in

تعرّف على حياة العالم توماس إديسون، وجوانبها المظلمة من ضعف السمع والأضرار الجسدية التي لحقت به

عندما نتحدث عن أعظم العلماء والمخترعين في التاريخ، غالباً ما نذكر أسماءً مثل (آينشتاين) أو (تسلا) أو غيرهم من الأشخاص الذين أسهموا في تقدم الحضارة البشرية وتطورها… لكن ماذا عن (توماس إديسون)؟ المخترع ورجل الأعمال الذي أوجد المصباح الكهربائي المتوهج وطوّر جهاز الفونوغراف وآلة التصوير السينمائي… لنتعرف أكثر على حياة هذه الشخصية.

نشأة إديسون:

إديسون في صورة مع جهاز الفونوغراف. صورة: Wikimedia Commons

ولد (توماس ألفا إديسون) في 11 فبراير عام 1847م في ولاية (أوهايو) الأمريكيّة وقد كان والده ويدعى (صموئل إديسون) رجلَ سياسة منفيّ من كندا إلى الولايات المتحدة، وقد شغل هذا الرجل العديد من الوظائف لدرء الفقر عن عائلته فيما عملت زوجته –والدة توماس- كمعلمة صفّ وكان لها لاحقاً تأثيرٌ كبير في حياة ابنها.

لم يكمل (إديسون) سوى 12 إسبوعاً في المدرسة الإبتدائيّة إذ كان يعاني من فرط النشاط وقلة التركيز ما أدى لأن يتم نبذه من قبل الأساتذة معتبرين أياه طالباً صعب المراس، فقامت والدته بسحبه من المدرسة والإشراف على تدريسه بنفسها ونتيجة لذلك لم يكد يصل (إديسون) إلى الحادية عشرة من عمره حتى أصبح نهماً للغايّة بالنسبة للمعرفة وقد بدأ بقراءة كل ما وقع تحت يديه من كتب، وساعده في ذلك أمتلاك والديه لمكتبة متواضعة اكسبته معرفة في مختلف الأمور.

حينما بلغ (إديسون) الثانية عشرة من عمره قام بإقناع والديه بأن يسمحا له بالعمل في بيع الجرائد للمسافرين على متن القطارات، وقد سمحت له وظيفته هذه بأن يشرع في طباعة وبيع صحيفته الخاصة والتي اسماها (Grand Trunk Herald) وقد كانت هذه الصحيفة بمثابة العمل الريادي الأول له، وقد ذاع سيط صحيفته وكان لها شعبية كبيرة بين المسافرين.

حادثة حريق عربة الأمتعة:

بالإضافة لبيع الصحف على متن القطار فقد قام (إديسون) بوضع معدات لإجراء تجارب كيميائية في إحدى مقطورات القطار الخاصة بالعربة، وقد كان يجري العديد من التجارب هناك، لكنه وفي إحدى الأيام وبينما كان في خضم إجراء إحدى تجاربه إندلع حريق نتيجة تفاعل كيميائي خاطئ وبدأت العربة بالاشتعال. هرع عامل القطار إلى العربة وبعد إطفاء الحريق قام بضرب (إديسون) على جانب رأسه ومن ثمّ طرد من على متن القطار وأجبر على بيع الصحف في المحطة.

قد قيل أن ضرب العامل له كان أحد الأسباب التي أدت إلى أن يسوء حال سمعه فيما عدّل (إديسون) هذه الرواية ليقول أن ما جعل سمعه يسوء هو مساعدة عامل القطار له على اللحاق بالقطار وركوبه عن طريق سحبه من أذنيه.

أولى اختراعات إديسون:

توماس إديسون في مختبره. صورة: Universal History Archive/UIG via Getty Images

لم يكن عمل (إديسون) في المحطة مفيداً لكونه استطاع بيع صحفه فيها وحسب، لكن عمله هناك سمح له بالحصول على فرصة غيّرت حياته، إذ أنه وبينما كان يعمل في أحد الأيام كان هناك صبي صغير بالكاد يبلغ الثالثة من عمره على وشك أن يتم دهسه تحت أحد القطارات وبشكل بطولي قام (إديسون) بإنقاذ الطفل. شكر والد الطفل (إديسون) وكمكافأة له على إنقاذ ابنه قام بتعليمه طريقة العمل على التيليغراف ولم يكد يصبح في الخامسة عشرة من عمره حتى أتقن هذه المهمة.

انتقل (إديسون) إلى (لويفيل) بولاية (كنتاكي) وبدأ عمله الجديد وكان ذلك عام 1863م. لم يعاني (إديسون) من أية صعوبات في عمله في البداية بالرغم من مشاكله في السمع حيث كان التيلغراف يعمل عن طريق طباعة شيفرة مورس على قطعة من الورق لكن تطور التلغراف المستمر والذي انتهى بأن يصبح الجهاز يعتمد كليّاً على السمع جعل فرص (إديسون) في العثور على عمل تقل ما أدى به لأن يلجأ إلى البدء بالاختراع وبحلول شهر يناير من 1869م، كان المخترع قد أحرز تقدمًا كبيرًا في تطوير تلغراف مزدوج قادر على إرسال رسالتين في وقت واحد على سلك واحد، وطابعة تحوّل الإشارات الكهربائية إلى رسائل.

عاد (إديسون) لاحقاً إلى منزل والديه ليجد الوضع فيه سيئاً للغاية إذ أن والدته كانت قد بدأت تعاني من أمراضٍ نفسية كما فقد والده عمله، وقد دفع هذا الوضع بالشاب إلى أن يسعى جاهداً لتأمين مستقبلٍ أفضل. وهكذ توظف لدى شركة (ويسترن يونيون) في بوسطن وانتقل إلى نيويورك.

مينلو بارك:

المختبر العلوي في مينلو بارك.

بينما كان (إديسون) يعمل في نيويورك طلبت (ويسترن يونيون) منه أن يقوم بتطوير جهاز تليغراف قادر على نقل أربع رسائل في الوقت نفسه، وهكذا شرع (إديسون) في تنفيذ هذا العمل وحينما انتهى منه قام بعرض حقوق ملكية هذا الجهاز للبيع لأعلى شخصٍ يدفع، وقد حصل نتيجة ذلك على مبلغ عشرة الآف دولارٍ أمريكي (أي ما يعادل 220 ألف دولار تقريباً في يومنا هذا).

استخدم (إديسون) الأموال التي حصل عليها في إنشاء أول مختبر بحوث علمية، وكان ذلك في (مينلو بارك) وقد أطلق على مختبره هذا اسم «مصنع الاختراعات». قام (إديسون) بتوظيف العديد من الأشخاص والباحثين والمخترعين في مركزه هذا. وقد خرج من «مصنع الاختراعات» أفكارٌ وابتكارات واختراعات عديدة.

إحدى الحوادث المؤلمة لمختبر (مينلو بارك) كانت تلك التي وقعت لـ (إديسون) وشريكه (كلارنس دالي)، حيث كانا يعملان على تطوير منظار يستخدم في أخذ الصور السينية. لكن المخترعين لم يكونا على دراية بأخطار الأشعة السينية ما أدى إلى أن يصابا بأضرار جسمية نتيجة سوء الأستخدام وقد كانت الأمور سيئة للغاية بالنسبة لـ (دالي) والذي كان يتعرض لقدر كبير من الإشعاعات ما أدى في نهاية الأمر لمقتله، فيما أصيب (إديسون) بأضرار جسيمة. وقد أدت هذه الحادثة إلى تخليه تماماً عن المشروع.

حرب التيارات:

جورج ويستنغهاوس. صورة: Wikimedia Commons

كانت حرب التيارات عبارة عن منافسة نشأة بين شركة (إديسون) للإنارة والتي كانت تسوّق من أجل استخدام الإضاءة المتوهجة الداخلية ذات التيار الكهربائي المنخفض (DC)، وشركة (جورج ويستينغهاوس) التي سوّقت لإنارة الشوارع باستخدام المصباح القوسي والذي يعمل على التيار المتناوب عالي الجهد (AC).

حينما انتقل (تيسلا) من العمل في شركة (إديسون) في باريس إلى شركته في نيويورك عام 1884م قام بحل العديد من المشاكل وساعد (إديسون) بشكلٍ كبير، وفي عام 1885م اقترح (تيسلا) على مرؤوسه أن يقوم بتحسين كفاءة مولداته الكهربائية ويجلعها أكثر اقتصاديّة وقد وافق (إديسون) على اقتراح (تيسلا) ووعده بمكافأة كبيرة لم يكن حساب (إديسون) المصرفي حملاً لها، وما إن انتهى (تيسلا) من أداء مهمته بنجاح اخبره مديره أن فكرة المكافأة لم تكن جدية وعرض عليه بدلاً عنها زيادة شحيحة على أجره دفع ذلك (تيسلا) لأن يقدم استقالته. بعد عدة سنوات والكثير من الإحباطات صمم (تيسلا) أول محرك تيار متردد، اشترى منافس (إديسون) الأول وهو (ويستينغهاوس) الحقوق الفكرية لاختراع (تيسلا) وهكذا كانت نشأة هذه الحرب. بالرغم من المبالغة الكبيرة التي يشهدها أي حديث عن هذه الفترة والخصومة فإن الأمر لم يكن بهذا السوء، ولعل الجانب السيىء الفعلي لهذه الحرب هو الطريقة التي حاول فيها المتنافسان إظهار خطورة اختراع الآخر حيث لجأ كليهما إلى إعدام الحيوانات!

أحد الأمور التي كان يرفضها (إديسون) قطعاً هي فكرة أن يتفوق عليه أحدٌ ما في تجارته وعمله، والشيء الأخر هو إصراره على أن التيار المستمر (DC) أفضل وأكثر أماناً من التيار المتناوب (AC). وقد ذهب (إديسون) بعيداً لكي يثبت وجهة نظره وينقذ عمله. حيث صمم كرسيّاً كهربائيّاً يعمل على التيار المتناوب وأعدم بإستخدامه العديد من الحيوانات هو ومساعديه.

لقطة من فيلم قصير وثائقي لعملية صعق الفيلة توبسي بالتيار الكربائي. صورة: Wikimedia Commons

أحد أشهر الإعدامات التي قام بها (إديسون) والتي وثقها على فيديو، هي إعدامه لأنثى الفيل (توبسي). كانت قد قررت حديقة الحيوان المالكة للفيلة إعدامها متهمين إياها بأنها قد قامت بقتل ثلاثة أشخاص ولا يمكن ترويضها، وفي بداية الأمر كان ينوي مالكوها أن تعدم شنقاً لكن جمعيات حقوق الحيوان تحركت ضد هذا القرار وهنا رأى (إديسون) فرصة ذهبية ليقدم عرضاً لا ينسى للناس! وقد حضر لمشاهدة إعدام (توبسي) مئات الأشخاص.

أطعمت (توبسي) جزراُ يحوي 450 غراماً من السيانيد لكي يتم التأكد من نجاح الإعدام ثم وضعت الأسلاك حول عنقها وأقدامها وأرسل تيار بقوة 6600 فولط لتلقى (توبسي) حتفها بثوان. عمل (إديسون) على تصوير العملية بأكملها واستخدم الفيديو كدليل على مدى خطورة التيار المتناوب.

تبيّن لاحقاً أن (توبسي) لم تقم فعلاً بقتل ثلاثة أشخاص وإنما شخص واحد وهو مدربها السابق والذي قام بإطفاء عقب سيجارته بخرطومها الحساس للغايّة، ما أدى إلى أن تثور وتتوحش لتمسك في النهاية به ولينتهي الأمر به تحت أقدامها. كما كانت قد تعرضت طوال حياتها للتعذيب إذ كان يتم تدريبها بإستخدام السوط والمذراة. في نهاية الأمر خسر (إديسون) معركة التيارات بالرغم من إعدامه الكثير من الحيوانات في سبيل إثبات فكرته.

احترقت حديقة الحيوان التي أعدمت (توبسي) عام 1944م، وشيّد في عام 2003 م نصبٌ تذكاري للفيلة التي فقدت حياتها نتيجة وحشية البعض وتمسك البعض الآخر بأفكاره.ٌ

في النهاية لا يمكننا أن نحكم على المخترع الذي أعطى البشرية أكثر مئات الاختراعات -والتي لا يزال معظمها يستخدم حتى اليوم- بكونه شخصاً شريراً أم لا فإن ذلك الأمر يعود إلى وجهة نظر القارئ، وإن كان يرى في قتل الحيوانات وإجراء التجارب عليها فعلاً قبيحاً يستحق الازدراء أم لا.