in

تعرّف على قصة طاقم سويوز 11 المروعة، وكيف لاقى رواد الفضاء السوفيات حتفهم قبل أن يصلوا إلى الأرض!

في الساعات الأولى من اليوم الـ 30 في شهر يونيو عام 1971، استعد الاتحاد السوفياتي لاستقبال 3 من رواد الفضاء أثناء عودتهم إلى الأرض عقب بعثة فضائية ناجحة. البعثة التي نتكلم عنها هي مركبة سويوز 11 وطاقمها المؤلف من (جيورجي دوبروفولسكي) و(فلاديسلاف فولكوف) و(فيكتور باتساييف)، والتي أمضت أكثر من 23 يوم في مدار الأرض، وتمكنوا لأول مرة من الالتحام بمحطة الفضاء الدولية بنجاح.

جاءت تلك المهمة رداً على إنجاز الولايات المتحدة الأشهر في سباق الفضاء، وهو إنزال أول كائن بشري على سطح القمر. وعندما لاحظ أحد مسؤولي مروحيات الاستعادة المظلة التي تحمل وحدة هبوط المركبة سويوز 11، شعر بفرحة عظيمة. هبطت المروحيات وشق المسعفون طريقهم بفرح شديد لما اعتقدوا أنه إنجاز رائع ومهمة مكللة بالنجاح، وبينما كانت المركبة شديدة الحرارة جراء عملية إعادة الدخول إلى الأرض، اكتشف المسعفون ومن كان حاضراً حينها منظراً مروعاً في داخل المركبة، حيث كانت المركبة متفحمة كلياً بمن فيها!

هبوط مؤتمت خالٍ من العيوب

طاقم مركبة سويوز 11، المؤلف من (من اليمين إلى اليسار): فلاديسلاف فولكوف، جورجي دوبروفولسكي، فيكتور باتساييف. صورة: Joachim Becker/SpaceFacts

كان هبوط مركبة سويوز 11 مؤتمتاً بالكامل، منذ لحظة فتح المظلة إلى عملية إطلاق صواريخ الهبوط السلس المزودة بالوقود والموجودة في قاعدة وحدة الهبوط. حينما وصلت المركبة إلى الأرض، كانت الساعة الثانية والربع تقريباً في منتصف الليل بتوقيت موسكو. وكان رواد الفضاء الثلاثة قد حطموا الرقم القياسي للتحمل في الفضاء، والبالغ 18 يوماً، والذي حققته بعثة سويوز أخرى من عام 1970، بل أن الرقم القياسي هو ضعف ما حققته بعثة جيميناي الأمريكية.

بعد مرور ثلاثة أسابيع على انطلاق البعثة، عجت وسائل الإعلام في روسيا بأسماء الرواد الثلاثة (دوبروفولسكي) و(فولكوف) و(باتساييف)، فكانت وسائل الإعلام تتحدث عنهم بشكل يومي، حتى أن الفتيات في الاتحاد السوفياتي أصبحن يعشقن شخصية (فولكوف) وكأنه معبود المراهقين، وكان حدث هبوط المركبة في ذاك اليوم المشؤوم أشبه بكرنفال احتفالي.

لم يُصعق أي شخص في ذاك اليوم مثلما صُعق (نيكولاي كامانين)، قائد فريق رواد الفضاء، ورائد الفضاء المخضرم (أليكسي يليسييف)، الذي انتظر أكثر من ساعة كي يسمع خبر الهبوط الناجح… لكن الأخبار جاءت سوداوية، وجاءت الكارثة على شكل صلاثة أرقام، 1 1 1، تلك الأرقام تعني أن جميع طاقم المركبة قد لاقى حتفه.

عدد الوفيات

شرح (يليسييف) لاحقاً نظام الأرقام ذلك، والذي يتدرج من 5 إلى 1 لتقدير صحة رواد الفضاء: فالرقم 5 يعني أن حالة رائد الفضاء الصحية ممتازة، بينما يشير الرقم 4 إلى حالة صحية جيدة، والرقم 3 يعني أن رائد الفضاء يعاني من إصابات، بينما يشير الرقم 2 إلى أن الإصابات شديدة جداً، والرقم 1 يعني أن الإصابات قاتلة. وهكذا، صدر رقم واحد لكل رائد من رواد الفضاء الثلاثة، والرقم هو 111، ما يعني أن الجميع توفوا. سارع (يليسييف) و(كامانين) ورائد الفضاء (فلاديمير شاتالوف) على الفور إلى السفر نحو موقع الهبوط في كازاخستان جواً، ليروا بأنفسهم ما لم يستطع أحد أن يصدقه.

تحدث (كيرم كيريموف)، رئيس المفوضية الدولية عن تلك الحادثة قائلاً: ”بشكل غريب، لم يظهر أي ضرر على الإطلاق. طرق المسعفون على أحد جوانب المركبة، لكن لم يرد أحد. وعند فتح الباب، وجدوا الرجال الثلاثة في مقاعدهم، ساكنين بدون حراك، وعلى وجوههم بقع زرقاء مظلمة وآثار دماء نزفت من أنوفهم وآذانهم. أزال المسعفون الرواد من المركبة، وكانت درجة حرارة (دوبروفولسكي) لا تزال دافئة. حاول الأطباء إنعاشهم من خلال التنفس الاصطناعي، ووفقاً لتقاريرهم، كان سبب الموت هو الاختناق…“.

منذ هبوط المركبة في الموقع، كان إخراج الجثث صعباً، واستمرت محاولات الإنعاش لفترة، ما يُفسر بلاك شك فقدان الاتصال لفترة طويلة. كانت حرارة (دوبروفولسكي) الدافئة السبب الذي دفع المسعفين إلى محاولة إنقاذ الرجال مراراً وتكراراً، لكن بلا فائدة.

في التقارير والتحقيقات التي صدرت لاحقاً، تبيّن أن فتحة التهوية خُلعت من مكانها أثناء الانفصال عن المدار، وأن الرجال قد توفوا منذ نصف ساعة أو أكثر قبل وصولهم إلى سطح الأرض.

فوق ذلك، وخلال مدة 11 دقيقة تقريباً، تعرّض الرواد للفراغ في الفضاء، وهذا أمر مريع حقا، فوفقاً لـ(غروجيكا إيفانوفيتش) في كتابه «ساليوت: أول محطة فضاء في العالم» أن البشر والحيوانات المخبرية تعاني أحياناً من خلخلة وانخفاض سريعين في الضغط في بيئات الاختبار الفضائية، أو المناطيد العلمية أثناء وضعها على ارتفاع عالٍ، لكن المروّع في القصة أن رواد سويوز 11 كانوا أول بشر يتعرضون لمخاطر الفضاء حرفيا –تتمثل المخاطر في الفضاء بالكثير من العوامل المؤذية، كالإشعاع والعوامل الشمسية الشديدة والمذنبات وغيرها– على ارتفاع يتجاوز حاجز الـ100 كلم. ولا يكون الإنعاش القلبي الرئوي –الذي حاول المسعفون تطبيقه على رواد الفضاء– مفيداً إلا إذا كان خلال 6 دقائق على الأكثر من توقف القلب، وإلا أصبح ضرر الدماغ دائماً بعد تلك المدة. ومع مرور أكثر من نصف ساعة على وفاة الرواد، لم يملك المسعفون أي فرصة لإنقاذ هؤلاء.

صدمة وحزن وتخوّف عالمي

رواد الفضاء الثلاثة، وموقع هبوط مركبتهم. صورة: Joachim Becker/SpaceFacts

أثناء وصول (شاتالوف) و(يليسييف) إلى المنطقة، أُزيلت جثث رواد الفضاء الثلاثة من الموقع. وقف (يليسييف) على هضبة جرداء، وصُدم حرفياً بالمشهد الذي رآه وغرابة ما حصل، خاصة أنه تحدث إلى رواد الفضاء الثلاثة سابقاً خلال الأسابيع الماضية. فكل شيء يشير إلى عملية هبوط مثالية، وبعثة فضائية ناجحة، بالإضافة طبعاً إلى الطقس الجيد والأرض المناسبة للهبوط، مع ذلك، توفي ثلاثة رواد فضاء بدون سبب وجيه. لام الكثير من المنخرطين في الموضوع أنفسهم، من بينهم (يليسييف)، فلو أُحكم إغلاق فتحة التهوية، لما كانت الكارثة لتقع.

تساءل (أليكسي ليونوف)، الذي كان من المحتمل أن يحلّ محلّ (دوبروفولسكي)، إن كان بإمكانه تقديم المزيد سابقاً. ففي مذكراته بعنوان «جانبان للقمر»، كتب (ليونوف) أنه نصح طاقم رحلة «سويوز 11» بإغلاق سلسلة من فتحات التهوية بين وحدتي الهبوط والدوران، وإعادة فتحها عند فتح المظلة. كتب (ليونوف): ”على الرغم من أن ذلك يختلف عن تعليمات الطيران، تدربت لمدة طويلة من أجل هذه المهمة، وبرأيي الشخصي، فذلك أكثر الإجراءات أماناً. فوفقاً لبرنامج الرحلة، فمن المفترض أن تُغلق فتحات التهوية ثم تُفتح أوتوماتيكياً حالما تُفتح المظلة عقب العودة ودخول المجال الجوي للأرض. لكنني أعتقد أن هذه العملية الأوتوماتيكية قد شهدت خطأ ما، فربما فُتحت فتحات التهوية مبكراً وعلى ارتفاعٍ عال جداً، ما أدى إلى خلخلة الضغط في المركبة“. للأسف، لم يتبع رواد الفضاء نصيحة (ليونوف)، بل تصرفوا وفقاً للتدريب الذي تلقوه.

في الولايات المتحدة الأمريكية، جاء الرد صادماً أيضاً، لكن لأسباب مختلفة. فمنذ صيف عام 1969، كان (توم ستافورد) رئيس كتيبة رواد الفضاء في وكالة «ناسا»، وكان مسؤولاً عن الإشراف على مسار الجهود المتعلقة بالرحلات الفضائية المأهولة عقب بعثات برنامج أبولو التي هبطت على القمر. كانت الولايات المتحدة الأمريكية تتهيأ لإطلاق محطة «سكاي لاب Skylab»، وهي محطة فضائية كبيرة، في عام 1973. من المفترض أن تمضي مجموعة مؤلفة من ثلاثة رواد فضاء شهراً أو شهرين على تلك المحطة، وكان عليهم إجراء عددٍ من الدراسات العلمية والطبية البيولوجية المتعلقة بانعدام الجاذبية.

أثناء وقوع حادثة «سويوز 11»، كان (ستافورد) في زيارة إلى أوروبا مع زوجته وابنتيه، وكان من المفترض أن يحضر مؤتمر الاتحاد الدولي لعلوم الطيران في بلغراد.

كتب (ستافورد) التالي: ”قبل أن أصل إلى بلغراد، سمعت الأخبار… رواد فضاء توفوا عقب عودتهم إلى الأرض. خشيت في البداية أن يكون الإجهاد الذي تعرض له هؤلاء خلال رحلتهم الطويلة هو ما سبب موتهم، وتساءلت ماذا سيعني ذلك بالنسبة لمشروع Skylab الخاص بنا وطاقم رواد الفضاء الذي من المفترض أن يمضي أكثر من شهر. من الواضح أننا أردنا الوصول إلى المزيد من المعلومات، غير تلك الواردة في الأخبار“.

في هيوستن، بالولايات المتحدة، كان للطيار ورائد الفضاء (ديك سلايتون) رأي مشابه: فقبل عام من الحادثة، بالكاد تمكن رائدا الفضاء (نيكولاييف) و(سيفاستيانوف) من الوقوف بعد عودتهما إلى الأرض من بعثة دامت 18 يوماً فقط، واليوم عاد (دوبروفولسكي) و(فولكوف) و(باتسايف) إلى الأرض موتى عقب بقائهم لـ 24 يوماً في الفضاء. كتب (سلايتون) في سيرته الذاتية المعنونة «ديك»: ”هل يسبب انعدام الجاذبية لفترات طويلة من الوقت موت الإنسان؟“.

جنازة رسمية

الجنازة الرسمية الفخمة والتوابيت الثلاثة التي احتوت جثث رواد الفضاء. صورة: Joachim Becker/SpaceFacts

لم تكن المعلومات القادمة من الاتحاد السوفياتي ذات أهمية كبيرة، فهي أساساً لم تعطِ صورة دقيقة عن الوضع، لكنها لم تستطع في المقابل إخفاء الحقيقة والكارثة الكبرى. لكن حتى تلك الحقيقة، جاءت على شكل تقرير أولي حاول السوفيات من خلاله التقليل من وقع الأزمة، وتذكير الشعب بنجاح المهمة حتى مع وفاة الرواد. حيث جاء التقرير كالتالي: ”ذكرت وكالة «تاس» وفاة طاقم مركبة سويوز 11…، وبعد نقاش مطول حول النجاح الخارق الذي حققته البعثة وعملية إعادة الدخول إلى الأرض… وعندما فتح المسعفون القمرة، عثروا على طاقم المركبة في مقاعدهم ولا علامات على بقائهم على فيد الحياة. يجري الآن تحديد أسباب وفات طاقم المركبة….“

في روسيا، اعتُبرت الحادثة كارثة كبرى، وسببت موجة من الحزن. فكان الناس يبكون في الشوارع، خاصة أنهم شاهدوا رواد الفضاء الثلاثة لمدة تزيد عن 3 أسابيع عبر شاشات أجهزة التلفاز، فتوقعوا أن يعود هؤلاء البشر الأبطال إلى الأرض، وليس مجرد جثث باردة. وكان الهدف الأكبر من هذه البعثة هو الرد على بعثات أبولو الأمريكية، وإثبات أن الاتحاد السوفياتي لا يزال في صدارة مجال سباق الفضاء والبعثات المأهولة. وهكذا، بدلاً من إقامة حفل تكريمي لهؤلاء الرواد الثلاثة، حضر الشعب السوفياتي والحكومة 3 جنائز.

عقب تشريح الجثث في مستشفى بوردينكو العسكري في موسكو، توصل الأطباء إلى تشخيص للجثث الثلاث، فقد أُصيب رواد الفضاء بنزيف دموي في الدماغ ونزيف تحت الجلد وضرر في غشاء الطبل ونزيف في الأذن الوسطى. كتب (إيفانوفيتش): “كان النتروجين مفقوداً تماماً من دماء الضحايا الثلاثة، كما يبدو أن الحرارة الشديدة أدت إلى غليان النتروجين والأكسجين وثنائي أكسيد الكربون ووصولها جميعاً إلى الدماغ على شكل فقاعات. تشكل الغاز في الدم هو إحدى علامات انخفاض الضغط السريع. احتوى دم الرجال الثلاثة على كميات هائلة من حمض اللبن، 10 أضعاف الحد الطبيعي تقريباً، وذلك دليل على نقص الأكسجين وتعرض الرواد إلى قلق عاطفي رهيب جداً.

بعد مرور يومٍ تقريباً على الحادثة، وُضعت جثث الرواد الثلاثة في المقر المركزي للجيش السوفياتي، وغُطي كل رائد ببلدة مدنية احتوت على نجوم ذهبية تدل على وسام «بطل الاتحاد السوفياتي». احتوى جسد (باتساييف) علامات ودلائل واضحة على الصدمة التي تعرض لها: فهناك الكثير من العلامات الزرقاء الغامقة، أشبه بما يحدث عند تعرض الإنسان لرضة كبيرة، لدرجة أن اللون الأزرق غطى وجنته اليمنى بالكامل. تجمع سكان موسكو الذين حلّت بهم الفاجعة مع عائلات الضحايا والسكرتير العام للاتحاد السوفياتي حينها (ليونيد بريجينيف) الذي وضع يديه على عينيه من شدة الحزن، وكانت توابيت الرواد الثلاثة مفتوحة في جنازة عامة. في تلك الأثناء، تلقى (توم ستافورد) كلمة من (مالكولم توون)، وهو السفير الأمريكي في الاتحاد السوفياتي، وقال له الأخير أنه سينوب عن الرئيس الأمريكي (ريتشارد نيكسون) لحضور الجنازات الثلاثة.

قبل 4 أعوام من الحادثة، عرضت إدارة الرئيس الأمريكي حينها (ليندون جونسون) إرسال رائد فضاء إلى جنازة (فلاديمير كوماروف) –الذي توفي جراء فشل فتح المظلة عند هبوطه في مركبة سويوز 1 واصطدامه بالأرض عام 1967، فكان أول رائد فضاء يموت في رحلة فضائية –لكن الحكومة السوفياتية حينها رفضت العرض وادعت أنها مسألة داخلية وخاصة.

لكن عقب تحسّن العلاقات نسبياً بين القوتين العظمتين، وإثر حادثة سويوز 11، حضر (ستافورد) إلى موسكو وسافر ضمن ليموزين رائد الفضاء (جورجي بيريغوفوي) مباشرة لحضور الجنازة، بل أنه شارك في حمل النعش لوضعة ضمن جرار عملاقة احتوت رماد رواد الفضاء لدفنها في جدار الكرملين. يحتوي الكرملين مقبرتين جماعيتين فقط لرواد الفضاء، إحداها لطاقم سويوز11، والأخرى تحوي رفاة طاقم مؤلف من ثلاثة رجال تابعين لبعثة المنطاد أوسوافياخم 1، والذين لاقوا حتفهم عام 1934 عقب تحطيمهم حينها رقماً قياسياً في الارتفاع ضمن الجو.

تمديد رحلات الفضاء

حينما حصلت الجنازة، كان من الواضح أن موت رواد الفضاء ناجم عن خلل ميكانيكي بالمركبة الفضائية، ولا علاقة أبداً لحالة الفرد النفسية أو تعرّض رواد الفضاء المطول لانعدام الجاذبية. كان الطبيب (تشاك بيري) العامل لدى وكالة «ناسا» واثقاً تماماً منذ البداية أن السبب لا يكمن أبداً في العوامل النفسية، وأشار إلى احتمال وصول مادة سامة ما إلى مركبة الهبوط، تحديداً مع تعفن الجثث، كما أكدت الفحوصات الشرعية اللاحقة التي أُجريت على الجثث ذلك.

من سخرية القدر أن (دوبروفولسكي) و(فولكوف) و(باتساييف) ربما عاشوا لو توفرت لهم بذات فضاء! أصبح هذا الأمر واضحاً بعد صدور تقرير اللجنة التي يترأسها (مستيسلاف كيلديش) بعد عدة أسابيع للتحقيق في الحادثة. أنشأت الحكومة 10 لجان فرعية للتحقيق في جميع احتمالات وقوع الحادثة، على الرغم من أن الأطباء ادعوا فوراً أن سبب الموت هو انخفاض الضغط –نظراً لحالة الجثث. لكن الأخصائيين الذين وصلوا من موسكوا إلى موقع الهبوط في الأول من شهر يوليو أكدوا عدم وجود أي شقوق أو ثقوب في مركبة الهبوط!

وفقاً للبيانات التي استُخرجت من جهاز الذاكرة على متن مركبة الفضاء، فانفصلت الوحدة المدارية عن المركبة على ارتفاع يُقدر بـ 80 ميل (128.75 كيلومتر) واستمر لمدة 0.06 ثانية. كتب (إيفانوفيتش): ”بدأ الضغط في وحدة الهبوط بالانخفاض بسرعة في تلك اللحظة. في الساعة الـواحدة و47 دقيقة صباحاً (بتوقيت موسكو)، قبل ثانيتين من إلقاء الوحدة المدارية، كان الضغط في وحدة الهبوط 915 ملم زئبقي، وذلك طبيعي. لكن بعد مرور 115 ثانية تقريباً، انخفض الضغط إلى 50 ملم زئبقي واستمر بالانخفاض. بالتالي، لم يكن هناك أي هواء في القمرة!“.

ربما حدث انخفاض الضغط إما بسبب فتح إحدى فتحات التهوية مبكراً، والموجودة أعلى وحدة الهبوط، أو ربما بسبب تسرب الهواء من القمرة. عندما أدلى رئيس التصميم (فاسيلي ميشين) أمام «لجنة كيلديش» في السابع من يوليو، عرض عليهم مخططات ورسوماً بيانية تثبت احتمال وقوع السبب الأول (الفتح المبكر لفتحات التهوية). من غير المرجح أن يسبب أحد الأوامر الخاطئة فتحات التهوية مبكراً، لأن الفتحتين تعملان عبر نفس الدارة الكهربائية. وعندما نأخذ بالحسبان ثخانة أنبوب التهوية وحجم وحدة الهبوط، وحقيقة أن الهواء خرج من الوحدة بسرعة الصوت، بإمكاننا الاستنتاج أن الضغط في القمرة انخفض تقريباً حتى الصفر، ما أدى إلى مقتل الطاقم خلال أقل من دقيقة.

تدل وضعيات الرواد في القمرة على محاولة (دوبروفولسكي) و(باتساييف) فك رباط المقعد حتى يتمكنا من إغلاق الفتحة، لكنهما لم يتمكنا من التحرك بسرعة. في لحظة انفصال الوحدة المدارية عن المركبة، كان ضغط الرواد الثلاثة مختلفاً: فتراوح ضغط (دوبروفولسكي) بين 78 إلى 85، و(باتساييف) بين 92 و106، بينما كان ضغط (فولكوف) 120. بعد مرور عدة ثوانٍ، عندما أدرك الرواد تسرب الهواء، ارتفع ضغطهم بشكل دراماتيكي، فوصل لدى (دوبروفولسكي) إلى 114، و(فولكوف) إلى 180 –ما أدى إلى تلك النهاية السريعة. بعد مرور 50 ثانية على انفصال الوحدتين، انخفض ضغط (باتساييف) إلى 42، ما يشير إلى معاناته من عوز الأكسجين، وبعد مرور 110 ثوان، توقفت قلوب الرجال الثلاثة كلياً.
من المريح الاعتقاد أن موت رواد الفضاء جاء سريعاً وبدون ألم، لكن في الحقيقة، خلخلة الضغط على ارتفاعات عالية والتعرض للفراغ في الفضاء يسبب الكثير من الألم.

لا تزال تقارير التشريح الطبي الرسمية من مستشفى بوردينكو العسكري سرية، بالإضافة إلى الكثير من الوثائق المتعلقة بالحادثة، لكن عدداً من التخمينات برزت على السطح. لنشرح لكم ما تعرض إليه هؤلاء: على الأرجح أن (دوبروفولسكي) و(فولكوف) و(باتساييف) تعرضا في البداية إلى ألم شديد في الرأس والصدر والبطن، ثم ثُقب غشاء الطبل في آذانهم وبدأ الدم بالتدفق من أنوفهم وأفواههم. كتب (إيفانوفيتش): ”جراء تفريغ غاز الأكسجين من الأوعية الدموية التي تغذي الرئتين، فعلى الأرجح أن الرجال ظلوا على قيد الحياة وواعين لمدة 50 إلى 60 ثانية. لكن ربما حاولوا التحرك وحلّ مشكلتهم خلال الثواني الـ 13 الأولى، وتلك هي الفترة التي يستغرقها الدم المحروم من الأكسجين للانتقال من الرئتين إلى الدماغ“.

كان موضع (دوبروفولسكي) و(باتساييف) مثالياً للوصول إلى فتحات التهوية وإغلاقها، لكنهما على الأرجح لم يعرفا مصدر التسرب، ولم يمتلكا سوى بضعة ثوانٍ لإنقاذ الوضع. ربما تذكر الرواد الثلاثة مشكلة واجهتهم في سد قفل الهواء سابقاً، ما دفعهم ربما إلى إضاعة الوقت على العطل السابق”. بالمناسبة، حاول (أليكسي ليونوف) بعد وقوع الحادثة إغلاق واحدة فقط من فتحات التهوية بشكل يدوي، واستغرق الأمر 52 ثانية! ما يعني أن رواد الفضاء سيفقدون حياتهم حتى لو تمكنوا من معرفة المشكلة!

الإرث الذي خلفته حادثة سويوز 11

طوابع سوفياتية تخلد ذكرى الرواد الثلاثة. صورة: Wikipedia

بعد مرور سنتين، أي في عام 1973، أدرك الإعلام الغربي، وتحديداً صحيفة واشنطن بوست، أن فتحات التهوية هي سبب الكارثة. لكن بالعودة إلى عام 1971 عقب انتهاء تقرير لجنة كيلديش، وُضع عدد من المقترحات التي أوصي بتطبيقها في البعثات الفضائية اللاحقة. أولاً، يجب أن تكون فتحات التهوية أكثر ثباتاً خاصة من ناحية تحمل الصدمات. ثانياً، يجب أن تحوي المركبة خوانق سريعة تعمل على إغلاق فتحات التهوية يدوياً خلال ثوانٍ فقط. وأخيراً، وهو أمر شديد الأهمية، على رواد الفضاء ارتداء بذات الفضاء في جميع مراحل البعثة التي من المحتمل أن تتسبب بخلخلة في الضغط.

وفي استجابة على التوصيات الأخيرة، طورت السوفيات بدلة Sokol–K خفيفة الوزن والتي يتم تصنيعها وفقاً لمقاس كل رائد فضاء. صُمم نموذج تجريبي من البدلة خلال أسابيع من وقوع الحادثة، وفي ربيع عام 1972، خضعت لجميع الاختبارات وتم اعتمادها رسمياً. ومنذ عام 1971، لم يفقد أي رائد (أو رائدة) فضاء حياته جراء خلخلة الضغط داخل المركبة، ما يثبت فعالية البدلة، فهي مزودة بالأكسجين النقي أو مزيج غني بالأكسجين.

حتى أن الأمريكان أدخلوا تعديلات على بعثة أبولو 15 القمرية، والتي كان من المفترض إطلاقها بعد أسابيع من حادثة سويوز 11، تحديداً في شهر يوليو من عام 1971.