in

لنبكِ على حليب السعودية المسكوب أولًا ثم ننظر في أمر بن سلمان

يقف البعض حائرًا بين تشجيع النظام السعودي الحالي في خطواته نحو إطلاق الحريات الشخصية والاجتماعية، وبين السخرية من ماضي المملكة المليء بالنقيض تمامًا بأدوات التشدد والقمع مُفرطة الضيق، والتي على ضيقها اتسع مداها نحو أراض مجاورة وشعوب أخرى لا تدين للملك بالولاء، وإنما قدمت كل فروض الطاعة لأفكاره برضاء تام.

الاختيار صعب للغاية، نسخر أم نُشيد؟ هل يُمكن القيام بالفعلين معًا أم أن هناك بعض التنازلات التي من الممكن تقديمها في سبيل ما يحدث من تغيرات كبيرة وفقًا لطبيعة هذا البلد؟

قبل أن نُقرر ماذا سنفعل، يجب علينا أن نحدد أهدافنا أولًا، فإن كنت مؤمنًا بمبادئ حقوق الإنسان وحرياته فلن نختلف حول هدفين رئيسيين: استكمال ما بدأه مع إعطاء كل ذي حق حقه، ثم التخلص من مخلفات الفكر القديم في باقي البلدان التي امتد إليها التطرف السعودي في وقت ما.

السخرية ليست مجرد لحظات من التندر على شيء ما، فالضحك يُصبح ذو قيمة حينما يكون عرضا جانبيا لشيء أهم، وهو قضية النكتة ذاتها، والشعوب العربية تلتهم النكات التهامًا، وتتقبل إلى حد ما الاطلاع على عناوين القضايا والأخبار وغيرها من الملفات الحياتية الهامة بسهولة إذا ما حوّلت تلك القضايا إلى نكات أو مقال ساخر أو حتى مجرد ”كوميك“ على صفحات التواصل الاجتماعي، وهذا التقبل يجعل انتشار الفكرة أسرع وأكبر، إضافة إلى ذلك أنها تستهدف الشباب/البنات ذوي الأعمار الصغيرة بنسبة عالية للغاية بما أنها أدوات عصرهم وخاصة ”الكوميكس“، ولذلك أثر مطلوب وهو التأكد من وصول فكرة (أن سعوديتهم القديمة لابد وأن تكون محط للسخرية، وأنهم حجر أساس في عملية بناء السعودية الجديدة إليهم).

إذا ما المانع أن يسخر البعض من هذا الماضي قبل المُضي قدمًا في تبجيل القرارات الجديدة؟ بالعكس قد تكون السخرية هي الطريق الوحيد لتأريخ ما حدث لضمان عدم تكراره وسرده بواقعيته تمامًا، فالسخرية كانت إحدى الأسباب القوية التي عجّلت بالتراجع المفاجئ لدعاة المملكة عن أكثر الفتاوى تشددًا، وهي أيضًا التي حجمت من دور النظام في إحداث التغييرات بما يضمن له شرف التنفيذ ويضمن لآخرين/أخريات شرف الإعداد ودفع القضية برمتها، وفي العموم قد تُشارك السخرية في دفع أنظمة من أسطح سدة الحكم ولنا في باسم يوسف وحكم الإخوان لمصر عبرة.

أتحدث هنا عن عزيزة اليوسف ونضالها من أجل حقوق المرأة الذي تسبب في احتجازها مع إيمان آل نفجان ولجين الهذلول مثلًا، أو سمر بدوي التي عادت نظام ولي الأمر في المملكة بعد تكرار مواقف العنف الجسدي من والدها، وشقيقها رائف الذي واجه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى حد الاعتقال، وأسرة أخرى خرجت منها شقيقتان هما مريم ومناهل العتيبي للدفاع عن حقوق النساء وكالعادة لم تسلم أسرتهم من مآسي الاعتقال والتحقيق وحتى رهف القنون، التي دوى صدى هروبها آذان قصر الملك شخصيًا وسط ضجيج الإحراج الدولي، هؤلاء والمزيد وضعوا النظام على طريق التخلص من القوانين الاجتماعية البائدة والكف عن قيود التشدد التي أفسدت علاقات أسرية كثيرًا.

السخرية أيضًا من المفترض أن تعمل كحافز للهرب من وصمة التطرف سريعًا، حتى يجد بن سلمان نفسه هاربًا ركضًا من مخلفات الماضي بدلًا من التروي أو التوقف في طريق التغيرات الذي يسير فيه، مما يضمن استمرار تلك العملية وألا يشعر النظام الملكي في السعودية بالاكتفاء أو بأن هناك حالة رضا كاملة قد نشأت بينه وبين معارضيه السابقين.

ولكن، وحتى لا تُصبح السخرية سلاحًا للتنمر، فسوف يتوجب علينا جميعًا الوقوف قبل كل نكتة لنرى أي هدف ستصيب، فإن كان هذا الهدف هو المغلوب على أمره مثل المرأة السعودية التي تطالها الإهانات أحيانًا كثيرة، فلا مجال للاستمرار في تلك النكتة تحديدًا، وكما يقول الكاتب يوسف زيدان: ”لا ينبغي أن نخجل من أمر فُرض علينا، مهما كان، ما دمنا لم نقترفه“، والأمور في المملكة صعبة للغاية وسقف الحريات الذي تراه ضئيلًا في مجتمعك، يُعد سقفًا عاليًا للغاية في غرفة المملكة المغلقة على نفسها.

وأخيرًا، ما حدث قد حدث، ولكن أن يفلت مجرم بجرمه دون أدنى عقاب ولو بالسخرية فقط، فهذا يجعل من السعودية حقل تجارب لأفكار شخصية جديدة دون النظر إلى خطوط حقوق الإنسان العالمية مثلًا، ثم أن ما عانى منه شعوب المنطقة في مصر على سبيل المثال لا بد وأن ينتج عنه نوبة سخرية مستمرة تسعى للتصحيح في جهتين، جهة السعودية نفسها حتى لا يتكرر أي مد فكري منها إلى المحروسة مصر مثلما حدث أثناء مد الفكر الوهابي، وجهة مصر نفسها التي تحتاج هي الأخرى إلى تغيرات كبيرة اجتماعيًا وقانونيًا فيما يخص ملف الحريات بكل تأكيد.

أما عن بن سلمان، فالحديث عنه لن يكون سهلًا مثل الحديث عن السعودية، أقصد هل يكفيه الإصلاح في مجال الحريات ليغسل سمعته من ورث سلسلة الاغتيالات؟ ولكن والحديث هنا عن الحريات داخل السعودية فلا أرى أمامه مجال واسع إلا تقبل ردود الأفعال تلك كلها مع الإسراع في خطوته في هذا الملف دون توقف ودون تروي، كون المملكة متأخرة خطوات بالفعل، أن يركض كما ذكرت مسبقًا، أن يضحك على تلك النكات التي يطلقها الكثيرون صوب السعودية ثم يحملها على أكتافه ولا يُلقيها من هناك قبل التخلص تمامًا من منبعها، وبالطبع إطلاق سراح جميع معتقلي الرأي وحقوق الإنسان ثم الاعتراف بفضل المذكور أسمائهم في هذا المقال، الذي قد يخفف من حِدة السخرية ويرفع من قيمة الإشادة درجات، نحو سعودية حرة يوم ما.

جاري التحميل…

0