in

دخلك بتعرف الإمبراطورية الفارسية: تاريخٌ مختصر عن إحدى الحضارات الغارقة في القدم

تركت الحضارة الفارسية بصمتها على التاريخ، وخلّفت لنا العديد من الآثار المعمارية والإنجازات الثقافية.

الإمبراطورية الفارسية أو فارس (بالفارسية: شاهنشاهي إيران) هو الاسم التاريخي للمنطقة التي قامت عليها الإمبراطوريات والدول الفارسية، والتي تشكل اليوم دولة إيران.

تقع الإمبراطورية الفارسية شرق وشمال شبه الجزيرة العربية، وتمتد من شبه جزيرة البلقان في أوروبا في الغرب إلى وادي السند الهندي في الشرق. تأسست الإمبراطورية الفارسية عام 559 قبل الميلاد على يد (كورش)، وكانت سلالة العصر الحديدي هذه، والتي كانت تسمى أحيانًا الإمبراطورية الأخمينية، مركزًا عالميًا للثقافة والدين والعلوم والفن والتكنولوجيا لأكثر من 200 عام، واعتبرت من أقوى الإمبراطوريات التي سادت المنطقة حتى إنها فاقت الإمبراطورية البيزنطية في الشهرة والقوة، قبل أن تسقط أمام جيوش (الإسكندر الأكبر).

خريطة الامبراطورية الفارسية في أقصى اتساع لها. صورة: eCatholicHub

بدأت الإمبراطورية الفارسية كمجموعة من القبائل شبه البدوية التي قامت بتربية الأغنام والماعز والماشية على الهضبة الإيرانية.
حتى بدأ (سايروس الكبير) –وهو زعيم إحدى هذه القبائل –في هزيمة الممالك القريبة، بما في ذلك ميديا وليديا وبابل، وضمّهم إليه تحت حكم واحد. وأسس أول إمبراطورية فارسية، والمعروفة أيضًا باسم الإمبراطورية الأخمينية في عام 550 قبل الميلاد.

سرعان ما أصبحت الإمبراطورية الفارسية الأولى في عهد سايروس (كورش) الكبير أول قوة عظمى في العالم. اتحدت تحت حكومة واحدة وضمت ثلاثة مواقع مهمة للحضارات المبكرة: بلاد ما بين النهرين، وادي النيل المصري ووادي السند الهندي. وكان الفرس أول من أسس طرق اتصال منتظمة بين القارات الثلاث: إفريقيا وآسيا وأوروبا. كما بنوا العديد من الطرق الجديدة وطوروا أول خدمة بريدية في العالم.

الثقافة الفارسية

زخرفة جدارية في العاصمة الفارسية بيرسيبوليس، والتي تقع اليوم في شيراز. صورة: Paul Biris

ابتكر الفرس القدامى في الإمبراطورية الأخمينية الفن بأشكال عديدة، بما في ذلك الأعمال المعدنية والمنحوتات الصخرية والنسيج والهندسة المعمارية. ومع توسع الإمبراطورية الفارسية لتشمل المراكز الفنية الأخرى للحضارة المبكرة، تم تشكيل نمط جديد بتأثيرات من هذه المصادر.

المجمع الملكي في برسيبوليس. صورة: Stephen Scourfield

تضمن الفن الفارسي المبكر النقوش الصخرية الكبيرة المنحوتة المقطوعة إلى المنحدرات، مثل تلك الموجودة في نقش (رستم)، وهي مقبرة قديمة مليئة بمقابر ملوك الأخمينيين. كما تصور الصور الجدارية الصخرية مشاهد الفروسية وانتصارات المعركة. كان الفرس القدماء معروفين أيضاً بأعمالهم المعدنية، وفي سبعينيات القرن التاسع عشر، اكتشف المهربون مصنوعات من الذهب والفضة بين الأنقاض بالقرب من نهر أوكسوس في طاجيكستان الحالية.

صورة لآثار من المجمع الملكي في برسيبوليس. صورة: Stephen Scourfield

تضمنت القطع الأثرية عربة ذهبية صغيرة، وعملات معدنية، وأساور مزينة بزخارف العنقاء أو الغريفون. (الغريفون مخلوق أسطوري له أجنحة ورأس نسر وجسم أسد ورمز للعاصمة الفارسية بيرسيبوليس).

صورة لآثار من المجمع الملكي في برسيبوليس. صورة: Stephen Scourfield

جلب الدبلوماسيون البريطانيون وأعضاء الجيش الذين خدموا في باكستان ما يقرب من 180 قطعة من الذهب والفضة هذه –المعروفة باسم كنز أوكسوس –إلى لندن حيث توجد الآن في المتحف البريطاني.

نقش يمثل شمس الاعتدال الربيعي (الأسد) وهي تطرد الشتاء بعيداً (الثور). صورة: Stephen Scourfield

يعود تاريخ نسج السجاد في بلاد فارس إلى القبائل البدوية. أبدع الإغريق القدماء في فن هذا السجاد المنسوج يدويًا، والمشهور بتصميمه المتقن والألوان الزاهية.

إن بقايا المجمع الملكي مصدر فخر للشعب الإيراني. صورة: Stephen Scourfield

تعد برسيبوليس العاصمة القديمة الفارسية، الواقعة في جنوب إيران، من بين أكبر المواقع الأثرية في العالم. وقد تم اختيارها كموقع تراث عالمي لليونسكو في عام 1979. بنيت القصور الأخمينية في برسيبوليس على شرفات ضخمة، كانت مزينة بواجهات زخرفية شملت المنحوتات الطويلة لاظهار الصخور التي اشتهر بها الفرس القدماء.

الحالة الدينية والفكريّة

كثير من الناس يعتقدون أن بلاد فارس مرادفة للإسلام، على الرغم من أن الإسلام أصبح فقط الدين السائد في الإمبراطورية الفارسية بعد الفتوحات العربية في القرن السابع. حيث تشكلت الإمبراطورية الفارسية الأولى بدين مختلف: الزرادشتية.

سميت هذه الديانة على اسم النبي الفارسي (زرادشت)، المعروف أيضا باسم Zarathustra، يمكن القول أن الزرادشتية هي أول دين توحيد في العالم، ولا تزال تمارس اليوم كدين أقلية في أجزاء من إيران والهند.

درّس (زرادشت)، الذي عاش على الأرجح في وقت ما بين 1500 و 500 قبل الميلاد، أتباعه عبادة إله واحد بدلاً من الآلهة الكثيرة التي كانت تعبدها الجماعات الهندو–إيرانية السابقة. حسب معظم الروايات، كان (سايروس الكبير) أو (كورش الكبير) حاكمًا متسامحًا سمح لمواطنيه بالتحدث بلغاتهم الخاصة وممارسة أديانهم الخاصة. وبينما كان قانون اشا الزرادشتي (الحقيقة والصلاح) هو الهيمن، لم يفرض (كورش) الزرادشتية على أهل بلاد فارس التي غزاها. كما تشيد الكتب العبرية بـ (كورش الكبير) لتحريره شعب بابل اليهودي من الأسر والسماح لهم بالعودة إلى القدس.

يتبع الحكام اللاحقون في الإمبراطورية الأخمينية منهج كورش الكبير في الشؤون الاجتماعية والدينية، مما سمح لمواطني بلاد فارس المتنوعين بممارسة أساليب حياتهم الخاصة. تسمى هذه الفترة الزمنية أحيانًا بـ Pax Persica أو السلام الفارسي.

سقوط الامبراطورية الفارسية

دخلت الإمبراطورية الفارسية فترة من الهبوط الحاد بعد غزو فاشل لليونان على يد (زيركسيس الأول) عام 480 ق.م. استنفذ الدفاع عن أراضي بلاد فارس معظم أموال الإمبراطورية، مما أدى إلى فرض ضرائب أكبر على رعايا بلاد فارس.

في النهاية سقطت سلالة الأخمينيين على جيوش (الإسكندر الأكبر) المقدوني عام 330 قبل الميلاد. سعى الحكام اللاحقون إلى إعادة الإمبراطورية الفارسية إلى حدودها الأخمينية، على الرغم من أن الإمبراطورية لم تستعد أبدًا النجاح الهائل الذي حققته في عهد كورش الأكبر.

جاري التحميل…

0