اجتماعيات

القط الصغير الذي رأى الجن!

القط والجن

قد يكون عنواناً صادماً لمتصفحي موقع ”دخلك بتعرف؟“، فأنت تدخل للموقع الآن ولابد وأنك من متابعي الصفحة على موقع فيسبوك، وعلى الأغلب لديك فكرة بسيطة عما من الممكن أو من المتوقع أن تقرأه هنا، والذي على الأغلب سيكون بعيداً تماماً عن الجن وقصصهم.

لكن أرجو منك التمهل قليلاً عزيزي القارىء… لو سمحت، فما سوف تقرأه الآن هو قصة حقيقية! ليست قصة الجن طبعاً، بل قصة القط، وسائر القطط وربما الحيوانات المسكينة التي تعاشر أو اضطرت —بطريقة ما أن تتعامل أو تعاشر البشر.

”يوسي“… قط صغير عمره 4 أشهر، يعيش في منزل هادىء مع سيدة متزوجة ولديها ثلاثة أطفال، في إحدى الليالي —وأذكر أنها ذات الليلة التي انضممت فيها إلى مجموعة الكتاب في هذا الموقع، وضعت هذه السيدة صورة لقطها وهو يتأمل بالسقف بصورة مريبة، على إحدى مجموعات موقع فيسبوك التي تجمع محبي الحيوانات —وأنا احدهم بالمناسبة وبدأت منشورها متسائلة بهلع: ”يوسي ما حاله يا جماعة؟ منذ نصف ساعة وأكثر على هذا الحال أرشدوني أرجوكم..“

القط والجن

نشرت ويا ليتها لم تنشر!!.. دقائق معدودة وانهالت عليها التعليقات من كل حدب وصوب، وليتك يا عزيزي القارىء أن تتخيل التعليقات التي كتبت لهذا المنشور:

  • ”أكيد شايف جن.. هدول القطط بيقدروا يشوفوا الجن انتبهي منيح.“
  • ”إذا كان يركز في نقطة تقاطع للسقف مع الحائط فحتماً رأى جن كوني حذرة، لأنه إذا استمر بهذا الشكل فقد يعتقد الجني أنه يرغب بإيذائه وقد يتلبسه وينعكس ذلك عليكم.“

تعليقات لا قبلها ولا بعدها، معلقون لو بيد كل منهم المال والإلهام لكان أفضل منتج لأفلام الرعب في العالم، كل ذلك كان كافياً لزرع الرعب في قلب السيدة التي كادت أن تتخلص من القط الذي تربيه لديها منذ أن كان عمره أقل من شهر! تحت مسمى أن ”رزقه على الله“ دون الأخذ بعين الاعتبار أن تجربة شيء مماثل على طفل من أطفالها قد تكون قاتلة للطفل بنفس الدرجة التي ستقتل القط الذي لا يعرف الشارع. ليس غريباً على مجتمع اعتاد على الإنجاب —بغض النظر عن الظروف وكلما أنجبوا طفلاً جديداً رددوا عبارة ”كل ولد بتجي رزقتو معو..“

ولعل الأكثر إثارة للسخرية بين كل من علقوا هي فتاة، كانت أول من بدأ بسرد قصص الجن والأرواح الشريرة والشياطين والعفاريت..الخ، وبالإمكان القول أن بعد قراءة تعليقها، كل من يعرف شيئاً حول هذا الموضوع وكل من لا يعرف أيضاً تحرض للتعليق بالمزيد من الخرافات حول الموضوع، ليتبين لي لاحقاً أنها تقرأ وتتابع وترد على جميع التعليقات التي فاقت الـ400 تعليق ثم تطالب وتناشد الجميع بعد أن قررت أن تنام وتريحنا قائلة : ”الله يخليكم بلا هالقصص آخر الليل!!.. والله ارتعبنا.. بدنا ننام!“

ارواح وعفاريت

المرتبة الثانية كانت لشاب بدأ بسرد قصص عن رؤية الجن وعندما أوقفه أحدهم بمنطق علمي قائلاً: ”إذا كان هنالك جن فعلاً، فإنه ليس بإمكانك رؤيتهم حتماً، لأن كلمة جن مشتقة من الفعل جن أي اختفى عن الأنظار، والطفل في الرحم قبل أن يتكون يسمى الجنين لعدم إمكانية رؤيته، أو معرفة شكله، والجن سميت بذلك لاستحالة رؤيتهم“، لم يترك الأخير بعد مثل هذا الرد حادثة يعرفها ولا يعرفها عن ناس رأوا الجن إلا وذكرها، لتصبح كل عائلته وأصدقاء ابن عمة خال صهر جدة جاره قد رأوا الجن، ناسياً —أو لعله لا يعلم أن تجارب الناس الشخصية ليست دليلاً علمياً قاطعاً، وذكرها ضمن نقاش ليس ببطولة ولا يدل على طول النفس والباع بالنقاش، بل على السطحية بأسوأ صورها.

أكثر من 400 تعليق حول الجن منذ الساعة 12 ليلاً وحتى السعة 12 ظهراً، إهدار للوقت ما بعده إهدار، وعلى الرغم من تدخل أخصائي تربية وتدريب القطط ضمن المجموعة التي تضم عدداً من الأطباء البيطريين وأخصائيي تدريب وتربية الحيوانات، فإن إيضاحه للموضوع لم يكن كافياً لناس لا تصدق الأخصائي بل تفضل كل ما هو غير مقنع ومنطقي على ذلك.

فكل ما فعله الأخصائي هو سؤالها إذا اصطاد القط حشرة طائرة من قبل في نفس مكان وقوفه، فأجابت السيدة بنعم وكان ذلك قبل يوم مضى، وهذه أول مرة يصطاد ذبابة، وكان يقف تماماً على نفس الأريكة وفي نفس الزاوية، وإجابة الأخصائي البسيطة كانت: ”قطك يتوقع مرور فرائس أخرى من نفس المكان.. لا أكثر ولا أقل.. وهذا سلوك يدعى المراقبة، وهو شائع جداً لدى القطط خاصة المنزلية التي لا تصادف عدداً كبيراً من الفرائس.. ولا داعي للقلق“

قد تتسائل عزيزي القارىء عن الداعي لسرد قصة كهذه هنا، فأجيبك: خلال الفترة التي بدأت فيها بالاهتمام بالحيوانات، كنت دائماً أتسائل عن الأسباب التي قد تؤدي نحو بعض البشر لارتكاب أفعال عنف لا مبرر لها ضد الحيوانات.

من بينها مثلاً حملة إبادة وتسميم للكلاب والقطط شنتها بلدية ضاحية قدسيا في سوريا، والحجة التي كانت لدى البلديات أنها مسعورة وتشكل خطراً على السكان، علماً أن الكثير من الناشطين بمجال حماية الحيوانات أكدوا أنهم يتعاملون يومياً مع حيوانات المنطقة من خلال حملات الإطعام لقطط وكلاب الضاحية، وهي ليست مسعورة ولم تؤذيهم يوماً، لم تكن تلك حجة منطقية لقتل هذا العدد الهائل من الحيوانات التي باتت برأي بلدية المنطقة أشد خطراً على المواطنين من الصواريخ والعبوات الناسفة والتفجيرات في بلد تحت ظرف الحرب كسوريا، بل ربما ليس من المقنع لهم أن تكوم جثث الحيوانات المسكينة فوق جثث ضحايا الحرب سوف يؤدي لانتشار عدد هائل من الأوبئة، وانتشار الأوبئة يعني المزيد من الموت وشبح الموت، عزيزي المواطن إن لم تلحقك قذيفة فإليك الموت البطيء بوباء ما قادم..!

كلاب عربية

من هذه القصة إلى العشرات غيرها، والسؤال دوماً… ما المبرر؟؟ هل هي معتقدات سخيفة كهذه شوهت نظرتنا وطريقة تعاملنا مع غيرنا من الكائنات الحية واعتدنا عليها؟ أم أننا في زمن لا نحترم فيه الإنسان، ولو احترم الإنسان في وطنه وأحس بالكرامة وبأنه كائن تحترم مشاعره لاحترم مشاعر كائن آخر وحافظ على حياته؟ هل حقاً فقدنا إنسانيتنا تجاه بعضنا البعض فبتنا لا نرحم بعضنا حتى نرحم الحيوانات؟ ما المبرر؟

وجدت في ذلك كله خليطاً مقنعاً من الأسباب التي اجتمعت معاً لتشكل هذا السلوك المتبع في التعامل مع الحيوانات في مجتمعاتنا. بل رحت في تفكيري ضمن مجال المعتقدات السخيفة أبعد مما تصورت..

عندما قمت بتربية القطط والسلاحف للمرة الأولى سمعت الكثير من الخرافات، والكلام الفارغ من مثل:

  • ”السلاحف سبب رئيسي لأكياس الماء حول المبيض والعقم“
  • ”السلاحف تجلب الحظ والرزق لكنها مقرفة“

رأيان متناقضان بخصوص حيوان واحد، أحدهما يحمل فقط الطابع العلمي دون دليل والآخر يحمل طابع خرافات الأجداد، بحثت ضمن العديد من المراجع الطبية حول قصة أكياس الماء ولم أجد لذلك دليل، أما القطط فلذلك سرد مختلف، إذ يبدأ الموضوع من المعتقدات الخاطئة علمياً إلى الخرافات والأساطير مروراً بالفتاوى الدينية بسبب ودون سبب، وسأشارككم ببعض ما أسمعه أحياناً:

”تربية القطط تسبب العقم للإناث“

الحقيقة حول هذه الخرافة هو أن جرثومة تيكسوبلازما هي المسؤولة عن تلك الإشاعة، وهي ليست سبباً للعقم بل تشكل خطر على الجنين، ولكن مهلاً.. القطط التي تتناول وجبات مطهية ولا تأكل لحوماً نيئة لا تصاب بالتيكسوبلازما ولا تحملها ولا تنقلها، كما أن تطعيم القطط والتخلص من برازها سببان رئيسيان لرفع مستويات الوقاية، إذا الخرافة العلمية أعلاه غير صحيحة * (المصادر العلمية حول هذا الكلام موجودة أدنى المقال)

قطط

خرافة علمية أخرى:

”لا تتنفس بجوار القطط نفسها ضار حتى لو أعطيتها حبوب النفس“

لا شيء مثبت حول ضرر نفس القطة كما أنه لا يوجد أدوية في أي صيدلية بيطرية باسم ”حبوب النفس“ وهذه الحبوب هي حبوب للوقاية من الطفيليات ليس أكثر وشاع بشكل ما تسميتها في بلداننا كحبوب نفس لسبب ما زال يجهله حتى الطبيب البيطري* (بإمكانك سؤال أي طبيب بيطري للتحقق من ذلك)

لننتقل إلى الخرافات التي لا يستوعبها عقل بعد أن انتهينا من الخرافات العلمية، ولعل غرضي من كتابة كل هذا المقال هو تناول موضوع هذه الخرافات تحديداً، من قصة رؤية القطط للجن إلى موضوع طهارة ونجاسة الحيوان، فقد تجد من التناقض لدى مواقف هؤلاء ما يثير أعصابك فعلاً، لاحظ عزيزي القارىء أن هذا الفريق من الناس الذي يتحدث بالجن وقصصهم هو ذاته من يقول لك إذا لعق يدك القط الذي تربيه: ”فم القط طاهر فقد حمل به خاتم سليمان“

وهو ذاته من يستشهد بكثير من الأحاديث التي تشجع على رحمة الحيوانات وهو ذاته من يبرر قتل البلديات للكلاب التي لم تجد طعاماً إلا في تلك الحاوية تحت بيته، فقط لأنها نجسة وسوف تفسد صلاته لأنها بحسب فتوى أحدهم تنجس عن بعد ”مدري كم متر“..!!

لست بصدد مهاجمة المعتقدات الدينية أبداً، لكنني أود فقط توضيح فكرة بسيطة عن سوء فهمنا للموروث الثقافي والديني والتراثي والاجتماعي وحتى العلمي! تخيل عزيزي القارىء أنك تربي حيواناً وتسمع يومياً ما يشجعك على تربيته وبنفس الوقت ما يشجعك على التخلص منه!

نحن في عالمنا العربي لم نستقر على تقرير موقفنا من تربية قط بسبب موروث ديني اجتماعي وليس مادة دينية أو اجتماعية ممكن أن تخاطب العقل بطريقة ما، موروث..!! مجرد موروث..!

نفس الفريق المتدين الذي يتحدث عن طهارة القطط وعن قصص القطط يتحدث عن الجن وعلاقتها بالقطط!

تخيل وليذهب خيالك إلى ما أبعد من ذلك كما ذهب خيالي أيضاً..

الموروث الذي يتركنا في حيرة، الموروث التافه الذي يحولنا لببغاوات لا تفكر بل تردد فقط. تخيل أن الموروث هذا متناقض وغير مستقر من تقرير موقفه من حيوان أليف، ماذا سيكون الأمر من تقرير موقفك أنت إزاء أي شيء آخر؟ ماذا عن القضايا الكبرى؟ ماذا عن تقرير مصائر بأكملها؟

أحياناً قصة صغيرة وقد تكون تافهة ولا معنى لها بالنسبة للبعض تأخذ بك بالتفكير نحو اللانهاية، هكذا يجب أن تكون.

لا تترك شيئاً يمر في حياتك مرور الكرام، بل فكر به وفكر لم حصل معك؟ لا تدع شيئاً يقولب من نمط تفكيرك على مزاجه الخاص علماً كان أو ديناً أو فلسفةً أو أي شيء. لا تستخف بعقلك ولا تدع لأي رأي فرصة الاستخفاف به. وكما يقال… استخدمه فهو مجاني.

شكراً على قرائتكم وأعدكم قريباً بمقال يتحدث عن موضوع قريب من هذا، ويتعلق بقصة اكتشافي لحقيقة العلوم الزائفة بنفسي بالإضافة لتتمة فيما يتعلق بإساءة استخدامنا لعقولنا.

تحياتي لكم.

عدد القراءات: 19٬006