عندما كنت طفلاً، كان حلمي—كما الكثيرين—أن أصبح رائدا للفضاء أزور في رحلاتي كواكب المجرة البعيدة، كما أبطال مسلسل Star Gate الشهير. بطبيعة الحال هذا الحلم تبدد مع معرفتي بأن ”البوابات النجمية“ مجرد خيال علمي وأنني أعيش في أحضان وطنٍ لا يحلم بلوازم الحياة الأساسية ولن يصل للفضاء خلال فترة حياتي، بالإضافة لأن ”استكشاف الفضاء“ أصلاً تباطأ بشكل كبير منذ سبعينيات القرن الماضي.

خلال مئة عام الأخيرة من تاريخ البشرية، حققنا قفزات كبرى في الكثير من المجالات، وربما أحد أبرز هذه القفزات كان في مجال الفضاء. فخلال مئة عام الماضية انتقلنا من رحلات جوية صغيرة بين المدن إلى إرسال مركبات فضائية خارج مجموعتنا الشمسية وحتى تحقيق هبوط على مذنب عام 2014! هذا الانتقال كبير جداً لنا كجنس بشري بالتأكيد لكن هل هو بالأهمية التي نراه بها؟

أنا هنا لا أحاول أن أقول أن استكشاف الفضاء غير مهم، بل على عكس ذلك، أنا من أشد المؤيدين لأهمية استكشاف الفضاء، فعدا عن كونه جزءاً مهماً من فضولنا البشري للمعرفة والفوائد الكبرى التي قدمها لنا البحث في مجال الفضاء (والتي تبدأ من قلم الحبر الجاف الذي يستخدمه معظمنا اليوم ولا تنتهي بمضخات الأنسولين والأطراف الصناعية الحديثة) ربما يكون الفضاء الخارجي ملجأنا في يوم من الأيام، مع التزايد المضطرد لأعداد السكان والكوارث المتعددة التي تهدد وجودنا على الكوكب الأزرق.

واحد من الاعتراضات الأساسية اليوم على برامج الفضاء حول العالم (والتي تصرف حوالي 25 بليون دولار أمريكي سنوياً) هو كونها ليست الأولوية للبشرية الآن. هذا الاعتراض يأتي من واقع أن حال البشرية الآن ليس جيداً كفاية ليسمح بإنفاق هذا المال على ”رفاهية“ مثل استكشاف الفضاء، فعدا عن المجاعات والحروب التي تملؤ العالم (علماً أن تخصيص أموال البحث العلمي في مجال الفضاء لإيقافها لن يشكل أصراً كبيراً) فحال كوكبنا الأرض اليوم بات مثيراً للقلق بشدة، مع كوننا نواجه أزمات غذاء وماء وطاقة وقريباً حتى أزمات سكنية كبرى.

على الرغم من أن الفضاء قد يكون حلاً للعديد من المشاكل التي نواجها اليوم، فالحلول الظاهرة حتى الآن لا تبدو قريبة من الواقع حتى. والأمل الأكبر لنا فعلياً هو إيجاد كواكب مشابهة للأرض ومناسبة لحياة البشر بغاية الوصول إليها واستعمارها لاحقاً، وهذا الأمل عدا عن كونه ما يزال بعيداً يحتاج لوقت طويل للغاية وربما أطول من الوقت المتاح أمامنا قبل أن تبدأ مشاكلنا الكبرى هنا بالتأثير علينا بشكل كارثي.

ربما جدير بنا أن نتفقد تحت سريرنا قبل الانشغال بتفاصيل الحديقة المجاورة.

عندما تسمع بأن NASA تمكنت من رسم مخططات بدقة عالية للغاية لكل من القمر والمريخ بالكامل فالأمر يبدو مثيراً للإعجاب بشدة! لكن عندما ترتبط هذه المعلومة بواقع أننا حتى الآن لم نستكشف سوى 5% من المحيطات التي تغطي 70% من سطح كوكبنا يبدو الأمر غريباً للغاية. بالطبع نحن نحتاج إلى أن نبحث في مجال الفضاء، لكن لماذا دوماً نتجاهل الأشياء التي تقع أمامنا مباشرة؟

التيارات المائية حول القارة المتجمد الجنوبية أنتاركتيكا

مع كون 95% من المحيطات على الأرض غير مستكشفة، فنحن نعرف عن كوكب المريخ أكثر من كوكبنا.

ربما يكون السبب الأساسي لحماس البشر لاستكشاف الفضاء مقابل برودهم ولا اكتراثهم بالمحيط هو المسافة فقط، فالبعيد دائماً ما يكون مغرياً لنا مقابل تململنا الدائم من الأشياء القريبة والمتاحة مهما كانت مفيدة. لكن هذا السبب ليس كافياً وخصوصاً في وضع الأرض الحالي، فعدا عن كون البشرية تعاني من أزمات متعددة، ربما أكبرها اليوم هو التغير المناخي الذي يستمر برفع معدل درجة حرارة الأرض محولاً إياها ببطءٍ إلى جحيم لا يمكن العيش فيه. هذه المشكلة قد يستخدمها العديدون كمحفز أساسي لاستكشاف الفضاء، لكن ربما الأجدر بنا ان نحاول إصلاح كوكبنا قبل البحث عن بديل قد لا نجده وإن وجدناه قد لا نصله أبداً.

هذا المقال عبارة عن مقال رأي.

مقال من إعداد

mm

علي وديع حسن