويتين في حانة في منطقة (واشنطن هايتس).

كما كان هناك شاهد عيان آخر وهو (هارفي روفي)، سائق الحافلة الذي كان يجلس داخل حافلته المركونة عندما رأى طائرة (فيتزباتريك) متوجهة للأرض، شعر (روفي) بالخوف من أن ترتطم الطائرة بسقف حافلته. قال (روفي) لأحد الصحفيين: ”ماذا بحق الجحيم ستقوله في حال دُعيت للإدلاء بشهادتك في جلسة الاستماع لحادثة اصطدام بطائرة؟“.

لاذ (فيتزباتريك) بالفرار ما إن هبط بالطائرة على عكس مغامرته الأولى، ولكنه قام بتسليم نفسه لمركز شرطة مدينة (وادزورث)، وأخبر الضباط أنه كان في الحي وسمع أن الشرطة تود التحدث معه لذلك قدم إليهم.

كانت (سيسنا 120) و(سيسنا 140) أول طائرتين يتم تصنيعهما مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية.
كانت (سيسنا 120) و(سيسنا 140) أول طائرتين يتم تصنيعهما مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية.

تمكن (توماس فيتزباتريك) من ترك بصمة له في التاريخ، حيث تم تصنيف إنجازه هذا بأنه من أكثر المغامرات التي شهدتها مدينة نيويورك إثارة، ولكن هذا لا يعني أن ما فعله لم يكن له عواقب، وبالرغم من هذا كله فقد نال إعجاباً كبيراً من قبل الشرطة كما أنه وصف نفسه بأنه ”واحد من أفضل الطيارين“، ولكن البعض كان أقل حماساً عندما كرر فعلته.

تم توجيه التهم إلى (فيتزباتريك) بعد هبوطه الأول في (مانهاتن) عام 1956، حيث اتهم بالسرقة وانتهاك قوانين المدينة التي تمنع الطائرات من الهبوط في شوارعها، ولكن لحسن حظه أن صاحب الطائرة كان قد رفض توجيه الاتهامات له بشأن سرقة طائرته، وبالتالي تم إسقاط التهم ودفع غرامة قدرها 100 دولار فقط!

على الرغم من إنكار التهم الموجهة إليه بعد هبوطه الثاني بالطائرة في شوارع نيويورك، إلا أن الحظ لم يكن حليفه هذه المرة، حيث اعترف بفعلته بعد أن تعرف عليه بعض الشهود، وفي جلسة الاستماع عام 1958 وصف القاضي (فيتزباتريك) بأنه ”نزل كاللص من السماء“.

المنطقة التي هبط فيها (فيتزباتريك) بطائرته للمرة الثانية بين شارع أمستردام وشارع 187.
المنطقة التي هبط فيها (فيتزباتريك) بطائرته للمرة الثانية بين شارع أمستردام وشارع 187.

اتُهم (فيتزباتريك) بالسرقة والقيادة الخطرة والمتهورة للطائرة والهبوط غير المصرح به داخل حدود المدينة وانتهاكه قوانين الطيران المدني، بعد التحليق بالطائرة دون ترخيص ساري المفعول، وحكم عليه القاضي (جون أ. كولن) بالسجن لمدة 6 أشهر بتهمة قيادة طائرة مسروقة ضمن شوارع المدينة.

وعلق القاضي (مولن) أثناء إصداره الحكم بحق (فيتزباتريك) قائلاً: ”لو أنك عوقبت في المرة الأولى، فمن المحتمل أنك لم تكن لتكرر فعلتك هذه“.

وبغض النظر عن الأضرار التي تسبب بها (فيتزباتريك) والقوانين التي انتهكها، إلا أن مهاراته الرائعة في الطيران لا تزال حية ومثيرة للإعجاب حتى هذا اليوم.

قال (هارتلينج): ”لقد كان الأمر مدهشاً، فقط الطيار الماهر بإمكانه الهبوط بالطائرة بالقرب من كل شيء“. لم يحاول أحد تقليد ما فعله (فيتزباتريك) نظراً لنظام أمان وحماية الملاحة الجوية في نيويورك بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية.

أما بالنسبة لـ(فيتزباتريك) نفسه، فقد عمل كميكانيكي لمدة 51 عاماً، واستقر هو وزوجته (هيلين) وأبنائهم الثلاثة في بلدية (واشنطن) في ولاية (نيوجيرسي)، وتوفي في 14 من سبتمبر عام 2009 عن عمر يناهز 79 عاماً.