in

دخلك بتعرف قصة «مشروع ويست فورد»: حلقة الأرض الاصطناعية

مشروع ويست فورد
الصورة على اليسار غير حقيقية.

نجحت الولايات المتحدة الأميركية في صيف عام 1963 في إطلاق حلقة ضخمة في مدار الأرض، هذه الحلقة التي لم تكن كحلقات كوكب زحل مكونةً من الغبار والصخور والجليد، وإنما كانت تتكون من نصف مليار سلك نحاسي رفيع بسمك الشعرة، وكانت هذه الأسلاك –أو الإبر– جزءاً من مشروع (ويست فورد) West Ford الذي كان محاولةً لتقوية الطبقة المتأينة للأرض، وتزويد الجيش الأميركي بنظام اتصالات مقاوم للتشويش والتدمير.

خلال خمسينيات القرن العشرين، كانت الاتصالات طويلة المدى تُجرى إما عن طريق كوابل بحرية أو باستخدام اتصالات الراديو عبر الأفق، حيث ترتد الأمواج الكهرومغناطيسية من الطبقة المتأينة في الغلاف الجوي. يمكن الاعتماد على الكوابل البحرية لكن موثوقية الطبقة المتأينة تتوقف على نشاط الشمس، حيث أن الاتصالات تتعطل دوريّاً بفعل الانفجارات الشمسية.

كانت الولايات المتحدة قلقةً من أن احتمالية هجوم السوفييت على خطوط الهاتف تحت البحر سيتركها مع نظام اتصالات متقلّب لا يمكن الاعتماد عليه، وهذا يعتبر كارثياً من وجهة نظرٍ عسكرية.

في عام 1958، اقترح مهندس كهربائي رائد يعرف باسم (والتر مورو) في «مختبرات لينكولن» ضمن معهد (ماساشوستس) للتكنولوجيا، اقترح وضع حزام من أسلاك النحاس حول الأرض، حيث ستعمل أسلاك النحاس هذه كعاكس دائم لموجات الراديو، وتمكن بذلك الأمريكيين من إطلاق موجات الراديو باتجاه القواعد الموجودة في الخارج وتبقى منيعةً ضد الاضطرابات الشمسية.

إبر النحاس من مشروع (ويست فورد) مقارنةً ببطرف إصبع وبطابع بريدي.
إبر النحاس من مشروع (ويست فورد) مقارنةً ببطرف إصبع وبطابع بريدي.

تم تجهيز 480 مليون إبرة نحاسية للإطلاق، وكل إبرة كانت بطول 1.8 سم وبعرض لا يتجاوز ثخن شعرة رأس، يطابق هذا الطول نصف طول الموجة الميكرويَّة عند تردد 8GHz محولة كل إبرة إلى ما يشبه هوائياً ثنائي القطب، وفي حين أن كل إبرة كانت صغيرة بمفردها فمن المتوقَّع عند توزيعها بشكل متساوي أنها ستشكل حزمة تدور على ارتفاع 3500 كلم فوق الأرض.

باءت المحاولة الأولى في أكتوبر 1961 لإطلاق الإبر النحاسية إلى المدار بالفشل، حيث فشلت هذه الإبر بالانتشار وبدلاً عن ذلك تجمّعت على شكل كتل عديمة الفائدة تطوف حول الأرض، وكانت المحاولة الثانية في شهر مايو 1965 أكثر نجاحاً، حيث تم إطلاق 120-215 مليون إبرة ونجحت في تشكيل حزام يدور في المدار القطبي للأرض.

وبغضون بضعة أيام، تم توصيل البث الصوتي بين ولايتي (كاليفورنيا) و(ماساتشوستس)، في البداية تم إرسال البيانات بمعدل 20 كيلو بِت في الثانية، مما سمح ببث صوتي مفهوم إلى حد ما، لكن ما أن استمرت الإبر بالتوزع انخفضت سرعة نقل البيانات بشكل كبير، وبعد أربعة شهور، وصلت القدرة على البث إلى 100 بِت في الثانية فقط.

تجمعات لإبر النحاس من مشروع West Ford لا تزال تدور حول الأرض.
تجمعات لإبر النحاس من مشروع (ويست فورد) التي لا تزال تدور حول الأرض. صورة: stuffin.space

منذ بداياته، واجه مشروع (ويست فورد) معارضةَ قوية من قبل رواد الفضاء الذين تخوّفوا من أنَّ وجود هذه الأسلاك قد يؤثر بشكل مباشر على مراقبة الفضاء، واتهم آخرون الولايات المتحدة بأنها تنشر الفوضى في الفضاء.

تم التخلي عن المشروع في النهاية وذلك بسبب أدائه الذي كان أقل من المطلوب، وأيضاً بسبب تطور نظام اتصالات أعلى كفاءة وقدرة على إنشاء اتصالات بعيدة، وهي أقمار الاتصال الصناعية الحديثة، حيث تم إطلاق قمر (تيلستار) في عام 1962، وهو أول قمر صناعي حديث الذي كان قادراً على بث إشارات التلفاز عبر المحيط الأطلسي يومياً لمدة ساعتين.

بعد أكثر من نصف قرن، ما زالت تجمعات إبر النحاس تطوف في مدار الأرض، على الرغم من أن معظمها سقط إلى الأرض، لكن بسبب وزنها الخفيف لم تحترق في الغلاف الجوي والكثير منها يقبع تحت الجليد في القطبين.

جاري التحميل…

0