علوم

علماء عظماء تأذّوا أو فقدوا حياتهم نتيجة تجاربهم واكتشافاتهم العلمية

قدم العلماء لنا عبر التاريخ الكثير من الاكتشافات والاختراعات التي غيرت حياتنا بشكل جذري، ومع أن بعضها ربما تكون قد قدمت أخطاراً أكثر من الفوائد، فالتقدم العلمي هو السبب الأساسي لتحسن المعيشة البشرية والنمو الاقتصادي المستمر.

هذه الاكتشافات والتجارب لا تأتي مجاناً بالطبع، فهي تحتاج جهوداً كبيرة من قبل العلماء والباحثين للوصول إليها، وفي بعض الحالات يكون الثمن أكبر حتى مع بعض التجارب التي تسببت بأضرار كبيرة أو أنها قتلت العلماء المشرفين عليها.

الكيميائي Karl Scheele

شم وتذوق نتائج التجارب أمر خطير للغاية، بالأخص لمن يعمل في مجال الكيمياء مع الكثير من المواد السامة والقاتلة حتى حوله.

كان الصيدلاني والكيميائي Scheeles عالماً لامعاً في القرن الثامن عشر ويعود له الفضل في العديد من الاكتشافات المهمة مثل اكتشافه لعنصر الأوكسجين (ولو أن العالم Joseph Priestley سبقه ونشر نتائج أبحاثه قبله)، كما تمكن من عزل عناصر المولبيدنيوم والتنغستن والمنغنيز وحتى الكلور، كما أنه طور طريقة تعقيم قريبة جداً من البسترة.

لكن Scheele كان يمتلك عادة سيئة جداً وبالأخص بالنسبة لكونه كيميائياً، فقد كان يميل لتذوق الأشياء التي يكتشفها ويجري عليها تجاربه، ومع أنه كان محظوظاً كفاية لينجو من التسمم بسيانيد الهيدروجين، فهو لم ينجُ من الزئبق حيث مات مع أعراض التسمم بالزئبق عام 1786.

أول ضحايا الطيران Jean- Francois Rozier

تحسباً للتعليقات الغاضبة التي ستتحدث عن الكثيرين ممن ماتوا وهم يحاولون الطيران (مثل قصة عباس بن فرناس الشهيرة) فالمقصود هو أول ضحية لتجربة طيران حقيقي بات ممكناً حقا.

تتناول الحالة هنا فيزيائياً وكيميائياً فرنسياً عاش في نهاية القرن الثامن عشر وكان قد شهد إطلاق أول منطاد يعمل بالهواء الساخن عام 1783، وبعد أن ساعد في عدة تجارب ناجحة تضمن حمل دجاجة وبطة وخروف في مناطيد قرر قيام برحلة جوية بنفسه ليكون أول انسان يطير باستخدام منطاد ويصل لارتفاع يبلغ حوالي 900 متر، وبعد عدة تجارب ناجحة حول الأمر قرر عبور القناة الإنجليزية (التي تفصل فرنسا عن الجزر البريطانية). تمت المحاولة باستخدام منطاد يعتمد مزيجاً من الغازات الخفيفة والهواء الساخن، لكن بعد وصول المنطاد لارتفاع 450 متراً بدأ بتهريب الهواء مما أدى لسقوط المنطاد ومقتل Rozier لتتبعه خطيبته بعدها بثمانية أيام فيما يعتقد أنه انتحار.

أولى ضحايا الأشعة السينية Elizabeth Aschheim

اليوم بات من المعروف أن الأشعة السينية ليست آمنة بشكل كامل والتعرض المتكرر لها خطر للغاية، لكن الأمر لم يكن كذلك في البداية.

في نهاية القرن التاسع عشر كان اكتشاف العالم الألماني Wilhelm Rontgen للأشعة السينية (X-Rays) حدثاً مهماً جداً في الأوساط العلمية حيث جذب نظر العالم بأجمعه، ومن بين من تأثروا بأهمية الخبر كان زوج Aschheim والذي كان طبيباً معروفاً ونقل اهتمامه إلى Elizabeth التي بدأت دراسة العلوم الكهربائية والبحث في مجال الأشعة السينية إلى أن استدانت المال لتشتري آلة أشعة سينية كانت الأولى في الولايات المتحدة، حيث قامت هي وزوجها بالعديد من التجارب مع كونهما عينات التجارب في العديد من الحالات خصوصاً وأن الأشعة السينية كانت لا تزال أمراً جديداً جداً ومجهول المخاطر.

على مدار عدة سنوات أدى التعرض المطول للأشعة إلى سرطان شديد انتشر بسرعة في جسم Aschheim وأدى لوفاتها علم 1905 عندما كانت بعمر 38 عاماً.

نقل الدم القاتل لـAlexander Bogdanov

حتى اليوم لا يزال نقل الدم أمرا يجب التعامل معه بحذر لتجنب نقل الأمراض والعدوى من المصابين بها إلى متلقي الدم.

كان Bogdanov طبيباً وفيلسوفاً وكاتباً وثائراً روسياً عاش في بداية القرن العشرين، وكان من أوائل المجربين في مجال نقل الدم خصوصاً بعد أن كان العالم النمساوي Karl Landsteiner قد اكتشف فئات الدم المختلفة عام 1901 مما جعل نقل الدم ممكناً أكثر من السابق.

جرب Bogdanov نقل الدم على نفسه أكثر من 11 مرة فيما يعتقد أنه كان محاولة منه للوصول للحياة الأبدية والشباب الدائم، حيث كان قد ادعى أنه تمكن من تحسين بصره وإيقاف صلعه بفضل نقل الدم، لكن محاولات Bogdanov كانت قليلة الحذر ولم يكن يقوم بفحص الدم أو أخذ الحذر من الأمراض والميكروبات، وفي واحدة من عمليات النقل عام 1928 قام بنقل الدم المصاب بالملاريا والسل إلى نفسه مما أدى إلى مرضه بسرعة كبيرة ووفاته.

الكيميائي Robert Bunsen

كان Bunsen كيميائياً ألمانياً معروفاً في القرن التاسع عشر مع الكثير من الإنجازات والاكتشافات ربما أبرزها اكتشافه لعنصري السيزيوم والروبيديوم وموقد بنزن المستخدم في المخابر الكيميائي حتى اليوم وسمي باسمه.

بدأت مسيرة Bunsen الكيميائية في الكيمياء العضوية حيث كاد يموت مرتين إثر التسمم الشديد بالزرنيخ، وحتى بعد نجاته من الموت مرتين فقد عاد للعبث بمركبات الزرنيخ حيث أدت إحدى تجاربه إلى انفجار مركب سيانيد الكاسوديل (الذي يتضمن الزرنيخ كذلك) وفقد عينه اليمنى بالنتيجة مما جعله يفكر في تغيير مجاله من الكيمياء العضوية.

انتقل Bunsen لاحقا إلى الكيمياء غير العضوية وعمل على تطوير ”المطيافية“ (دراسة التفاعل بين الإشعاع والمادة).

الكيميائي Humphry Davy

كما Scheele، فالعادة السيئة بشم الغازات الناتجة عن التفاعلة الكيميائية تسببت بأضرار كبرى لمعلم (فاراداي): Humphry Davy

كان Davy واحداً من ألمع الكيميائيين والمخترعين في التاريخ البريطاني مع قائمة طويلة من الاختراعات والاكتشافات التي تتضمن كونه أول من عزل كل من عناصر البوتاسيوم والصوديوم والكالسيوم والسترونتيوم والباريوم والمغنيزيوم والبورون، كما كان أول من حدد الطبيعة الجزيئية لكل من الكلور واليود، وحتى أنه بدأ مجال الكيمياء الكهربائية بالكامل.

أتت مسيرة Davy المثيرة للإعجاب علمياً مع مجموعة من العادات السيئة التي رافقته طوال حياته وأهمها ميله لشم الغازات الناتجة عن تجاربه، ومع أن هذه العادة أدت لاكتشافه الخواص المخدرة لغاز أوكسيد النيتروجين، فقد كانت السبب بتعرضه للعديد من المشاكل الصحية حيث كاد يموت نتيجة التسمم في عدة مناسبات، ومع استمراره بهذه العادة وصل إلى مرحلة حرجة أبقته غير قادر على العمل للعقدين الأخيرين من حياته.

سمح غياب نجم Davy بتألق مساعده (مايكل فاراداي) ليصبح واحداً من أشهر العلماء اليوم، وجدير بالذكر أن (فاراداي) نفسه تأثر بشكل كبير بتجارب معلمه Davy حيث أنه عانى من تضرر عينيه بشكل كبير بسبب انفجارات كلوريد النيتروجين كما أنه قضى بقية حياته يعاني من تسمم كيميائي مزمن رافقه حتى وفاته عام 1867.

الفائزة الوحيدة بجائزتي نوبل Marie Curie

حتى اليوم لا تزال (ماري كوري) هي الوحيدة الحاصلة على جائزتي نوبل وفي اختصاصين مختلفين، لكن تجاربها التي قادتها للمجد أدت إلى أذية شديدة لا يمكن عكسها.

على مر تاريخ العلوم تألق العديد من العلماء، وفي العديد من الحالات تشارك زوجان من العلماء العمل والاكتشافات المثيرة، لكن أياً منهم يمكن مقارنتهما بـ(ماري) وزوجها (بيير كوري)، فهذان الزوجان قدما الكثير للعلم وحتى بعد وفاة (بيير) أكملت (ماري) المسيرة وحيدة وأصبحت أول عالمة تحصل على جائزة نوبل مرتين وفي مجالين مختلفين (الفيزياء والكيمياء) وهو أمر لم يتكرر حتى الآن.

عمل الزوجان في البداية في البحث في الخواص المشعة للعناصر، وعام 1898 اكتشفا عنصر الراديوم الشهير بكونه شديد الإشعاع جداً، لكن عبر السنوات وبسبب كون آثار الإشعاع مجهولة حينها، فقد خسرت (ماري) الكثير بسبب تجاربها، ومع الوقت انحدرت صحتها وأصيبت باللوكيميا (سرطان نقي العظام) وتوفيت نتيجتها عام 1934.

أعمى العالم الشهير (جاليليو) Galileo Galilei نفسه

بين العديد من لعلماء قلة هم من أثاروا جدلاً كبيراً في العالم أو أحدثوا ضجة بقدر ضجة (جاليليو)، التي لا تزال أصداؤها مستمرة بشهرتها الكبيرة وبالاعتذارات التي قدمتها الفاتيكان في العقود الأخيرة من العالم الذي عومل بشكل سيء وفرضت عليه الإقامة الجبرية من سلطات الكنيسة الكاثوليكية.

على أي حال فما حدث لـ(جاليليو) من أشياء لم يكن بالكامل بسبب الكنيسة، بل أن بعض الأشياء ولعل أهمها إصابته بالعمى وفقدانه للبصر كانت نتيجة تصرفاته هو، خصوصاً وأنه كان مولعاً بالشمس ويقضي ساعات يحدق بها بتركيز.

بالطبع فالجميع يعرف أن النظر إلى الشمس ليس فكرة جيدة أبداً، فالضرر الناتج شديد وقد يكون دائماً، وهذا ما حدث مع ”أبو الفيزياء“ الذي تراجع بصره بسبب نظراته المطولة ووصل إلى العمى بشكل شبه كلي في السنوات الأخيرة من حياته.

أول ضحايا التجارب النووية Louis Slotin

على عكس (ماري كوري) التي تسممت إشعاعياً قبل معرفة أثر الإشعاع على البشر، فـSlotin خسر حياته بسبب حادثة في وقت كانت نتائج الإشعاع قد أصبحت معروفة فيه.

خلال أربعينيات القرن العشرين عمل الأمريكيون على مشروع سري جداً سمي باسم ”مشروع مانهاتن“ ليتبين لاحقاً مع نهاية الحرب العالمية الثانية أن المشروع كان لتطوير الأسلحة التي تعتمد الانشطار النووي وهو ما فعله حقاً مع القنبلتين التان تم إسقاطهما على اليابان لإرغامها على الاستسلام.

كان Stolin المولود في كندا أحد علماء الفيزياء العاملين ضمن المشروع الذي استمر لمدة بعد نهاية الحرب لدراسة تفاعلات الانشطار النووي المستقرة (بغرض الاستخدام الغير عسكري)، وبينما كان Slotin يقوم بإحدى تجاربه حدثت مشكلة أدت لبدأ تفاعل سريع ظهر على شكل ضوء أزرق لزملائه الذين يراقبون من غرفة مجاورة وأطلق موجة من الحرارة وشعاعاً نيوترونياً قوياً أدى لإصابة Slotin بالتسمم بالأشعة ووفاته بعد أيام، حيث لم تفد العناية الطبية في إنقاذه.

المصادر

عدد القراءات: 862