أقصوصة

صدقوني؛ كانت نزوة

أذكر اليوم حادثة حصلت عند أحد أقاربنا، قد تكون أقرب للمصيبة منها للحادثة، فبعد زواج دام 23 سنة اكتشفت زوجة قريبنا أنه يكلم امرأة أخرى، وبعد البحث والتدقيق اكتشفت أن هذه العلاقة لم تكن في بداياتها، بل أنها قد استمرت لمدة وتضمنت الاتصال الجنسي.

وكالعادة، فالكلام عن الجنس يعتبر من المحظورات في المجتمعات العربية، وبالنتيجة حاول ناقلوا الأخبار وقتها الاكتفاء بالقول: ”طلع يعرف وحدة“. أما الحديث عن العلاقة غير الشرعية فقد كان ينتقل من امرأة لأخرى منتشراً على شكل متوالية هندسية، وغالباً ما يكون بصوت ضعيف أقرب للهمس منه للكلام، مختوما بالتحليف والرجاء ”عليج الله لتطلعين الحجاية، ترا المرة حلفتني ما گول لأحد“.

ومن ”النسوان“ تنتقل الأخبار طبيعيا الى ”الرياجيل“ خلال أحاديثهم في الجلسات العائلية التي تخصص جزء من وقتها لبعض الغيبة.

أما الأبناء، ففي أغلب الحالات، يسمعون أحاديث الوالدين، وهكذا ما هي إلا مدة قصيرة جداً حتى تتحول الحادثة إلى فضيحة.

أتذكر كيف كنت وقتها كالمتفرج المكتفي بالتحليل، لعلي استخلص الأسباب التي تقف وراء ما آلت اليه الأمور، تحسبًا من الوقوع بها في حياتي المستقبلية.

”صدقوني كانت نزوة!“ هذا ما قد كرره نادما مرارا لتبرير فعلته.

في الحقيقة كانت هناك بعض الأسئلة التي لم أستطع استيعابها آنها: ”هل حقا هو نادم بعد ان اختار هذا الطريق بنفسه؟“ تبدو عشيقته أجمل وأكثر شباباً. لماذا لا يكمل طريقه معها والسلام؟ هل حقا هذه العشيقة ما هي إلا ”نزوة“؟ انتابني وقتها فضول كبير لفهم حقيقة ما يشعر به هذا الرجل.

نزوة

تدور في ذهني كل هذه الأحداث اليوم، وانا ارتشف بعضاً من الشاي ”المُخدَّر“ على الطريقة العراقية، يدب في قلبي اشتياق وحنين لبغداد وانا اسمع لصوت فؤاد سالم الذي امتزجت به عذوبة دجلة:

خايف لا العمر يگضي..

وخوفي ما نوصل وطننا..

ولو وصلنا هناك، خايف نلگي خلصانة أهلنة..

لا أستطيع حبس دموعي خلال هذا المقطع، كنت قد وضعت حساب للكثير من الأمور قبل مجيئي لأوروبا، لكن لم يكن بالحسبان أن جمال العالم كله، بتفاصيله، لا يساوي شيئا أمام الإحساس الدافئ الذي يغمر الإنسان حين يتواجد بين أمه وأبيه، أمام جلسة سمر بين إخوته أو أصدقائه، لم يكن بالحسبان أن هنالك تفاصيل كثيرة سأفتقدها، والتي لم أكن اشعر بأهميتها قبل إصراري على ترك بلدي قبل ثلاث سنوات مضت، أظن ان الغربة علمتني الكثير من الأمور، وأظن أني الأن فقط فهمت ما كان يشعر به هذا الرجل حين قال ”نزوة“.

مقال من إعداد

mm

حسين محمد عبد

مهندس معماري، عراقي الجنسية، من هواياتي الرسم وكتابة القصص القصيرة والقراءة.

عدد القراءات: 9٬993