in

الكهنوت في الشطافة.. هل تحول المسلمون إلى عبادة إله آخر دون قصد؟

تابعت في الأيام القليلة الماضية مئات النكات التي صوبها الجميع ومنهم أنا نحو جدار داعية أزهري مصري أفتى بأن استخدام شطافة الحمام يُفطر في رمضان، هناك من تندر حول مدى اعتبار دخول المياه في تلك المنطقة من الجسد شهوة يجب كبحها في رمضان إسوة بالأكل والشرب والجنس، وهناك من بحث عن نتائج تلك الفتوى فوجد ملايين المفطرين دون قصد لأعوام كثيرة مضت.

وبينما بحث الجميع عن سر الشطافة وجدت نفسي أبتعد خطوات للخلف لألقي نظرة أوسع على تلك الحالة، وأنا أنتظر ردة فعل كل هؤلاء حينما يعلمون بأن الفتوى لم تكن رأيا شاذا لداعية ما كما اعتدنا أحيانا، وإنما هي أمر متفق عليه من جمهور العلماء وأولهم الأئمة الأربعة!

طبعا لم يكن هناك شطافة في ذلك الوقت، بل لم يكن هناك حنفية حتى، والتي ظهرت فيما بعد وسميت هكذا بعد موافقة أتباع أبو حنيفة على استخدام هذا الاختراع للوضوء عوضًا عن المياه الراكدة، حيث أطلق عليها حنفية نسبة لأبو حنيفة، وبالعودة إلى الشطافة فالحكم على مصير مستخدميها كان قياسًا على فتاوى الأئمة المقاربة لتلك الحالة، مثل حكم صيام المرء إذا دخلت المياه إلى دبره أثناء الاستنجاء وقيل يُفطره هذا الماء إلا إذا خرج بالكامل مجددًا، وهكذا حُكم على استخدام الحقن الشرجية واللبوس مثلًا.. باختصار نعم الشطافة تفطر. [مصدر]

والآن حان موعد كتم الضحكات واستبدالها بوجه عابس ظاهرًا لرفضه السخرية من فتاوى الأئمة الكبار وباطنًا ربما لأن قسمات الوجه ما زالت تحمل هذا القوس الضاحك في طياتها، وهنا اختلطت السخرية بالعبوس بالشطافة واللبوس.. لماذا ضحكتم؟.. لماذا غضبتم؟

في رأيي فإن تلك الحالة ليست فريدة ولكنها تشبه كل تلك الحالات حينما تروي قصة لصديقك المسلم وعندما تُثير ضحكه، تبدأ في إخباره أن تلك النكتة هي من الموروث الإسلامي الصحيح وفقًا لعلماء دينه. مثلًا، ماذا لو قلت لك أن هناك قصة من مصر القديمة تقول بأن (أمنحتب) تم سرقة ردائه أثناء استحمامه والسارق مجرد ”حجر“، بل وأن الحجر بدأ في الركض حاملًا الرداء وتتبعه (أمنحتب) حتى قبض عليه وضربه بحجر آخر حتى هشمه وقتله.

أولًا ستسأل لماذا؟ والإجابة أن الحجر فعل ذلك بأمر من إله القمر كي يُكذّب رواية المتمردين ضد حكم (أمنحتب)، والتي تقول بأنه يمتلك خصيتين ذي حجم كبير، لذا فالأمر بالكامل كان من أجل أن يركض (أمنحتب) عاريًا في الطرقات ليرى الناس حجم خصيتيه الطبيعي وتفشل تلك المكيدة. ثانيًا، ستبدأ في رسم ابتسامة على وجهك ومعناها أن القصة كاذبة وسخيفة إلى حد كبير.. فماذا إذا قلت لك بأن تلك هي قصة من قصص النبي موسى؟ ستذهب لتبحث ثم ستتأكد ثم يُصيبك الندم على ردة فعلك الأولى، وها هو الوجه العابس يحل محل الابتسامة العريضة. [مصدر]

هل تحول المسلمون إلى الربوبية دون قصد؟

من يتأمل في حال المسلمين مليًا، لا بد وأن يصل إلى تلك المحطة التي يرتحل إليها الربوبيون (المؤمنون بوجود إله ويكفرون بجميع الأديان)، حيث يكون الحلال والحرام والمضحك والمُبكي والساخر والجدّي فروع تخرج فقط من نهر العقل لا القرآن ولا السنة ولا قصص الموروث (في معظم الأوقات)، هل نقتل الكلاب، لا، ماذا عن الكلاب السوداء؟ لا أيضًا، حسنًا.. ماذا عن الكلاب السوداء ذات النقطتين البيضاء فوق أعينها، ما زالت الإجابة لا، هذا هو عقلك إذا اتفقت معي في تلك الإجابات، أما الإسلام فيقول نعم لقتل الكلاب السوداء ذات النقطتين البيضاء فوق أعينها لأنها شياطين!

والآن هل ستقتل كلبا أسود ذو نقاط بيضاء إذا ما صادفته؟ هل ستتعامل معه على أنه شيطان بالفعل؟ أظن أن العقل سينتصر على الدين مجددًا وتظل الإجابة كلا، كل تلك المواقف ستقودك حتما إلى أن تُصبح عابد لله دون اقتناع حقيقي بوصايا الدين الإسلامي إلا في الأمور الكبيرة كالصلاة والصوم مثلًا، أما المواقف الحياتية العادية فيبدو أن هناك إلها آخر يأمرك بعكس ما يأمر به إله الإسلام، تطيعه وتؤمن به وتقتنع بوجهة نظره أكثر من إلهك المرافق لك منذ ولادتك.. أنت نصف ربوبي الآن ربما. [مصدر الفتوى]

الكهنوت في الشطافة

يمكن أن أكمل مقالي على هذا المنوال لفترة طويلة، مثال ومثال ومثال دون كلل والنتيجة دائما واحدة، الإله الخفي ينتصر على الإله المعروف ”الخفي أيضًا“، ولكن ما دخل هذا بالكهنوت؟

الكهنوت هو وساطة بين العبد والإله لتنفيذ حكمه وإنفاذ كلمته وقيادة الشعائر إلى كل تلك الأمور والطقوس، تلك الوساطة تنقلت بين الحاخامات والقسيسين والكهنة بمختلف معتقداتهم ومرت كذلك على الإسلام لعصور طويلة، الإسلام يخبرنا بأنه لا وساطة بين العبد وربه ولكن الواقع يحكي غير ذلك، من الممكن القول بأن المسلمين قد اخترعوا كهنوتهم الخاص وهو كهنوت غاية في الغرابة يتأرجح بين العقلانية المخالفة لبعض النصوص والتطرف غير المذكور في صحيح الدين أصلًا، فتجد المسلم الذي يرفض قتل الكلب في المثال السابق، يوافق على قتل المرتد حتى ولو خرجت دار الإفتاء لتنكر ذلك –ليس في المُطلق– وإنما في عصرنا الحديث فقط لاعتبارات اجتماعية. الكهنوت المُختَرع وافق على السعودية المتشددة التي سرقت حياة أكثر من مليار إنسان لعقود من الزمن ولكنه في نفس الوقت لطالما سخر من أوضاع مواطني السعودية لاسيما النساء هناك، وها هو الآن يرفض تمامًا سعودية محمد بن سلمان لأنها أقل تطرفًا من السعودية القديمة، ولأن المرأة ستحصل على مجرد رخصة قيادة.

الكهنوت الربوبي الذي يُفضله معظم المسلمين حاليًا يُعمِل عقله أولًا فيرى أن الأمر يستدعي السخرية بالفعل، ثم يبحث في آراء الفقهاء ويختار الرأي الأشد تطرفًا، فيُصاب بالتوتر الشديد أشبه بسكب مياة باردة على جسد أحدهم ثم سكب مياة ساخنة بعدها مباشرة، فتجد الجسد لا يعلم تحديدًا أي ردة فعل عليه أن يُظهرها.. هل يسخر من الشطافة أم يرفض السخرية منها أم يسخر منها ولكن ينتظر عقب أذان المغرب ليستخدمها.. هذا ما يحدث حينما تُدخل كهنوتك الخاص في أمور الشطافة.

جاري التحميل…

0