تاريخ

قصة البشر الوحيدين الذين لقوا حتفهم في الفضاء الخارجي

أفراد طاقم المهمة الفضائية السوفييتية (سويوز 11)

التاريخ: الثلاثون من شهر يونيو سنة 1971، ينتظر فريق الاسترجاع السوفييتي بفارغ الصبر عودة مهمة (سويوز 11) ورواد الفضاء على متنها من الفضاء الخارجي في منطقة بعيدة في كازاخستان، وفجأة ترصد طائرة مروحية قريبة تابعة للفريق مظلة المركبة الفضائية وهي تنزل من السماء نحو الأرض، تسارع بعدها فرق الإنقاذ والإسعاف والاسترجاع إلى موقع الهبوط، ويفتحهون بوابة المركبة ليفاجئهم منظر مفزع للغاية: وهو جثث رواد الفضاء (جورجي دوبروفولسكي) و(فلاديسلاف فولكوف) و(فيكتور باتساييف).

وفقا لجميع القصص والروايات، وحتى تلك اللحظة بالذات، كانت مهمة (سويوز 11) تسري بأفضل ما يمكن وكانت مثالية لأبعد الحدود، وكان رواد الفضاء على متنها قد أمضوا لتوهم 23 يوما في مدار الكرة الأرضية في الفضاء الخارحي، وكانوا بذلك أول فريق يمكث في أول محطة فضاء في التاريخ.

كان نجاح هذه المهمة ليعتبر نصرا عالميا كبيرا وأفضل ردّ على إنجاز الولايات المتحدة الأمركيية غير المسبوق التي كانت قد نجحت آنذاك في إرسال أول إنسان لسطح القمر، وكانت هذه المهمة كذلك لتعيد للسوفييت أمجادهم وبريق شهرتهم العالمية في ريادة الفضاء التي لم يستمتعوا بها مطولا منذ إطلاقهم التاريخي لمركبة (سبوتنيك) أول قمر صناعي يبنيه الإنسان وينجح في إرساله إلى الفضاء في الرابع من شهر أكتوبر سنة 1957.

غير أن كل هذه الآمال تبددت وراحت مهب الريح في سنة 1971 بعد أن عاد رواد الفضاء على متن الـ(سويوز 11) -الذين كانوا ليصبحوا أبطالا- إلى الأرض وهم جثث هامدة.

سرعان ما أصبحت قصة الوفاة المفاجئة وغير المفسرة لرواد الفضاء هؤلاء محل جدل واسع في مختلف أنحاء العالم، فقال (توم ستافورد) وهو رئيس قسم رواد الفضاء لدى وكالة (ناسا) بأن الضغط الفيزيولوجي الراجع لرحلتهم الطويلة في الفضاء الخارجي هو ما تسبب في هلاكهم، أما الطبيب (تشاك بيري) لدى نفس الوكالة فقال بأنه لا يظن بأن الضغط الفيزيولوجي هو ما تسبب في موتهم، بل يرجع ذلك إلى تسرب مادة سامة ما إلى داخل المركبة.

غير أنه لم يكن للولايات المتحدة وبقية أنحاء العالم آنذاك أي سبيل لمعرفة الحقيقة وسبب الوفاة المفاجئة الفعلي لرواد مركبة (سويوز 11) إلا بعد أن نشرت جريدة الـ(واشنطن بوست) مقالا عن المهمة في شهر أكتوبر سنة 1973.

في نهاية المطاف أفادت خلاصة موضوع المقال المنشور بأن أحد أنابيب التنفس ونقل الأكسجين داخل المركبة تقطع مما تسبب في انخفاض حاد لضغط الجو داخلها ومنه هلاك كل من فيها، حيث يتسبب الانخفاض الكبير في ضغط الجو بالهواء داخل الرئتين إلى التوسع بشكل كبير ومفاجئ مما يؤدي بدوره إلى تمزق الرئتين والنسيج الهش لكل الأعضاء الباطنية. يتسبب انخافض الضغط كذلك في تبخر المياه من الأنسجة الرقيقة في الجسم ومنه في انتفاخ الجسم كله، ويؤدي استمرار تسرب الغاز وبخار الماء إلى تبرد الفم والمجاري التنفسية بشكل كبير، فيتسبب بعدها ذلك الماء والغاز المتحلل إلى خلق فقاعات تعيق مسار الدم وتمنع تدفقه.

طاقم بعثة سويوز 11 من اليمين إلى اليسار: (فيكتور باتساييف) و(جورجي دوبروفولسكي و(فلاديسلاف فولكوف) في يوم الإطلاق، 6 يونيو 1971

طاقم بعثة (سويوز 11) من اليمين إلى اليسار: (فيكتور باتساييف) و(جورجي دوبروفولسكي و(فلاديسلاف فولكوف) في يوم الإطلاق، 6 يونيو 1971 – صورة: Sovfoto/UIG/Getty Images

يتوقف تدفق الدم تماما بعد ستين ثانية من التعرض لانخفاض الضغط، ثم يحرم الدماغ تماما من إمدادات الأكسجين وتدخل الضحية بعدها في حالة غيبوبة.

لقد كانت نهاية رواد الفضاء على متن المهمة (سويوز 11) فظيعة بدون شك، حيث كان انخفاض الضغط الجوي في داخل مركبتهم قد عرضهم حرفيا لظروف الفضاء الخارجي كما لو لم يكونوا داخل مركبة تحميهم منها أصلا.

على الرغم من أن نتائج التشريح من مستشفى (بيردينكو) العسكري الذي نقلت إليه جثث رواد الفضاء بقيت سرية جدا إلى يومنا هذا، غير أنه من السهل معرفة الأعراض التي كانوا قد عانوا منها قبل موتهم، التي نلخصها لكم فيما يلي:

بعد التعرض لانخفاض حاد في الضغط الجوي ينتاب رائد الفضاء ألم فظيع على مستوى الصدر والبطن والرأس، ثم تتمزق طبلة الأذنين، ثم يبدأ في النزيف من الفم والأذنين، وخلال كل هذا يكون رائد الفضاء واعيا تماما بما يجري له حيث لن يدخل في حالة الغيبوبة إلى بعد مضي ستين ثانية.

قد تتساءل كيف هبطت المركبة الفضائية بشكل مثالي إن كان جميع من عليها ميتا؟ حسنا، كانت المركبة الفضائية (سويوز 11) مجهزة بنظام هبوط آلي لم تكن فيه بحاجة إلى أي طيار حي أو واعٍ ليفعّله.

وبما أن موت هؤلاء الرجال كان على بعد 140 ألف كيلومتر فوق الغلاف الجوي، فهذا يجعل منهم الكائنات البشرية الوحيدة التي لقيت حتفها في الفضاء الخارجي.

المصادر

عدد القراءات: 13٬052