in

دخلك بتعرف «عشيرة المجريين» أو «المجراب» في مصر والسودان؟

المجراب

لطالما جعلت الأساطير والقصص الغامضة التي تحيط بنهر النيل البشريةَ تتقد بنار الفضول حول هذه المنطقة منذ أبد الدهر، وفقا لسجلات التاريخ، فقد كانت تلك المنطقة الأفريقية التي تعرف باسم ”النوبة“ همزة وصل بين البحر الأبيض المتوسط والمناطق الأفريقية جنوباً، وكان التجار من مجموعات إثنية مختلفة ومتنوعة يعبرون منطقة النوبة من الجنوب نحو الشمال والعكس، لكن الأمر لم يقتصر على التجار فقط؛ كانت الجيوش أيضا تعبر هذه المنطقة.

في سنة 1517 غزا جيش السلطان العثماني سليم الأول منطقة مصر والسودان، ويقال أن بين وحدات جيشه كانت هناك مجموعات تحت سيطرته تنحدر أصولها من مناطق سبق له أن غزاها من قبل في مناطق أوروبية عديدة، منها المجر والنمسا، وذلك ما قد يفسر وجود المقاتلين المجريين في صفوف جيوشه التي أرسل بها إلى مصر والسودان.

قام السلطان سليم الأول بإرسال بعض الكتائب إلى وادي حلفا في السودان لبسط نفوذه وسيطرته هناك، وهي الكتائب التي تشكلت بصورة رئيسية من المقاتلين المجريين، الذين كان قائدهم –وفق مزاعم المجراب اليوم– هو إبراهيم المجرّي، الذي تزوج من امرأة نوبية محلية واستقر في المنطقة.

من هم المجراب؟ وماذا تعني كلمة ”مجراب“؟

لا يعرف معظم الناس شيئا حول تلك العشيرة التي تدعى «شعب المجراب» الذين يعيشون في السودان ومصر، ويعتقد هؤلاء أن سلفهم الأول يمكن ربطه بالقائد العثماني إبراهيم المجري الذي سبق لنا ذكره، فهل توجد حقاً عشيرة في السودان ومصر من أصول مجرية؟

إن شعب المجراب هم قوم يعيشون على طول نهر النيل بين مصر والسودان، ينحدرون من أصول مجرّية، ولعل أصلهم الأول يعود تاريخه إلى أواخر القرن السادس عشر، عندما كانت كل من المجر ومصر تحت حكم دولة واحدة ألا وهي الإمبراطورية العثمانية.

إن مصطلح ”مجراب“ نفسه يعتبر تركيبا من لفظتي ”مجر“ و“آب“ التي تشير إلى العشيرة في اللغة النوبية، لذا فإن ترجمة مجراب تعني حرفيا «عشيرة المجريين». في الواقع فإن الهوية المجرية التي تميز المجراب تفصلهم عن المصريين والسودانيين الذين يحيطون بهم.

وفقاً للأسطورة، فقد شكل المجريون المسيحيون، الذين لم يمض على انضمامهم للدولة العثمانية إلا وقت قليل، جزءا من الجيش العثماني في مجمله والذي تم إرساله للقتال في مصر، ومثلما هو واضح فقد بقي قسم من هذه الوحدات المجرية المقاتلة هناك في مصر والسودان وتزاوج رجالهم مع النساء النوبيات المحليات.

المجراب

وفقاً للمجراب المحليين، فإن سلفهم الأول كان إبراهيم المجرّي، وهو جنرال في الجيش العثماني الذي جاء من (بودا) —بودابست في المجر حاليا— في سنة 1517، وتزوج من امرأة نوبية محلية، فكانت ثمرة زواجهما هذا طفل ذكر أسموه ”عليّاً“، وعلي من بعد ذلك رزق بخمسة أبناء وهم سلامي، ومصطفى، وجلال الدين، وموسى، وإقصى، وهؤلاء الأبناء الخمسة يشكلون في مجملهم سلف عشيرة المجراب كلها.

ينتمي المجراب إلى «الفيدرالية الدولية للمجريين» منذ سنة 1992 ويعتبرون أعضاء دائمين فيها، ومازالوا حتى يومنا هذا يعتبرون أنفسهم مجريين.

لم يتم اكتشاف أمرهم ووجودهم من طرف الأوروبيين إلى غاية في سنة 1935، عندما عثر (لازلو ألماسي)، وهو مواطن مجري، وزميله في العمل المهندس الألماني والمستكشف (هانسواكيم فون دير إتش) بالصدفة على عشيرة المجراب في منطقة النوبة. حاول ممثلوا العشيرة الاتصال بالمسؤولين المجريين لكنهم لم يكونوا قادرين على تحقيق ذلك بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية آنذاك.

تتميز هذه الفئة الآن بملامح وخصائص مختلطة بسبب تزاوج الجنود المجريين مع النساء النوبيات المحليات، كما أن أفرادها لا يتحدثون اللغة المجرية بعد الآن. حوالي سنة 1934، جمع (إيتش) الذي كان قد قضى عدة أسابيع مع عشيرة المجراب في جزيرتهم في (وادي حلفا) قائمة من الكلمات غير العربية التي لا تستخدم إلا على تلك الجزيرة، هذه الكلمات التي وفقاً له، وجدها (ألماسي) مشابهة للكلمات المجرية التي تعبر عن مسمياتها.

وتظهر ملاحظاته التي دونها أن جميع المجراب الذي يقيمون في وادي حلفا كانوا مقتنعين بأن أسلافهم ينحدرون من النمسا، وهو ما قد يشير آنذاك إلى أي منطقة ضمن الإمبراطورية النمساوية-المجرية التي كانت قائمة آنذاك. كما أخبره زعيم قرية جزيرة المجراب أن أسلافهم قدموا إلى مصر والسودان كمجموعة من الجنود النمساويين الذين كان يقودهم رجل يدعى (شينغال سيندجر)، وهو نفس الشخص الذي افترض (إيتش) أنه الجنرال (سينجر) أو (سيندجر).

مجتمعات المجراب:

يعيش المجراب على طول نهر النيل في السودان حول وادي حلفا وفي مصر حول أسوان في قرى (مجراب إيرقي) و(ماجيارارتي) و(ماجياريا)، و(ماجيار نيركي) و(حلة المجراب)، بينما يعيش حوالي 400 منهم في القاهرة.

تقول هذه العشيرة بأن أصولها وأسلافها ينحدرون من أسلاف إبراهيم المجري وأبنائه وجنوده، ويدعم هذه القصة (غابور بيكسفارادي) وهو راهب أعدّ تقريراً حول الموضوع أورد فيه أنه التقى بمجموعة من المجريين الذين كانوا أفرادا في الجيش العثماني في سنة 1516 في القدس.

أكثر المصادر الموثوقة حول هذه القصة هو ما أورده الكونت (لازلو ألماسي) في أحد كتبه بعنوان «أسلاف المجريين في جزيرة النيل»، كان هذا المستكشف والباحث في الشؤون الإفريقية في بعثة استكشافية إلى الصحراء الإفريقية الكبرى بين سنتي 1934 و1935 عندما قام بزيارة وادي حلفا، هناك تبادل أطراف الحديث مع أحد التجار المحليين الذي ذكر اسم إبراهيم المجري.

جذب هذا الاسم اهتمام الرحالة المستكشف فبدأ على فوره طرح الأسئلة على التاجر، أخبره التاجر بأنه ينتمي إلى عشيرة المجراب التي تنحدر أصولها من أوروبا، وأنهم أحضروا إلى هنا من طرف السلطان سليمان منذ 400 سنة في الماضي. قام الكونت (ألماسي) بزيارة العشيرة في اليوم الموالي، ولدى حديثه مع أفرادها هناك، ظل هؤلاء الأخيرون يرددون عبارة كونهم ليسوا عرباً، وأنهم كانوا مهاجرين قدموا من أوروبا بأمر من السلطان الآنف ذكره.

كانت البعثة التالية التي وصلت إلى وادي حلفا في السودان في سنة 1965، وقادها (إستفان فودور)، المترجم الكبير والمهتم بشؤون العرب، فقام بالبحث في تاريخ المجراب، وسلوكاتهم، وثقافتهم، وذكر عنهم بعض الصفات الجسدية الظاهرية التي ميزتهم، منها أن شعورهم كانت تميل إلى اللون الأحمر قليلا بينما كان شعر النوبيين الأصليين أسوداً داكناً، وقال عنهم بأن بشرتهم كانت فاتحة أكثر وأن أعينهم كانت أصغر حجما، تماما مثلما تتصف به عيون وشعر المجريين الأصليين.

قام (فودور) كذلك بجمع بعض الأمثلة المتداولة والشعبية التي كانت شبيهة جدا بتلك التي مازال يتم تداولها في المجر بين المجريين الأصليين، منها أن: ”المجراب لا يصلي في المسجد“، و”المجراب لابس برنيطة“، و”راس المجراب أقسى من الحجر“.

كما لاحظ أن عادات هذه العشيرة كانت مختلفة عن عادات المجريين، لكنهم لم يكونوا في نفس الوقت يتبعون التقاليد الإسلامية بشكل كامل.

جاري التحميل…

0