in

دخلك بتعرف من هم الخُرَّميّون؟

الخُرَّميّة حركة دينية وسياسية إيرانية تعود جذورها إلى الحركة «المزدكية». الاسم الآخر لهم هو الحمر أو المحمَّرة، «سرخجامگان» بالفارسية. إشارة إلى زيّهم الأحمر الرمزي.

ثمة العديد من النظريات المتعلقة بأصل كلمة الخُرَّميّين: «خرمدینان: بالفارسية»‏. إحدى النظريات تنص على أن الخُرَّميّين أطلقوا على أنفسهم هذا الاسم بناءً على المصطلح الفارسي الذي يعني ”معتنقو الدين السعيد“.

تعني كلمة ”خرم“ السعادة أو البهجة، و”دين“ يعني الدين، و”دينان“ تعني معتنقي الدين. نظرية أخرى هي أن خرام هو اسم لحي معروف في أردبيل في أذربيجان المنطقة حيث أكبر انتشار للطائفة، بينما نظرية أخرى مفادها أن خوراما كان اسم زوجة مزدك، وهناك أماكن تسمى خرم آباد «لوريستان» وخرم في خوزستان.

عرف «الخُرَّميّون» باسم الحمر، لأن لون الدم كان شعارهم مجسداً استعدادهم الدائم للتضحية في سبيل التحرر، وبصرف النظر عن جذور الاسم، لاحظ الكتاب العرب أن الخُرَّميّين كانوا من «الزرادشتيين» أو«المجوس» والمزدكيين.

هل يتعذر عليك إكمال قراءة كل المقال الآن؟ يمكنك حفظه في المفضلة والعودة إليه لاحقا..

انتشرت الحركة الخُرَّميّة بشكل واسع في المناطق الجبلية المعدمة اقتصادياً، وفي بداية العهد العباسي حدث تقارب بين معتقدات الخُرَّميّين والشيعة الذين شاركوا في حركة أبي مسلم الخرساني، وعندما طرحت جماهير الفلاحين برنامجها الاجتماعي وجدت انعكاساً واضحاً لآمالهم في ثورة بابك الخُرَّميّ التي بدأت سنة 816م، وكانت ثورة فلاحية موجهة ضد الإسلام والسلطة العربية هناك.

وجدير بالذكر أن صورة هذه الحركة متباينة أشد التباين بين المصادر والمرويات العربية التي تعتبرها رمزاً للمشاعية والفجور والإنحلال لتصيغ تلك المصادر صورة قاتمة وسلبية لهذه الحركة، وبين صورتها الملحمية في إيران وأذربيجان حيث تعد رمزاً للبطولة والكفاح ضد الاستبداد، فيما لا تغيب الرومانسية عنها عند الحديث عن (بانو) زوجة بابك الخُرَّميّ التي قاتلت الى جانبه.

تأسيس الحركة

ينسب البعض تأسيس الخُرَّميّة إلى (سنباذ) أو (سنباذ المجوسي). إلا أن الحركة كانت موجودة بالفعل قبل اغتيال أبو مسلم الخراساني، راعي سنباذ، بأوامر من الخليفة العباسي ليقود (سنباذ) الحركة بعدها.

ولد (سنباذ)، وهو أيضًا من خراسان، في قرية صغيرة تسمى (أهان) بالقرب من (نيسابور) وعاش في القرن الذي أعقب الغزو العربي الإسلامي، أي في القرن السابع الميلادي.

وفقًا لـ«موسوعة بريل للإسلام» ذكر المسعودي أن الخُرَّميّة في عصره كانت مقسمة إلى طائفتين: (الكُدكية) نسبة لأحد أحفاد أبي مسلم لابنته فاطمة والذي عُرف بـ(كوداك-دانا) –الفتى كلي العلم–، و(اللشهية). تم ذكر هاتين المجموعتين في مصادر أخرى على أنها تشكل غالبية الخُرَّميّين غرب إيران.

فيما يذكر أبو حاتم الرازي «المتوفى 924» أن الجماعات التي نشأت من حركة أبو مسلم الثورية كانت معروفة بأسماء مختلفة باختلاف المناطق كالـ”الكُدَكية والخُرَّميّة والمزدكية والسنباذية والمحمَّرة“.

معتقدات الخُرَّميّين

تمثال بابك الخورمي.
تمثال بابك الخرمي، من أشهر قادة الخرميين على الإطلاق. صورة: Wikipedia Commons

يسمي أبو طاهر المقدسي في كتابه «البدء والتاريخ» الخُرَّميّين: ”المزديين… الذين يستترون بستار الإسلام“. يبني ملاحظته على المعرفة الشخصية بأعضاء الطائفة وقراءته لبعض كتبهم، ويذكر عنهم العديد من الحقائق، فيقول: ”يلاحظ أن أساس عقيدتهم هو الإيمان بالنور والظلام“ وبشكل أكثر تحديدًا: ”مبدأ الكون هو النور، الذي طمس جزء منه وتحول إلى ظلمة“.

على غرار المزدكيين، كان الخُرَّميّون من أنصار المذهب الثنوي، معتقدين بالصراع الأزلي بين قوتي النور والظلام، والخير والشر، والله والشيطان،

وأنهم: ”يتجنبون سفك الدماء بحذر إلا عندما يرفعون راية الثورة“، وكان الأصل في ذلك أن تكون نباتيًا وتتجنب سفك الدم إلا دفاعًا عن النفس. و: ”يهتمون للغاية بالنظافة والتطهير، والتعامل مع الناس باللطف والإحسان“.

فيما يؤمن قلة منهم ”بجواز ممارسة الجنس الحر شرط موافقة النساء عليه، وكذلك بحرية التمتع بكل الملذات وإشباع الميول ما لم يترتب على ذلك ضرر للآخرين“. ربما هذا هو سبب اشتقاق اسمهم من الكلمة الفارسية خورام التي تعني السعادة والبهجة، في حين تشير بعض المصادر إلى أن مزدك وبابك وأتباعهما كانوا يميلون إلى الزهد.

وبخصوص تنوع الأديان، فإنهم يعتقدون أن ”الأنبياء، على الرغم من اختلاف قوانينهم ودياناتهم، لا يشكلون إلا روحًا واحدة“، وأن الوحي النبوي لا يتوقف أبدًا ونفس الروح الإلهي متوارثة في جميع الأنبياء.

يقول الحسين بن روح النوبختي أنهم يؤمنون أيضًا بالتناسخ والحلول أو ”التقمص“ Metempsychosis بوصفه الشكل الوحيد الموجود للحياة الآخرة والحساب. وكانوا يؤمنون بتناسخ الأرواح من الحيوانات إلى البشر إلى الملائكة.

كما يقولون بإلغاء جميع التعاليم والواجبات الدينية، ويسعون في طقوسهم البسيطة إلى حد ما ”للحصول على أكبر وقْع مقدس من خلال النبيذ والمشروبات“.

لم يكن لديهم تعاليم دينية لكنهم لجأوا إلى حكمة القادة الدينيين ”الأئمة“، كما أنهم يقدسون أبو مسلم وأئمتهم ويتوقعون مجيء المهدي الذي سيكون بمثابة تناسخ لأبي مسلم.

وكانوا يعتقدون أن السبب الرئيسي للظلم واللاعدالة يكمن في الملكية الخاصة للأرض واللامساواة الاجتماعية، ودعوا إلى تحويل الأراضي الزراعية إلى ملكية جماعية عامة وإعطائها للفلاحين، وقد سعى الخُرَّميّون إلى تحقيق المساواة الكاملة بما في ذلك بين النساء والرجال، والإعفاء من الضرائب والإتاوات واعتبروا أن السبب الرئيسي للمظالم هو الخليفة وبطانته واللامساواة الاجتماعية التي تسود واقعهم، لذلك قاموا بنضال لا هوادة فيه ضد السلطة العربية والخلافة الإسلامية معاً.

آباء للشيوعية؟

ينظر البعض الى الحركة الخُرَّميّة على أنها إحدى أولى إرهاصات الشيوعية الحديثة، من خلال إلغائهم الملكية الخاصة، ومشاعية المال وما إلى ذلك. كما يذهب البعض إلى أن ثورتهم كانت على أساس برنامج إقتصادي يلغي الملكية الخاصة، وقد استخدم بابك الخُرَّميّ أحد أعلام الحركة للدعاية السياسية في أذربيجان الحديثة في فترتها السوفييتية.

تاريخ الخُرَّميّة

قلعة البذ، التي كانت معقلا للخرميين طوال عقدين من الزمن.
قلعة البذ، التي كانت معقلا للخرميين طوال عقدين من الزمن.

ظهر اسم الحركة لأول مرة في التأريخ الإسلامي عام 736 م. ثم عززها سنباذ بعد مقتل أبو مسلم، الذي استخدمها كوسيلة لحشد أتباعه في ثورته. وقد كان الخراساني قائد القوات العباسية في ثورة العباسيين ضد الخلافة العربية عام 747 م.

يذكر (نظام الملك الطوسي) في كتابه «سير الملوك» أو «سياست نامه»: ”أنه قبل السفر إلى بغداد، فوض أبو مسلم سلطته وخزائنه إلى سنباذ. قبل أن يقُتل في النهاية بأمر من الخليفة العباسي الثاني المنصور. وأنه بعد اغتيال أبو مسلم، أخبر سنباذ أتباعه أن أبي مسلم لم يمت، كان يهتف باسم الله العظيم عندما قتله المنصور، وأنه الآن يسكن مع المهدي ومعهم مزدك في قصر من النحاس وقريباً سيظهرون وسيكون رئيسهم أبو مسلم ووزيره مزدك. وأشار سنباذ إلى تلقيه رسلًا ورسائلًا من أبي مسلم. وعندما سمع الرفيديون ذكر المهدي، والمزدكيون باسم مزدك، اجتمع عدد كبير منهم حوله، وازداد حجم قضية سنباذ وانضم إليه في نهاية المطاف 100 ألف شخص“، ويتابع (نظام الملك) في كتابه: ”لقد هزم سنباذ قوات المنصور عدة مرات وقتل بعضاً من قادته، وبعد سبع سنوات عيّن المنصور (جمهور بن مرّار العجلي) لقتاله. خاض معركة ضارية مع سنباذ لمدة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع قُتل سنباذ في قتال منفرد على يد (جمهور)، الذي قتل جميع الزرادشتيين ونهب منازلهم وحمل نسائهم الأطفال في السبي، ثم اختلط دين خرام الدين بالزرادشتية والتشيع، وأجروا الأحاديث في السر، وأصبحوا تدريجياً أكثر تنظيماً حتى وصلوا إلى المرحلة التي بدأ فيها المسلمون والزرادشتيون يطلقون على هذه الطائفة اسم الخُرَّميّين“.

بابك الخُرَّميّ

تمثال بابك الخرمي في أذربيجان.
تمثال بابك الخرمي في أذربيجان. صورة: Wikipedia Commons

بابك الخُرَّميّ هو الاسم الأكثر ارتباطًا بحركة الخُرَّميّين، حيث بلغ الأمر ذروته تحت قيادته. ولد بابك عام 795 في مدينة أردبيل، في منطقة تعرف باسم أذربيجان الإيرانية. بعد وفاة والده، بدأ بابك في المتاجرة بالسلاح واستخدم أمواله لرعاية أحد أقاربه وهو (جاويدان)، زعيم فصيل خُرَّميّ محلي، والذي جند بابك بعد أن شهد على حسن ضيافته.

في غضون أشهر، تمكن بابك من كسب ثقة واحترام (جاويدان) وبقية المجندين، وأعُلن خليفة له بعد وفاة (جاويدان) عام 816. هكذا حصل بابك على منصبه القيادي، الذي استخدمه للإعلان عن تعبئة عسكرية واسعة النطاق ضد المعتدين العرب.

نمو الحركة الخُرَّميّة وهزائم عديدة للعباسيين

من كتب التاريخ العربية القديمة، صفحة تذكر معارك بابك الخرمي ضد الأفشين، أحد قادة جيش الخليفة المعتصم.
من كتب التاريخ العربية القديمة، صفحة تذكر معارك بابك الخرمي ضد الأفشين، أحد قادة جيش الخليفة المعتصم. صورة: Wikipedia Commons

نفذ الخُرَّميّين أجندتهم بقوة، وسرعان ما تم طرد جميع القوات العباسية من المنطقة، تاركين الخُرَّميّة الهيئة الحاكمة العليا لأذربيجان بعلمها الأحمر الشهير الذي يلوح فوق قلعة (البذ) الشاهقة.

سمح عدم تقييم المأمون الدقيق لثورة بابك باكتسابها الزخم. شن الخليفة ثلاث هجمات متتالية ضد حصون الخُرَّميّين لكنها فشلت جميعها. وأكسبت الانتصارات المتكررة بابك سمعة بأنه لا يقهر، سواء بين الشعب الأذربيجاني والعرب.

قرر المأمون دمج عدة أفواج تحت قيادة محمد بن حميد، وهو قائد ذو ​​خبرة ومعرفة. كان ابن حميد في البداية ناجحًا للغاية، حيث استغل بمهارة ميزته العددية لدفع قوات بابك على طول الطريق إلى بوابات قلعة (البذ). لكن في القلعة، أظهر بابك تألقه كخبير تكتيكي، واستخدامه للتكتيكات العسكرية المبتكرة، التي استفادت من التضاريس الجبلية، وسمحت له بانتزاع النصر من يدي ابن حميد.

قبل اشتباك الجيوش عند سفح قلعة (البذ)، اختار بابك أفضل محاربيه وأمرهم بالانتظار في الجبال. وقرب نهاية المعركة دخلت هذه التعزيزات وقلبت المواجهة لصالح الخُرَّميّين، وبلغت ذروتها بوفاة ابن حميد، وهروب قواته المحبطة.

قوضت الهزيمة فكرة عدم قهر الخلافة، وساعدت المحاولة الأخيرة غير المجدية للمأمون بعد عام لغزو أذربيجان على إضعاف الشعور بالتفوق العسكري العربي. لم يكن المأمون قادرًا على جمع حملة كبيرة بما يكفي لإرسالها إلى أذربيجان نظراً للحرب الدائرة مع البيزنطيين. الأمر الذي أعطى بابك الوقت لمتابعة سياسة الإصلاح الداخلية داخل أذربيجان، وترسيخ موقفه وسيطرة الخُرَّميّين على مملكته.

الغنائم التي جمعتها قوات بابك من خزانات المقاطعات التي يسيطر عليها العرب والموجودة حول أذربيجان ومن القوافل العسكرية العربية أثرت خزينة الخُرَّميّين، وبدأت الحركة في الانتشار إلى أجزاء أخرى من بلاد فارس، وهي أصفهان وفارس وقوهستان، وبدأت الإصلاحات الاجتماعية تؤتي ثمارها، وبدا أن مملكة ناجحة كانت تخرج من رماد الحرب.

أخذت الأمور منعطفا آخر في عام 833، عندما توفي المأمون، وتولى العرش شقيقه المعتصم.

هزيمة الخُرَّميّين

غلاف كتاب «بابك خرمدين» من تأليف سعيد نفيسي.
غلاف كتاب «بابك خرمدين» من تأليف سعيد نفيسي. صورة: Wikipedia Commons

استخدم المعتصم أعدادًا كبيرة من القوات التركية لقمع دولة الخُرَّميّين. ينظر الكثيرون إلى دمج الأفواج التركية في الجيش العباسي على أنه نقطة تحول في الحرب، حيث كانت القوات التركية تعتبر نخبة المحاربين في الشرق الأوسط بأكمله.

اندلعت المناوشات التي بدأتها حملة المعتصم ضد بابك في مدينة همدان بعد فترة وجيزة من وصول المعتصم إلى السلطة، حيث تخلى بابك عن تكتيكاته المعتادة على غرار حرب العصابات واشتبك مع العدو في ساحة مفتوحة.

نتج عن ذلك هزيمة كارثية لبابك، حيث مات خمسون ألفًا من جنوده نتيجة لسوء تقديره. بينما تمكن الكثيرون من الفرار إلى الإمبراطورية الرومانية الشرقية، عاد البعض بما في ذلك بابك إلى قلعة (البذ) لإعادة بناء جيشهم.

أثرت الهزيمة بشكل خطير على معنويات الخُرَّميّين، وكان لها تأثير عكسي في المعسكر العربي. تشجّع المعتصم وأمر أبو سعيد محمد بمحاصرة قلعة (البذ) وقطع إمداد الخُرَّميّين بالسلاح والسلع.

ولوضع حد للحركة الخُرَّميّة، استدعى المعتصم جنرالًا آخر وهو القائد الموهوب الأفْشِين، لقيادة جيش إلى قلعة (البذ) وإعلان نفسه حاكمًا للجبل والقوقاز.

دخل الأفْشِين أذربيجان عام 836 وانتدب جواسيس لاستكشاف جغرافية المنطقة، وفي الوقت نفسه درس بدقة المنطقة الجبلية. وبحلول نهاية الشتاء أرسل المعتصم تسعة آلاف جندي تركي إضافي بقيادة (إيتاخ الخزري) وجعفر، وقرر الأفْشِين أن يبدأ هجومه قبل أن يحذره أحد مخبريه أن فصيلًا للخُرَّميّين مختبئ في الغابات. فأمر قسمًا كبيرًا من جيشه بدخول الغابة ليلًا لمحاصرتها، وأمر جعفر بمحاصرة قلعة (البذ)، بحلول اليوم التالي، تم تدمير جيش بابك بالكامل.

بابك وزوجته بانو

تشير الروايات إلى ملمح رومانسي ساد ذلك التمرد بوجود (بانو) زوجة بابك الخُرَّميّ، التي قاتلت جنبًا إلى جنب مع زوجها ضد الخلافة العباسية. تعتبر (بانو) وبابك من أكثر المناضلين من أجل الحرية بطوليةً في بلاد فارس حين بدأوا الحركة الخُرَّميّة.

بعد احتلال العرب لبلاد فارس، عملت (بانو) وبابك الخُرَّميّ كمقاتلين ثوريين يقودان قوات المقاومة. تعتبر (بانو) القائدة الثورية بطلة من قبل معظم الإيرانيين حتى يومنا هذا. كانت المنطقة المركزية لنشاط (بانو) دولة بلاد فارس الأذربيجانية.

كانت (بانو) امرأة مزاجية ورامية ماهرة، نشأت مع القوس والسهام. وبحسب بعض المصادر كانت شريكة بابك في الحياة والموت، في الحرب والسلام، وناضل الإثنان ضد الخلافة ورفضا العادات العربية/الإسلامية.

في النهاية، أُجبرت بانو وبابك الخُرَّميّ ومحاربوهما على مغادرة قلعة (البذ) بعد 23 عامًا من الحملات الناجحة المستمرة، وتشير المصادر أنهما تعرضا للخيانة من قبل أحد ضباطهما وتم تسليمهما إلى الخلافة العباسية.

على الرغم من أن حركة بابك بلغت ذروتها بهزيمة عسكرية، إلا أنه بالكاد يمكن وصفها بالفشل. فوفقًا لمصادر إسلامية معاصرة ولاحقة، بما في ذلك ابن العبري، والطبري والمقدسي والمسعودي، قتل الخُرَّميّون ما يقرب من 225500 جندي عباسي، وهو عدد مهول بمعايير العصور الوسطى. وقد تحقق ذلك على الرغم من المعوقات الشديدة، حيث كان العرب وحلفاؤهم الأتراك يفوقون الخُرَّميّين الذين تلقوا تدريبات سيئة، على عكس خصومهم العرب.

كان الفلاحون، الذين لا يُنظر إليهم تقليديًا على أنهم مقاتلون بارعون، يشكلون جزءًا كبيرًا من مجندي بابك وكان الخُرَّميّون يقاتلون أيضًا من أجل قضية متضائلة، في محاولة لإحياء دين كان في حالة تدهور منذ فترة طويلة. إذن ما المسؤول عن النجاحات العسكرية لبابك؟ كيف استطاعت هذه المجموعة الصغيرة أن تصمد أمام الهجمة العربية لمدة عشرين عامًا؟

الدعم البيزنطي

إحدى الإجابات التي قدمها المؤرخون هي الإمبراطورية البيزنطية. بصرف النظر عن استنزاف الموارد العربية على الحدود الشمالية الغربية للخلافة الإسلامية، قدم البيزنطيون دعمًا كبيراً لبابك. حافظ الإمبراطور البيزنطي (ثيوفيلوس) 829-842 على شراكة كانت مسؤولة جزئيًا عن استمرارية الدولة الخُرَّميّة، بسبب التنافس مع العرب.

زود (ثيوفيلوس) بابك بالكثير من الأموال والموارد، وفي عدة مناسبات شن هجمات ضد العرب على حدود الأناضول لسحب قوات العدو من القوقاز.

توقيت التمرد

يمكن أيضًا أن يُعزى نجاح بابك إلى توقيت التمرد. لعقود من الزمن قبل صعود الخُرَّميّين، كان العباسيون يفقدون سلطتهم لصالح الوزراء المحليين، ويرجع ذلك جزئيًا لضعف الاتصال بمناطق السيطرة البعيدة، والحرب بين الأمين المقيم في بغداد والمأمون المقيم في خراسان، حيث هزم المأمون الأمين، لكن الحرب أدت إلى إضعاف الخلافة
في أعقاب هذه الأحداث، حيث صارت أضعف من أن تصد هجمات الخُرَّميّين.

صارت الخلافة الإسلامية دولة كانت تفقد أراضيها وسلطتها السياسية، وتفتقر إلى الموارد الكافية لبناء جيش قوي، وبنية تحتية ضعيفة، ولم تكن قادرة على قمع التمرد الأذربيجاني، مما أعطى بابك الوقت لترسيخ موقفه.

في حين أن الدعم الأجنبي، والأحداث التي أدت إلى الثورة، ومهارات بابك القيادية كلها تساعد في تفسير سبب نجاح الخُرَّميّين.

مصادرنا عن بابك الخُرَّميّ والحركة الخُرَّميّة عموماً

منحوتة حجرية لبابك الخرمي في أذربيجان.
منحوتة حجرية لبابك الخرمي في أذربيجان. صورة: Wikipedia Commons

الكثير مما هو معروف عن بابك اليوم معروف من خلال المصادر الإسلامية في العصور الوسطى، ولم تكن تلك المخطوطات الفارسية-العربية خالية من التحيز عند وصف حركة الخُرَّميّين. في محاولة للتقليل من شأن بابك وتمرده، وصف المؤرخون العباسيون، حتى بعد قرون من وفاة بابك، أذربيجان بأنها مقاطعة في حالة تمرد، ووصف الخُرَّميّين بأنهم مجموعة من المتمردين المارقين.

بدأ المؤرخون الحديثون في تحدي هذا الرأي معتبرين أن الدولة الخُرَّميّة، بعلمها الأحمر وجيشها النظامي والسياسة الخارجية السيادية والحدود المحددة، كانت حقًا هيئة حاكمة مستقلة تمتلك جميع سمات الدولة الحديثة.

لأكثر من عقدين من الزمن، تمكن الخُرَّميّون من السيطرة بالكامل على شؤونهم الداخلية، شمال وجنوب نهر أراز، وعقدوا تحالفات مع القوى المجاورة ووزعوا ميزانياتهم كما يحلو لهم.

عند النظر إليها من منظور مملكة مستقلة، يمكن النظر إلى دولة الخُرَّميّة على أنها مقدمة لأذربيجان المستقلة، والتي سيطرت على شؤونها الداخلية حتى بعد دمجها في العديد من الإمبراطوريات العربية والفارسية والتركية.

وعلى الرغم من أنها انتهت بفشل عسكري، إلا أن ثورة بابك ساعدت في منح الأذربيجانيين إحساسًا بالهوية منفصلًا عن شعور الفرس، الذين كانوا أقل استعدادًا لمواصلة القتال من أجل إيمانهم، ومتميزين عن العرب، الذين كانوا يحاولون إخضاع مواطنيهم بإضفاء الهوية الدينية على المنطقة.

على الرغم من أن حياة بابك الخُرَّميّ انتهت بمأساة، إلا أن إرثه استمر لأجيال. يعتقد المؤرخون أن قبيلة (قيزلباش)، وهي عشيرة عسكرية شيعية تركية أتت بالإمبراطورية الصفوية إلى السلطة في وقت مبكر من القرن السادس عشر، هي ”السليل الروحي لحركة الخُرَّميّين“، وتشترك معهم في المعتقدات اللاهوتية وأصلها.

وحلت الخُرَّميّة محل العقيدة الزرادشتية في أذربيجان، وقد سمحت قيادة بابك الكاريزمية وإيمان أتباعه الجاد بقضيته بإيقاف انتشار الإسلام في أذربيجان. وبينما تساعد الحماسة الدينية للأذربيجانيين في تفسير سبب تحول أذربيجان إلى موطن للخُرَّميّين، فإن المتغيرات الخارجية، مثل الدعم من البيزنطيين وضعف الخلافة، تلقي بعض الضوء على طول العمر المثير للإعجاب لحركة المقاومة هذه.

على الرغم من مرور أكثر من ألف عام، لا يزال يُنظر إلى حركة الخُرَّميّين على أنها واحدة من أهم الخطوات نحو تشكيل الهوية الوطنية الأذربيجانية وتشكل مثالًا رائعًا لتقرير المصير ومقاومة الاستبداد.

بطاقة بريدية سوفييتية من سنة 1989 تخلد ذكرى بابك الخرمي.
بطاقة بريدية سوفييتية من سنة 1989 تخلد ذكرى بابك الخرمي. صورة: Wikipedia Commons

مقالات إعلانية