in

دخلك بتعرف مفارقة «قطرة الأمير روبرت» التي ظلت تحير العلماء لقرون؟

إن «قطرة الأمير روبرت» هي عبارة عن تحفة من الزجاج التي تعرض خاصيتين متضادتين تماما لبعضهما البعض: حيث أنها قاسية جدا وفي نفس الوقت هشة للغاية.

قطرة الأمير روبرت

تبدو هذه القطرة أكثر مثل شرغوف (صغير الضفدع) مع رأس بصلي الشكل وذيل طويل ورقيق. إن الرأس قوي جدا لدرجة أنه يستطيع تحمل ضربة مطرقة، كما أن الرصاصات التي تطلق عليه تتحطم لدى اصطدامها به، على الرغم من ذلك، عندما تحمل القطرة من ذيلها وتضغط عليه قليلا بإصبعك تتحطم كلها وكأنها انفجرت، وتتناثر إلى ما يشبه مسحوقاً زجاجياً.

تتم صناعة قطرات الأمير (روبرت) من خلال سكب الزجاج المذوب في ماء بارد مما يجعل سطحه الخارجي يتصلب على الفور، بينما يبقى الجزء الداخلي منه ذائبا. تحاول الطبقة الخارجية المبرّدة من القطرة الانقباض بينما تحاول الطبقة الداخلية التوسع، وبينما يتبلور كل شيء تتسبب هذه القوى المتضادة الفاعلة في الرأس بجعله يمتلك قوة كبيرة غير اعتيادية، لكنها تبقى هشة للغاية في حالة ما تسبب أمر ما في زعزعة استقرار هذا التوازن الذي يحكمها.

إنها تماما مثل الأقواس الحجرية القديمة، فالهيكل كله يقبع تحت ضغط هائل وهذا الضغط الهائل هو ما يحافظ على القوس قائماً، لكنك بمجرد أن تزيل حجر القاعدة، ينهار القوس كله.

كانت قطرات الأمير (روبرت) معروفة في ألمانيا منذ أربعينات القرن السابع عشر، حيث كانت تصنع أصلا من طرف صناع الزجاج في (ماكلنبورغ) في شمال ألمانيا، وكانت تباع على شكل دمى وتحف في مختلف أنحاء أوروبا، هناك حيث أطلقت عليها الكثير من الألقاب على غرار ”دموع بروسيا“، و”الدموع الألمانية“. حافظ صانعوا الزجاج على وصفة التركيبة سراً دفينا، مما قاد إلى عدد من النظريات التي حيكت حول عملية إنتاجها.

كانت العالمة الإنجليزية الهاوية (مارغريت كافنديش)، وهي دوقة (نيوكاسل)، تحاول فك لغز صناعة قطرات الأمير (روبرت)، وبعد عدة أسابيع من إجراء التجارب على عدة أنواع من الزجاج في مخبرها، وصلت إلى خلاصة مفادها أنه كانت هناك كمية صغيرة من مادة غير مستقرة محقونة داخل رأس القطرة مما جعلها تتفاعل بطريقة عنيفة لدى احتكاكها بالهواء.

لحظة انكسار وتحطم «قطرة الأمير (روبرت)» ملتقطة بتقنية التصوير فائق السرعة.
لحظة انكسار وتحطم «قطرة الأمير روبرت» ملتقطة بتقنية التصوير فائق السرعة.

في سنة 1660، أحضر الأمير (روبرت)، وهو دوق (كومبرلاند) وواحد من الأعضاء المؤسسين للـ«الجمعية الملكية البريطانية»، بعضا من هذه القطرات من أجل عرضها أمام الجمعية والملك (تشارلز الثاني)، وهناك قام بإعارة اسمه لفقاعات الزجاج تلك.

كان (روبيرت هوك)، الشخص المسؤول عن تلك التجارب التي تم أداؤها أمام الجمعية الملكية والملك، قد أحرز تقدما كبيرا وسباقا من خلال اقتراحه بأن الاختلاف في تبريد الزجاج بعد غمسه في الماء هو ما يجعله يكتسب هذه الخاصية الغريبة، هذا على الرغم من أن فهماً أوسع لهذه الآلية سيظل يحير العلماء على مر القرون الثلاثة التالية.

استمر فهم تلك الآلية سطحياً حتى حلول سنة 1994، حينما قام علماء في جامعة (بوردو) وجامعة (كامبريدج) باستعمال عمليات تصوير ذات سرعة فائقة من أجل ملاحظة تحطم القطرة، وهناك استنتجوا بأن سطح كل قطرة يختبر ”إجهادا ضاغطاً“ هائلا، بينما يختبر الجزء الداخلي ”قوى توتر“ عالية، وهي حالة من عدم التوازن التي بالإمكان زعزعة استقرارها بسهولة كبيرة من خلال كسر الذيل.

أظهرت التجارب التي أجريت على القطرات أن الرأس بإمكانه تحمل قوى إجهاد ضاغط تصل إلى 45 ألف كيلوغرام في كل 6 سنتمترات مربعة، ومن خلال التصوير فائق السرعة، تم حساب واستنتاج أن الشقوق كانت تنتشر عبر الذيل وباتجاه الرأس بسرعة خارقة بلغت 6500 كيلومتر في الساعة.

بتعاونهم مع جامعة (تالين) للعلوم التكنولوجية في (إستونيا) في سنة 2017، اكتشف الباحثون أنه من أجل كسر القطرة، كان يجب إحداث شق يستطيع اختراق منطقة التوتر الداخلية فيها. إن الطبقة الضاغطة الخارجية رقيقة للغاية ولم تكن تتجاوز عشرة بالمائة من قطر رأس القطرة، لكنها كانت تملك قوة كسر عالية.

وبما أن الشقوق على السطح كانت تميل للانتشار بالتوازي مع السطح نفسه، فهي غير قادرة على اختراقه والوصول إلى منطقة التوتر الداخلية، أما إذا تشقق الذيل فهو يجعل الشقوق تنتشر بالتوازي على محور القطرة وداخل منطقة التوتر مما يحرر كل تلك الطاقة الهائلة العالقة في داخلها ويتسبب في تحطم الهيكل كله بصورة انفجارية.

تتم صناعة الزجاج المقسّى، الذي يستعمل في الزجاج الأمامي للسيارات والعربات وكذا في واجهات الهواتف النقالة، باستخدام نفس المبدأ؛ يتم تبريد الزجاج بسرعة بينما لا يزال في حالة ذائبة مع حقن الهواء المبرد داخله مما يخلق نوعا من التوتر الداخلي، الذي يبقي على السطح دائما تحت ضغط مستمر.

يمنع ذلك الضغط التشققات من الانتشار والتوسع، لكن عند انكسار الزجاج في نهاية المطاف فإنه يتفتت إلى آلاف القطع الصغيرة. لهذا يتفتت الزجاج الأمامي للسيارات عند انكساره إلى قطع صغيرة، لكنه يكون مجهزاً بطبقة خاصة من المواد اللاصقة التي تمنع تلك القطع الصغيرة المتفتتة من التطاير إلى داخل السيارة والتسبب في إصابات لراكبيها.

يقول (كوشيك فيسواناثان)، وهو طالب دكتوراه في جامعة (بوردو): ”إن إجهاد الشد هو ما يجعل المواد تتكسر بطريقة مشابهة لتمزيق ورقة إلى نصفين“، ويضيف: ”أما إذا تمكنت من تغيير إجهاد الشد وتحويله إلى إجهاد ضاغط، فهناك يصبح من الصعب على التشققات التوسع والانتشار، وذلك ما يحدث في جزء الرأس من «قطرة الأمير روبرت»“.

جاري التحميل…

0