اجتماعيات

العبودية في القرن الحادي والعشرين

عند ذكر العبودية، فأول ما يخطر بالبال هو العبيد الأفارقة الذين جلبهم الأوروبيون للعمل في أراضي القارة الأمريكية منذ بضعة قرون. فكلمة العبودية اليوم أصبحت ترتبط بالبشرة السمراء والولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى، مع اعتقاد واسع بأن عصر العبودية قد ولى بلا رجعة.

الأمر مختلف للغاية في الواقع، ففي ذروة العبودية في القارة الأمريكية نقلت سفن العبيد ما يزيد عن 10.7 مليون شخص مستعبد عبر الأطلسي من غرب أفريقيا إلى ”العالم الجديد“ بين عامي 1525 و1866، وهذا العدد — على الرغم من كونه كبيرا للغاية — لا يقارن بأعداد العبيد اليوم التي تقدرها الإحصاءات بين 20 حتى 45 مليون شخص مستعبد في العالم اليوم.

ما هي العبودية؟

أيدي مقيدة عبودية

استخدام السلاسل ليس الطريقة الوحيدة للحد من الحرية.

الوصف التقليدي للعبودية يتضمن غزو مناطق معينة وإجبار أهلها على العمل الإجباري تحت تهديد السلاح ودون أي أجر فعلي، لكن المعنى العام للعبودية أوسع من ذلك، فأي عمل إجباري يتم تحت تهديد السلاح أو الدُّين أو التهجير أو غيره سواء كان مقابل أجر أو لا يعد عبودية، طالما أن العامل لا يمتلك الخيار بمغادرة العمل وهو بذلك مجبر على العمل.

ومع أن بعض الأعمال الإجبارية كالخدمة الإلزامية في الجيش لا تعتبر عبودية من قبل المنظمات الدولية اليوم، فمن حيث المبدأ هي تحقق جميع شروط العبودية، حيث يرغم الشخص على أداء مهام معينة تتضمن قتل أشخاص حتى (في حالة الحرب) تحت تهديد مباشر بالسجن أو حتى القتل في بعض الحالات.

أنواع العبودية الحديثة

1. العبودية الجنسية:

العبودية الجنسية

أحلام الفتيات بالعمل بعرض الأزياء كثيراً ما تنتهي بالعبودية الجنسية.

من الشائع قول أن ”الدعارة“ هي المهنة الأولى في التاريخ البشري، لكن بغض النظر عن صحة ذلك من عدمه ومع كون عدد كبير من العاملين في مجال الدعارة يدخلونه برغبتهم، فهناك نسبة كبيرة من العاملين في هذا المجال بشكل قسري. عادة ما تتنوع التهديدات التي يتم بها استعباد العاملين في هذا المجال، فهي تبدأ من التهديد بالفضح والتسليم للشرطة (حيث تعد الدعارة جريمة يعاقب عليها القانون في معظم الدول) ولا تتوقف عند التهديد بالقتل أو السجن القسري بل حتى الحرمان من الطعام.

معظم العاملين قسراً في مجال الدعارة يكونون عادة من المهاجرين غير الشرعيين، فعادة ما يتم إغراء الشباب وحتى الأطفال في الدول الفقيرة بأعمال مربحة في دول تتمتع بمستويات معيشة أفضل، لكن الأمر كثيراً ما ينتهي بسجنهم قسرياً وإرغامهم على ممارسة الدعارة تحت تهديد إعادتهم إلى بلادهم أو حتى القتل في بعض الحالات.

تنتشر هذه المشكلة في منطق متعددة من العالم بداية من دول أمريكا اللاتينية وصولاً إلى دول جنوب شرق آسيا، حيث ثلثا العبيد اليوم يعودون بأصولهم إلى تلك المنطقة، حيث نسبة كبيرة منهم يتم استعبادهم منذ الطفولة لأغراض ”السياحة الجنسية“ أو إرسالهم إلى دول أوروبا أو الولايات المتحدة الأمريكية ليرغموا على العمل بالدعارة هناك.

2. العمل القسري، أو العمل بموجب دين:

العمل القسري عبودية

الدين قد يتم توارثه عبر الأجيال لإجبار الناس على العمل كعبيد.

تتم هذه الحالة عند إرغام الأشخاص على العمل في مجال معين دون أن يكون لهم خيار الرفض، العمل غالباً يكون بمقابل بخس للغاية أو حتى معدوم في بعض الحالات، إلا أن المميز الأساسي لكونها عبودية هو العمل الإجباري دون وجود خيار لترك العمل.

عادة ما يكون المهاجرون غير الشرعيين عرضة لهذ النوع من العبودية، حيث يعيشون بخوف دائم من ترحيلهم مما يجبرهم على العمل لدى أشخاص يستغلون هذا الأمر لتهديدهم به في حال مغادرتهم للعمل أو عصياهم للأوامر.

واحدة من الحالات الأخرى والتي تنتشر بشكل أكبر في جنوب شرق آسيا هي ”العمل بموجب دين“، فالأشخاص هنا يكونون مرغمين على العمل بأجور ظالمة أو بشكل مجاني بسبب تقييدهم بديون غير ذات حق يتم أحياناً توريثها في بعض البلدان، حيث من الممكن للشخص أن يعمل كعبد طوال حياته لقاء ديون ورثها عن آبائه أو حتى أجداده.

3. الخدمة المنزلية:

خادمة آسيوية

ما يعد طبيعياً في الدول العربية يعتبر جريمة كبرى كاستعباد للناس في بلدان أخرى.

تنتشر هذه الظاهرة في العديد من البلدان ولعل أبرزها البلدان العربية، حيث تقوم وكالات مختصة بإرسال خادمات من دول فقيرة للغاية مثل أثيوبيا أو الهند أو دول جنوب شرق آسيا إلى بلدان بمستويات معيشة أفضل ليعملن في المنازل بشكل دائم. تتركز هذه الظاهرة في دول الخليج العربي الثرية نفطياً، إلا أنها تنتشر بكثرة في البلدان العربية الأخرى بين الطبقات الميسورة والغنية.

غالباً ما يؤدي جهل الخادمات بوجود أي حقوق لهن بالإضافة لتهميش الأنظمة القضائية للبلدان لهن إلى تحويلهن إلى عبيد بالمعنى الكامل، حيث يرغمن على القيام بمختلف أنواع الأعمال بشكل قسري تحت تهديد التعنيف أو الطرد أو الديون العائدة للوكالات التي أرسلتهن أساساً. كما أن هذا النوع من العبودية كثيراً ما يتضمن إرسال أطفال واستغلال الخدم جنسياً من قبل موظفيهم.

4. عمالة الأطفال:

عمالة الأطفال عبودية

عمل الأطفال يعد عبودية ولو كان برضاهم.

عند الحديث عن الأطفال دون عمر 18 عاماً فلا ضرورة لوجود تهديد أصلاً ليعتبر الأمر عبودية، فكونهم غير بالغين وراشدين تماماً يعني أنه غير مسؤولين عن قراراتهم وبالتالي فتشغيلهم بأي شكل يعد عبودية.

يظهر الأمر بشكل كبير في الدول الآسيوية حيث يرغم الأطفال على العمل في المصانع، وفي بعض الحالات يرغمون على العمل بالدعارة، كما ينتشر الأمر في بقاع أخرى على شكل إجبار الأطفال على التسول أو النشل أو غيرها.

واحدة من أشهر الأمثلة لعمالة الأطفال القسرية؛ وربما هو أسوأها، هي ظاهرة ”الجنود الأطفال“ الذين يقاتلون لصالح جيوش وطنية أو تحت ميليشيات حكومية أو حزبية أو ثورية. ظهر الأمر بشكل كبير في أفريقيا حيث كان الجنود الأطفال أمراً شائعاً في البلدان الأفريقية التي مزقتها الحروب الأهلية. كما أن الأمر عاد للظهور في العراق ولاحقاً في ليبيا وسوريا والعديد من البلدان الأخرى، حيث تضم العديد من الفصائل المسلحة الحكومية أو غير الحكومية أطفالاً دون الثامنة عشرة يقاتلون معها.

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن

عدد القراءات: 6٬650