علوم

وزارة الدفاع النفسية

آليات الدفاع النفسية

جميعنا نعاني: لا يوجد هناك شخص على وجه هذه البسيطة لم يمر بمشاكل أو ظروفٍ سببت له نوعاً من الحزن أو الخوف أو التوتر. لكن الفرق الأساسي بين الناس هو طريقة تعامل كل منا مع تلك الظروف والمواقف التي قد تسبب المشاعر السلبية للشخص.

هناك بعض التصرفات التي نقوم بها بلا وعي منا للتعامل مع مشاعرنا السلبية التي قد نحس بها لأي سببٍ كان، وهي نابعة مما يُسمى باللاوعي (Subconscious)، وتسمى هذه التصرفات بآليات الدفاع النفسية أو الحيل النفسية (Defense Mechanisms)، وهي تهدف بشكل رئيسي إلى تخفيف التوتر الناتج عن هذه المشاعر السلبية.

آنا فرويد، ابنة عالم النفس الشهير سيغموند فرويد، كانت أول من وصف هذه الآليات أو الدفاعات، وفتحت الباب لعلماء آخرين لفهم طريقة تصرفنا وتعاملنا مع مشاعرنا السلبية، والذين قاموا بدورهم بتوسيع نطاق أبحاثها عن هذا الموضوع. تُصنف هذه الآليات إلى آليات مرضية أو باثولوجية، وآليات دفاع غير ناضجة، وآليات عُصابية، وآليات دفاع ناضجة. لربما استطعتَ من خلال هذا المقال، أن تفهم ردة فعلك وتصرفاتك، أو تصرفات من تعرفهم تجاه أمور مختلفة في الحياة، وبالتالي قد يكون بإمكانك تحسين طريقة تعاملك مع ما يثير الخوف أو القلق لديك.

آليات الدفاع المَرضية (أو الباثولوجية)

آليات الدفاع المَرضية

وسُميت بذلك لأنها، وعلى الرغم من أنها قد تخفف التوتر والقلق بشكل مؤقت، إلا أن استعمالها بشكل متكرر يؤدي إلى سلوكيات ضارة، كما أنها تنتج شخصاً غير قادر على التعامل مع مشاكله ومشاعره السلبية بشكل صحي، وقد تقود الشخص إلى الوقوع في اضطرابات نفسية، في بعض الأحيان. تشمل هذه الآليات:

– التحول (Conversion)

وتعرف هذه الآلية باسمها الأكثر شيوعاً ”الهيستيريا“. حيث يقوم الشخص، بلا وعي منه، بتحويل مشاعره السلبية من القلق والتوتر إلى أعراض جسدية مثل فقدان الوعي، أو فقدان الإحساس بالأطراف أو العمى وغيرها من الأعراض.

– الإنكار (Denial)

الإنكار هو رفض تقبل الحقيقة والواقع، والتصرف وكأنما حدثٌ أو فكرة أو شعورٌ مؤلم غير موجود. يُعتبر الإنكار من أكثر وسائل الدفاع النفسية بدائية، ذلك أنه مرتبط بشكل وثيق بالمراحل الأولى من تطور الطفل.

يلجأ كثير من الناس للإنكار في حياتهم اليومية لتجنب التعامل مع المشاعر المؤلمة أو مع جوانب من حياتهم لا يرغبون بالاعتراف بحقيقتها. على سبيل المثال، قد يقوم شخص مدمن على الكحول بإنكار أن لديه مشكلة، وقد يشير إلى أن أدائه في العمل وفي حياته الاجتماعية طبيعي وبلا أي مشاكل. تُرى هذه الآلية بكثرة عند الأشخاص الذي فقدوا أشخاصاً قريبين منهم، إلا أن معظم الناس يتجاوزون هذه المرحلة ويتقبلون واقعهم الجديد.

– الانفصام (Splitting)

ولا يقصد هنا مرض الفصام العقلي، وإنما آلية من آليات الدفاع النفسي. تسمى هذه الآلية أيضا بالتفكير الأبيض-الأسود، أو تفكير ”الكل أو العدم“. تتمثل هذه الآلية في عجز الشخص عن التفكير بالحلول الوسط. دائماً ما يفكر الشخص بشكل متطرف يميل إما للخير المطلق، أو الشر المطلق، ولا يمكنه فهم أو رؤية صفاتٍ جيدة وسيئة في نفس الشخص أو الموقف، وقد تتأرجح فكرته عن شخص أو موقف ما من النقيض إلى النقيض.

عادة ما تبدأ هذه الآلية بالظهور عند الطفل، حيث يرى والديه غير قابلين للخطأ، وتنقلب فكرته عنهما تماما إلى النقيض التام إذا رأى منهما تصرفا ما يعده خاطئا. ترتبط آلية الدفاع هذه ببعض اضطرابات الشخصية كاضطراب الشخصية الحديّة، واضطراب الشخصية النرجسية.

آليات الدفاع غير الناضجة

آليات الدفاع غير الناضجة

سميت هذه الآليات بغير الناضجة، كونها توفر شعوراً مؤقتاً بالراحة، ولا تساعد الشخص على التعامل مع مشاكله على المدى البعيد، إلا أنها ،في العادة، لا تترك ضرراً بالغاً كما هو الحال في آليات الدفاع المَرضية. من بعض الآليات التي تقع تحت نطاقها:

– الإسقاط (Projection)

الإسقاط هو العزو الخاطئ لمشاعر الشخص، أو أفكاره أو اندفاعاته غير المرغوب بها إلى شخص آخر لا يعاني من هذه الأفكار، أو المشاعر أو الاندفاعات. تُستعمل هذه الآلية بشكل خاص عندما يكون التعبير عن الأفكار غير مقبولٍ لدى الشخص، أو بأنه يحس بعدم الراحة بوجود هذه الأفكار.

على سبيل المثال، قد يغضب رجل على زوجته بحجة أنها لا تهتم للاستماع لما يقول، بينما، وعلى أرض الواقع، فإنه هو الذي لا يهتم لسماع كلامها. عادة ما ينتج الإسقاط عن غياب فهم الشخص أو اعترافه بمشاعره ودوافعه.

– التنفيس (Acting Out)

آلية الدفاع هذه شائعة بشكل كبير بين الناس، ويمكننا القول بثقة كبيرة أن الغالبية العظمى من الناس يلجأون إليها في بعض الأحيان. التنفيس هو القيام بتصرف متطرف نوعاً ما للتعبير عن مشاعر أو انفعالات يشعر الشخص بأنه غير قادر عن التعبير عنها بشكل آخر. فمثلاً، وبدلاً من أن يعبّر الشخص عن غضبه من شخص ما، يقوم الشخص برمي كتابٍ عليه أو بلكم الحائط كتعبير عن هذا الغضب الذي يتملكه.

تساعد هذه الوسيلة الشخص في التخفيف من غضبه ومشاعره السلبية وشعوره ببعض من السلام. هذه الطريقة شائعة أيضاً لدى الأطفال، حيث يمكن لكثير من الأهل ملاحظة نوبات الغضب والبكاء لدى الطفل عندما يغضب أو لا يحصل على ما يريد، بلا أن يعبّر عن ذلك كلامياً. يعد إيذاء النفس شكلاً من أشكال التنفيس، حيث يخفف بعض الناس الضغط النفسي عن أنفسهم عن طريق جرح أو إيذاء أنفسهم، خاصة عندما يشعرون بعدم قدرتهم عن التعبير عما يمرون به من مشاعر سلبية.

– الخيال (Fantasy)

إحدى أكتر الطرق شيوعاً بين الناس. يلجأ كثير منا إلى الهرب من الواقع عن طريق الجموح في خيالهم، حيث ينفصلون عن الواقع لفترة قصيرة. تقع أحلام اليقظة ضمن نطاق هذه الآلية، وعلى الرغم من عدم ضررها، إلا أن الإفراط بالتخيل وأحلام اليقظة قد يؤدي بالشخص إلى عدم القدرة على إيجاد حلول واقعية لمشاكله وإيجاد منفذ صحي للتخلص من التوتر والقلق الذي قد يواجهه. وهي بشكل عام شائعة عند الأطفال أكثر من البالغين.

آليات الدفاع العُصابية

آليات الدفاع العُصابية

تعد هذه الآليات أكثر تقدماً من آليات الدفاع غير الناضجة، إلا أنها لا توفر طريقة ناجحة في التعامل مع المشاعر السلبية والتجارب الشخصية المؤلمة على المدى الطويل. بعض من هذه الآليات تشمل:

– التكوين العكسي (Reaction Formation)

التكوين العكسي هو تحويل الأفكار أو المشاعر أو الاندفاعات الخطيرة أو غير المرغوب بها إلى نقيضها. فمثلاً، قد تشعر بالغضب أو الكره تجاه مديرك في العمل، وتتملكك رغبة ملحة في ترك ذلك العمل، إلا أنك تتصرف معه بلطفٍ و كرم زائدين، وتعبر عن حبك للعمل ورغبتك في عدم تركه قَط. في هذه الحالة، يكون من الصعب عليك أن تعبّر عن كرهك أو عدم رضاك عن مديرك أو عملك، فتقوم بالتصرف بلطف مفرط لتخفي عن الآخرين مشاعرك الحقيقية.

مثال آخر على ذلك هو التدين الزائد والإفراط في الصلاة والصيام مثلاً، لإخفاء هوس الشخص بالجنس.

– التبرير أو المنطَقة (Rationalization)

التبرير هو إيجاد أعذارٍ أو تبريرات قد تبدو منطقية ومترابطة لفعل أو تصرفٍ أو شعور ما يكون غير مقبولٍ أو يثير الشعور بالخوف أو القلق لدى الشخص، ولكنها في الحقيقة تبريرات بعيدة عن الواقع، ولا تعطي صورة حقيقية عن مشاعر ودوافع الشخص الحقيقية وراء تصرف أو شعور ما. من الأمثلة على ذلك، إذا لم ينجح أحدهم في الحصول على وظيفة معينة بسبب قلة خبرته أو عدم كفاءته، فإنه قد يبرر لنفسه بأنه أفضل من ذلك العمل، وأنه كان من البداية لا يرغب في الحصول على تلك الوظيفة. وهنا، ينطبق المثل الشعبي القائل ”اللي ما يطول العنب، حامض عنه يقول!“

– الإبطال أو الإلغاء (Undoing)

الإبطال هو محاولة الشخص إلغاء أو إبطال تصرف مؤذٍ قام به بشكل غير واعٍ أو فكرة غير مقبولة لديه. على سبيل المثال، قد تقوم، عن غير قصد، بإهانة زوجتك، وتنتبه بعدها إلى ما فعلت، فتقوم بالثناء على جمالها وذكائها، أو تقدم هدية لها. بقيامك بتلك الأفعال، فإنك تحاول إبطال أو إلغاء الضرر الذي تسببت به، أملاً في أن يلغي ثناؤك وهديتك الإهانة التي وجهتها سابقاً.

– الإزاحة (Displacement)

الإزاحة هي إعادة توجيه المشاعر أو الأفكار أو الاندفاعات التي يحس به الشخص تجاه أحد أو شيء ما إلى شخص أو شيء آخر يكون في العادة أقل تهديدا على الشخص. عادة ما يلجأ الناس إلى هذه الطريقة عندما لا يكون باستطاعتهم التعبير عن مشاعرهم بشكل آمن تجاه ذلك الشخص أو الشيء.

من الأمثلة المشهورة على ذلك، هو ذلك الرجل الذي يحس بالنقمة على رئيسه في العمل، ولكنه لا يمكنه التعبير عن هذا الحقد والغضب خوفا من أن يتم طرده. بدلا من ذلك يعود إلى المنزل ليضرب ابنه أو يختلق شجاراً مع زوجته. ما فعله هذا الرجل هو إعادة توجيه أو إزاحة شعوره بالحقد على رئيسه إلى زوجته أو ابنه.

بطبيعة الحال، فإنها آلية دفاعية غير فعالة، ذلك أنه، وعلى الرغم من أن المشاعر السلبية تجد سبيلا لتفريغها والتعبير عنها، إلا أنه تُوجّه إلى الأشخاص أو الأشياء الخطأ، مما قد يتسبب في مشاكل شخصية واجتماعية كبيرة لدى الشخص وممن حوله.

– الكبت (Repression)

الكبت هو حجب الأفكار والمشاعر والاندفاعات غير المقبولة بشكل غير واع. يجب ملاحظة أن الكبت يتم بشكل غير واع لدى الشخص؛ لذلك لا يمكن للشخص التحكم به.

الذكريات المكبوتة هي ذكرياتٌ قام الشخص بحجبها بلا وعي منه. ولكن، ولأن ذكرياتنا مرنة وقابلة للتغيير، فلا يكون استرجاع الذكريات بنفس سهولة ودقة إرجاع شريط الفيديو إلى بدايته. أحداث حياتنا اليومية، وتفاعلنا مع بيئتنا، وما تعلمنا تلعب كلها دوراً مهماً في تشكيل ذكرياتنا والتأثير على مدى دقتها.

آليات الدفاع الناضجة

آليات الدفاع الناضجة

آليات الدفاع الناضجة هي الوحيدة من بين كل ما سبق ذكره توفر طريقة صحية ودائمة التعامل بشكل مقبول مع المشاعر السلبية التي قد يشعر بها الشخص. اللجوء إلى هذه الأساليب، يوفر الراحة النفسية ويجعل تعامل الشخص مع ظروفه ومحيطه أكثر قرباً من الواقع وأنجح في التخلص من القلق والتوتر الناتجين عن تلك الظروف. من الأمثلة على تلك الآليات:

– التَعلية (Sublimation)

التعلية ببساطة، هي توجيه المشاعر والأفكار والاندفاعات غير المرغوب بها إلى أشكال مقبولة لدى الفرد والمجتمع. فمثلاً، قد يكون الشخص عدوانياً، فيقوم بالتدرب على الكاراتيه ليوجه المشاعر العدوانية هذه إلى شكل مقبول ومنتج أكثر.

يعد استعمال روح الدعابة شكلاً من أشكال التعلية، حيث يقوم الشخص بإضفاء روح من الفكاهة على مشاكله ومشاعره السلبية، وتوجيه شعوره بالغضب أو الحزن إلى الدعابة كنوع من التخفيف من حجم القلق والتوتر الناتج عن هذه المشاكل.

– التعويض (Compensation)

التعويض هو عملية نفسية تتضمن محاولة خلق نوع من التوازن؛ حيث يكون لدى الشخص نقطة ضعف في مجال ما (على المستوى الشخصي أو العملي)، فيعوض عن ذلك بإظهار نوع من التفوق في مجالات أخرى يرى فيها الشخص بأنه أكثر براعةً فيها. بالتركيز على، وإظهار مَواطن القوة لديه، فإن الشخص يدرك بأنه لا يمكن أن يكون بارعاً في كل المجالات في حياته.

على سبيل المثال، عندما يقول شخص ما: ”قد لا أكون بارعاً في الطبخ، لكنني قادر على إعداد ألذ الكعكات!“ فإن ذلك الشخص يحاول تعويض نقص مهارته في الطبخ بالتركيز على مهارته في الخَبز وإعداد الكعك. إذا ما نُفذت هذه الآلية بطريقة صحيحة، وبلا إفراط أو مبالغة في التعويض، فإنها تساعد بشكل كبير في تقوية الثقة بالنفس، وتحسين صورة الشخص لدى نفسه.

– التوكيد أو الإصرار (Assertiveness)

التوكيد أو الإصرار هو توضيح الشخص لاحتياجاته أو أفكاره بشكل مباشر، وحازم ومتسم بالاحترام. بشكل عام فإن تواصل أي أحد منا مع الآخرين يقع ضمن طيفٍ يتدرج من السلبية إلى العدوانية. يقع التوكيد وسطاً بين هؤلاء الضدين.

يميل الأشخاص السلبيون إلى أن يكونوا مستمعين جيدين، إلا أنهم نادرا ما يعبّرون عن أنفسهم أو احتياجاتهم الخاصة في العلاقات. أما الأشخاص العدوانيون، فإنهم يميلون لأن يكونوا قادة جيدين، ولكن ذلك يكون على حساب قدرتهم على الاستماع إلى الآخرين بتعاطف وفهم وجهات نظرهم واحتياجاتهم. الأشخاص الحازمون، والذين يستعملون هذه الآلية، يخلقون نوعاً من التوازن في طريقة تواصلهم مع الآخرين. فهم يتكلمون بوضوح عما يرغبون بإيصاله بشكل يملؤه الاحترام والقوة في نفس الوقت. استخدام هذه الطريقة في التواصل مرغوبة بشكل كبير بين الناس، ومن أكثر آليات الدفاع فائدة في تحقيق مكاسب اجتماعية وحياتية.

لا تشعر بالقلق إذا كنت تلجأ إلى إحدى الآليات التي لا تقع في نطاق الآليات الناضجة ، فعلى الرغم من كون هذه الآليات جميعا تحدث بشكل غير واع، إلا أننا نتعلمها أثناء الطفولة. هذا يعطينا الفرصة كبالغين أن نحاول تعلم سلوكياتٍ جديدة، وآليات دفاع أفضل وأكثر نضجاً؛ كي تصبح جزءاً من شخصيتنا وتقدم لنا الفائدة في حياتنا. وليس هناك بأس من اللجوء إلى معونة الطبيب النفسي أو المعالج السلوكي ليعاونك في التخلص من السلوكيات الناتجة عن آليات الدفاع غير الناضجة، ولربما لمست تحسناً ملحوظاً في حياتك ككل.

مقال من إعداد

mm

قاسم الريماوي

أتخصص حاليا في الطب النفسي، فرعي المفضل في الطب. أعشق العلوم النفسية والجنائية، وأحب العلوم الحياتية واللغات جدا.

عدد القراءات: 2٬003