اجتماعيات

جذور القيم الأخلاقية من وجهة نظر فلسفية

Pichi & Avo
صورة لـPichi & Avo
mm
إعداد: يوسف جراح

بعيدا عن المناهج المعرفية التي تناقش الأخلاق كـ”قيم مطلقة“ وكـ”قيم جاهزة“ منجزة لم تخضع لعمليات النشوء والتطور التاريخي، فإن الأخلاق هي نتاج الإنسان والفعل الإنساني ”مجتمع أو أسرة أو اقتصاد“، أي هي نتاج الظروف الاجتماعية الإنسانية لأن الإنسان ليس كائنا مجردا جاثما في مكان ما خارج العالم، الإنسان هو عالم الإنسان؛ ”الدولة والمجتمع“ وهما من أنتجا الأخلاق. [ليس شرطا أن يعبر هنا مصطلح الدولة عن الدولة المعاصرة.]

لذلك تختلف الأخلاق في المجتمعات البدائية [التي كانت تركز في صميمها على حرمة المحارم والقضايا الجنسية واللاهوتية] عن الأخلاق في المجتمعات الحديثة التي تحدد تماماً علاقة الإنسان بمحيطه ”المجتمع والأسرة والسلطة“، ومما لا شك فيه أن بعض القيم الأخلاقية التي كانت في المجتمعات البدائية ما زالت موجودة حتى الآن ولكن بمسميات حديثة، فنرى على سبيل المثال أنه من المحرم في الكاثوليكية أن يتزوج المرء من بنات عمه وهذا ما كان متواجداً أيضاً في المجتمعات الطوطمية البدائية.

وفي مجتمعاتنا الشرق أوسطية ننادي في العامية لأي شخص غريب عنا ”خالة، خالتو، عم، عمو“ وهذا يعبر عن العائلة الجماعية المحرم أفرادها عن بعضهم مثل المجتمعات الطوطمية البدائية ويلقب هذا بـ”الزواج الجماعي“، أي أن أعضاء القبيلة المحرم بعضهم عن بعض ”يمنع تزاوجهم من بعض {سفاح قربى}“. [لا نطرح هذه الأمثلة من أجل التلميح الى انحطاط قيمة ما وإنما لتوضيح أن هناك قيماً قديمة مازالت في مجتمعاتنا الحدايثة بشكل مُستتر.]

ويمكننا استحضار أحد الأمثلة أيضاً عن النزعة التنافسية الذكورية التي تحولت من التنافس على الإناث والأرض ”وأصبحت الآن مرفوضة أخلاقياً“، إلى ميادين أخرى مثل الرياضة كالمصارعة وكرة القدم، هنا مازالت النزعة البدائية موجودة ولن يتم إظهارها بطريقة حديثة ”أخلاقية“. فالطبيعية البشرية البدائية مازالت داخلنا.

كل ذلك الطرح كان توضيحاً لجذور قيم أخلاقية ما زالت متواجدة إلى يومنا هذا، ولذلك فإن الأخلاق تدرس تاريخيا ومن بعد الدراسة التاريخية للأخلاق يتضح لنا نسبوية الأخلاق بين مجتمع وآخر، وهذا الاختلاف؛ الذي ليس من الضروري أن يكون جذرياً، يعود إلى اختلاف الظروف والضرورات التي تنتج القيم الأخلاقية. لذلك فإن الاخلاق ليست محصورةً في الدين وليست نتاج الدين وإن كانت تبدو لمعظم الناس كذلك، لأنها مقترنة بالدين جرّاء احتكار الدين ”كمنظومة اجتماعية“ لكل المباحث القيمية في فترة طويلة من التاريخ.

مقال من إعداد

mm

يوسف جراح

من سوريا، يدرس الفلسفة، مهتم بالفلسفة وعلم النفس والفيزياء الفلكية والتاريخ والمثلوجيا.

عدد القراءات: 3٬247

تدقيق لغوي: كارمن.