معلومات عامة

دخلك بتعرف شعب جزيرة (تانا) الذي يعبد جنديا من الحرب العالمية الثانية؟

أشخاص يحملون عصيا ويقفون في استعداد

إليك عزيزي القارئ اقتباسا لـ(آرثر كلارك): ”إن أية تكنولوجيا متقدمة بشكل مثالي، يستحيل تمييزها عن السحر“، قد يدفعك هذا إلى التفكير في قصة (ساحر أوز العجيب) The Wizard of Oz الذي كان يجذب عتلات خلف ستار على خشبة المسرح من أجل إيهام الناس بأنه ساحر، أو قد يدفعك ذلك إلى التفكير في أي حلقة من حلقات مسلسل (الدكتور هو) Doctor Who.

في جزيرة (تانا) Tanna في جنوب المحيط الهادئ، ستجد أن تلك العبارة المجازية تتجسد حقا في أرض الواقع، وذلك كنتيجة للتداخل المعقد بين الحقبة الاستعمارية وممارسات السكان الأصليين هناك.

نقدم لك عزيزي القارئ في مقالنا هذا اليوم على موقع ”دخلك بتعرف“ (جون فروم)، جندي الحرب العالمية الثانية الأسطوري الذي أصبحت الآلاف تقدسه منذ ذلك.

صورة صليب

صليب تذكاري لتخليد ذكرى (جون فروم) في جزيرة (تانا)، (نيو هيبريدس) New Hebrides – صورة: Tim Ross/Wikimedia

أصل الأسطورة:

إليك لب ”حركة جون فروم“ الأساسي: وفقا للأسطورة، فإن (جون) رجل أمريكي خرج إلى شعب (تانا) في هيئة جندي في أربعينات القرن العشرين، وكان قد أحضر معه الكثير من السلع والأغراض على غرار الشوكولا، والكولا، وأجهزة عجيبة مثل التلفاز والراديو، وحتى الطائرات، ثم رحل.

اليوم، يحاول أتباع هذه الديانة من سكان جزيرة (تانا) استرضاء هذه الشخصية الأسطورية في أمل منهم على حثها على العودة.

تتضمن شعائر عبادة (جون فروم) بناء مهابط طائرات في الأدغال، وممارسة التدريبات العسكرية مع بنادق مصنوعة من أغصان البامبو، كما تنظيم استعراضات عسكرية احتفالية في كل 15 من شهر فبراير الذي هو (يوم جون فروم).

لو كانت هذه القصة السابقة هي التفسير الحقيقي لأصل الديانة، لكان قد تم اعتبارها بسرعة على أنها محاولة من العالم الغربي لطمس هوية الشعوب التي يحتلها ويستبدلها بثقافته وهويته الخاصة، فيخيل بذلك للقارئ بأن السكان الأصليين يرون أول رجل ”أبيض“، فيتعرفون عليه على الفور على أنه ”الإله“، ثم يقومون يمحورة حياتهم كلها حوله، لكن، وكالعادة، القصة معقدة أكثر من مجرد ذلك.

إليك ثلاثة تعقيدات تتعلق بالحقبة الاستعمارية التي تخللت قصة (جون فروم):

– أولا، لم يكن الأمريكيون الذين اتخذوا من جزيرة (تانا) موقعا لهم أول رجال غربيين يلتقي بهم سكانها؛ وصل البرتغاليون إلى الجزيرة في سنة 1606.

– ثانيا، يعود تاريخ هذه الديانة على الأقل إلى سنوات الثلاثينات من القرن الماضي -قبل وقت طويل من أن يكون أي جندي متواجدا هناك ليتخذ دور ”المخلّص“ في الجزيرة- بل أن هناك حتى من يقول بأن تاريخها تمتد جذوره حتى العشرينات.

– وأخيرا، وهو بالأحرى الأمر الأهم، وهو أن الديانة لا تمجد الهوية الغربية، بل ترفضها وتمقتها تماما.

في أوائل القرن العشرين، كان شعب (تانا) يعاني تحت وطأة المعمرين البريطانيين، حيث كانوا يمنعون من  ممارسة شعائرهم الدينية منعا باتا، كما تم منع اتباع تقليد شرب الـ(كافا)، وهو مخدر متوسط القوة تعتبر الجزيرة موطنا له.

وفقا لبعض الروايات، ظهر (جون) أول مرة في أحد التجمعات السرية لممارسة تقليد تناول الكافا، حيث خرج من الأدغال في ثياب غربية، كما عبر عن قبوله بتلك العودة إلى الطرائق والسبل القديمة، كما شجع أولئك الحاضرين في هذا التجمع على مواصلة المحافظة على تقاليدهم مهما كلفهم الأمر، ثم بدأت الأمور تأخذ في التصعّد.

رجال في وضعيات عسكرية بعصي خشبية

شعب (تانا) وهو يؤدي إحدى شعائر حركة (جون فروم)

(جون فروم) وأمريكا:

إنه لمن الصعب الجزم حول ما إذا كان (جون) هذا رجلا إنجليزيا، أو رجلا ”تانيا“ في ثياب إنجليزية، أو، كما يفترض البعض، هو عبارة عن مجموعة من الهلوسات التي كانت نتيجة للمشروب، غير أنه سرعان ما علق في ورطة.

في أوائل الأربعينات، خرجت الحركة إلى العلن بإعلان (جون فروم) لأول نبوءاته وهي: إذا خلص شعب (تانا) أنفسهم من المال الغربي، والثياب الغربية، والمدارس الغربية، وكل ما له علاقة بالحضارة الغربية، فهنا سيرحل البيض عن الجزيرة وسيقوم (جون) بعدها بإمداد سكانها ممن ”يعبدونه“ بكل ما يحتاجون إليه.

وذلك ما كان قد حدث بالفعل، ففي سنة 1941، أغرق السكان الأصليون المستعمرات الغربية في الجزيرة بكل الأموال الغربية التي كانوا يحملونها، حيث أنفقوها بإسراف شديد، وما لم يتمكنوا من إنفاقه رموا به في البحر، وبعد عام من ذلك، أثبتت الولايات المتحدة الأمريكية وجيشها حضورهما في المنطقة والجزيرة، وهنا اتخذ (جون فروم) هيئته على شكل جندي الحرب العالمية الثانية.

على خلاف الاستعمارات السابقة من الأجيال السابقة التي عرفتها الجزيرة، كان الحضور الأمريكي على الجزيرة يتضمن جنودا بيضا وجنودا سودا، ورأى أتباع الحركة أنفسهم وصورهم تنعكس في البشرات الداكنة لهؤلاء الأشخاص الجدد، وبدأ (جون فروم) يعتبر على أنه رجل خدمة أسود.

كما كان جنود الجيش الأمريكي قد أحضروا معهم بعضا من عجائب التكنولوجيا السابقة ذكرها، ومنه أضافوا نكهة سحرية للأمور التي وعدت نبوءة (جون فروم) بأنه قادر على إمداد السكان بها.

ما تزال حركة (جون فروم) تسري بقوة، حتى بعد أن زادت معرفة ممارسيها بمبدأ وطريقة عمل الحضارة الغربية الصناعية، وذلك هو صلب الموضوع، لا يجب رؤية (جون فروم) على أنه رجل فان، بل على أنه روح إلهية.

ربما، وقد يكون هذا الأمر أكثر اعتبارا، قد يصبح بالمقدور رؤية ”السلع والأغراض“ التي كانت ترى في السابق على أنها ”من الآخرة“ و”إلهية“، على أنها وعاء للتحرر.

بالتأكيد طرأت تغييرات وظهرت فروع جديدة لهذه الديانة التي نزعت عن الأغراض التي جلبها معه (جون فروم) طابع الألوهية وأكسبتها طابعا دنيويا عاديا، كما كان القائد الديني (القائد إسحق) قد أخبر مجلة (سميثسونيان): ”نحن لسنا المؤمنين الوحيدين الذي ينتظرون بفارغ الصبر عودة أحدهم إلينا، فأنتم المسيحيون ما زلتم تنتظرون عودة المسيح عيسى منذ ألفي سنة، كما لم تيأسوا أبدا من ذلك الانتظار“.

المصادر

عدد القراءات: 4٬320