علوم

ظاهرة (الباريدوليا)، لماذا يرى البعض كلمة ”الله“ على الكثير من الأشياء كالغيوم والخضروات؟

ظهور كلمة الله

تفيض مواقع التواصل الاجتماعي في يومنا الحالي بصورٍ لكلماتٍ ووجوه مختلفةٍ منقوشةٍ على الخضروات والأطعمة وجزء من الأبدان أو السُحُب والغيوم، لعلّ أشهرها وأكثرها انتشاراً هي ظاهرة رؤية كلمة ”الله“، حيث يدّعي أصحابها أنها معجزة سماوية مقصودة تفوق الطبيعة.

على افتراض أن تلك الحوادث ليست معدلةً على الفوتوشوب، هل تُعتبر تلك الظاهرة معجزةً حقاً؟ أم أنّ لحدوثها المتكرر والمتشابه تفسير منطقي؟

تعتبر (الباريدوليا) ظاهرةً سايكولوجيةً نفسيةً تمكّن المرء من تحديد صورٍ أو كلماتٍ أو أصواتٍ معيّنة في أماكن ليست موجودةً فيها واقعياً، وتأتي تسمية الظاهرة من الكلمة اليونانية (باريدوليا) التي تعني ”ما يفوق الصورة“، كما تمتلك هذه الظاهرة تاريخاً كبيراً يمكّننا من تفسير العديد من الحوادث الماضية التي أُسيء فهمُها.

فعلى سبيل المثال، عجّ عصرنا الحالي بالعديد من الحوادث التي اعتبرها العديدون أمراً يفوق الطبيعة، مثل (كفن تورين) الذي أحدث ضجة كبيرة جذبت الكثير إلى (كاثدرائية تورين)، على اعتبار أن هذا الكفن يحمل صورةً لوجه المسيح بعد أن فسّرها كذلك المصوّر (سوكوندو بيا) عام 1898، وكذلك الأمر بالنسبة لرؤية كلمة ”الله“ أو وجوه مألوفة بين السُحب، وعلى الأشياء الجامدة، أو النباتات، ما يؤمن الكثيرون به على أنّه معجزة مقصودة؛ لكن هل هو كذلك؟

يقدّم معظم العلماء تفسيراً مختلفاً لمثل تلك الحوادث؛ حيث يظنّ العديد منهم أن ظاهرة (الباريدوليا) هي مثال آخر لدماغنا وهو يحاول أن يكوّن تفسيراً منطقياً لمعلوماتٍ عشوائيةٍ اعتباطية نواجهها يومياً بشكل كبير.

فعندما نرى صورةً أو كلمةً أو صوتاً معيّنين، سيحاول دماغنا مراراً أن يجد نسقا ونظاما في تلك الفوضى، وغالباً سيلجأ افتراضياً إلى تلك الأمور التي نشعر بأكبر قدرٍ من الراحة تجاهها، كالوجوه على سبيل المثال.

في اختبار طُبِّق عام 2011، تم إظهار عدد من الصور التي تحمل وجوهاً معيّنة أمام خلفيات مشوّشة على الكثير من المشاركين؛ حيث استطاع 90٪ منهم رؤية الوجه بوضوح، إلّا أنّه حين تمّت إزالة الوجه من الصورة، وبقيت الصورة عبارة عن التشويش السابق فقط الذي عمل سابقاً كخلفية للوجه، ادّعى 40٪ من المشاركين أنّهم لا يزالون يستطيعون رؤية الوجه!

على الجانب الآخر، يعتقد البعض أيضاً أنّ هنالك تفسيرا تطوّريا للظاهرة، يقول (كارل ساغان)، المؤلف وعالِم الفلك الأمريكي، أنّ عملية التعرّف على الوجوه وتحديدها قد تكون ميزةً للبقاء، فقدرتنا على تمييز الصور مكّنتنا في إحدى المراحل من تحديد ما إذا كان من يقترب صوبنا هو صديق أو عدو، كما يقول (ساغان)، وهذه الميزة أيضاً تترجم على أنّها تقوم بإيجاد صور لأشخاص معيّنين، حيث لا توجد واقعياً أي صورة لأي شخص، ولا يوجد أي شخص فعلياً.

وقد استخدمت هذه الخاصيّة الجوهرية لظاهرة (الباريدوليا) منذ ذلك الحين كأساسٍ لاختبار (رورشاخ) ذو بقع الحبر الذي يقوم على أن الصور التي يراها المرء في بقع الحبر قد تكشف عن حقائق أساسية لحالته العقلية.

ويوجد أيضاً سببٌ لكون معظم تلك ”المشاهد“ كالكلمات والصور والأصوات هي ذات طابع ديني، ففي عام 2013، تم تطبيق اختبار من قبل العلماء في (هيلسيكني) بـ(فنلندا) على 47 مشاركٍ لدراسة ظاهرة (الباريدوليا).

كان بعض المشاركين متدينين أو مؤمنين بظواهر تفوق الطبيعة، في حين كان الآخرون أكثر تشكيكاً، وكما كان متوقعاً، كان المتدينون والمؤمنون عازمين بشكل ثابت ومستمر وأكثر ترجيح من المشككين على إيجاد الوجوه في الصور العشوائية، وهذا قد يفسّر سبب ”ظهور“ وجه المسيح أو كلمة ”الله“ في السُحُب والغيوم والخضروات والأطعمة في غالبية الأحيان.

وفي حين أن دماغنا يقوم بتطبيق الخدع علينا، هناك سبب يدفعنا لرؤية أشياء محددة كوجوه مألوفة أو كلمات معيّنة حين لا يوجد أيّ من ذلك في الواقع، وهذا يساعدنا في معالجة المعلومات التي نواجهها يومياً وتَرِد إلى دماغنا بشكل مستمر.

ففي المرة القادمة التي ترى فيها كلمةً معينةً، أو وجهاً مألوفاً على الطعام أو في السماء، ابتسم وتذكّر أنّك أكثر تطوراً وقدرة على الاستيعاب من نشرها على الفايسبوك، واعتبارها معجزة خارقة للطبيعة ومقصودة بشكل قاطع.

المصادر

عدد القراءات: 10٬874