علوم

لماذا أرسلت وكالة ناسا لتوها شحنة من الحيوانات المنوية إلى الفضاء؟

حيوانات منوية في الفضاء
صورة: من قناة Pop Trigger على يوتيوب

عندما قامت مهمة (سبايس آكس) الأخيرة بزيارة محطة الفضاء الدولية من أجل تزويدها بالمؤونة اللازمة، تضمنت شحنتها التي بلغ وزنها 3631 كيلوغراما معدات لدراسة العواصف الرعدية من الفضاء الخارجي، ومعدات زراعة الخضروات في مدار الكرة الأرضية، وهي نوع الأغراض التي قد تتوقع أن يكون رواد الفضاء في حاجة إليها خلال أبحاثهم.

لكن هذه الشحنة تضمنت إلى جانب هذه الأغراض أمرا غير مألوف، وهي حاويات مملوءة بعينات من الحيوانات المنوية المجمدة التي تعود لـ12 متبرعا بشريا مجهولا، تم الحصول عليها من أحد بنوك الحيوانات المنوية في ولاية (كاليفورنيا) الأمريكية، إلى جانب ستة عينات من حيوانات منوية تعود للثيران الملقحة.

من المقرر أن يتم استعمال هذه العينات خلال تجربة علمية محددة تحت اسم (ميكرو 11)، حيث سيقوم العلماء خلال هذه التجربة بإزالة الجليد عن هذه الحيوانات المنوية ثم يضيفون إليها المواد الكيميائية التي تحفز تفعيل حركيتها وتحضرها للالتحام مع البويضة، ثم سيقومون بوضع هذه الحيوانات المنوية تحت المجهر ليتمكنوا من تصوير شريط فيديو لها وهي تسبح.

حيوانات منوية تعود للثيران الملقحة

حيوانات منوية تعود للثيران تحت المجهر

بالإضافة إلى ذلك سيقوم الباحثون بإجراء بعض التجارب الكيميائية والاختبارات، بينما يكون باحثون آخرون هنا على الأرض في نفس الوقت بصدد إجراء نفس التجارب والاختبارات باستعمال نفس العينات المتطابقة على وجه المقارنة.

القدرة على التلقيح هي المفتاح:

صممت هذه التجربة لتمكين الباحثين من دراسة القدرة الحركية للحيوانات المنوية وقدرتها على السباحة في الجاذبية الضعيفة في مدار الأرض، وكذا تمكينهم من معرفة مدى نجاعة هذه الحيوانات المنوية في إطلاق التغييرات الفيزيولوجية التي تعرف باسم ”القدرة التلقيحية“، والتي تخولها من الولوج واختراق جدار البويضة وتخصيبها، وهذا وفقا لمقال مفصل نشر على موقع (ناسا) الرسمي.

بإمكان هذه المعلومات المتحصل عليها من خلال هذه التجربة المساعدة على الإجابة على السؤال الباحث في إمكانية البشر في التكاثر في حالة ما استقروا في مستعمرات مستقبلية على القمر أو المريخ، أو إذا ارتحلوا إلى مناطق أبعد من ذلك في عمق الفضاء.

يقول (جو تاش)، وهو بروفيسور سابق في كلية الفيزيولوجيا الجزيئية والتكاملية في المعهد الطبي لدى جامعة (كانساس): ”إذا لم تكن تتمتع بحيوانات منوية صحية، فإمكانية تكاثرك على مدى أجيال في الفضاء الخارجي في مواجهة خطر وتهديد كبيرين“، وكان (تاش) هو الباحث الرئيس في هذه التجربة منذ التخطيط لها أول مرة، ويواصل الآن الإشراف عليها كمستشار.

وفقا للباحثين لدى معهد (آميس ريسيرش) التابع لوكالة (ناسا) في (وادي السيليكون) في كاليفورنيا المشاركين في تجربة (ميكرو 11) فقد كانت وكالة (ناسا) تجري الأبحاث على علم الأحياء التكاثري والتطوري في الفضاء الخارجي منذ تسعينات القرن الماضي. في إحدى هذه الدراسات والأبحاث التي أجرتها، والتي نشرت في العدد المنشور في يوم 14 مارس سنة 1995 من مجلة الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم، تم تحفيز إناث الضفادع على متن مركبة فضائية للإباضة حتى يتم تخصيب بيوضها، وأظهرت نتائج ذات الدراسة أن دوران البويضة الملقحة الناتج عن قوة الجاذبية لم يكن ضروريا في تطور ونمو شراغيف -صغار الضفادع- بأجسام طبيعية قادرة على السباحة بحرية تامة.

تعتبر تجربة (ميكرو 11) أول بحث يتضمن إرسال حيوانات منوية بشرية إلى الفضاء الخارجي -إلى جانب تلك الموجودة في أجسام رواد الفضاء بالطبع-، وهذا على الرغم من أن أبحاثا سابقة تضمنت إرسال حيوانات منوية خاصة بأنواع مختلفة من الحيوانات.

شخصية كرتونية (سمبسون) يمتطي حيوانا منويا في الفضاء بينما يرتدي بزة رواد الفضاء

تجربة (ميكرو 11)

يقول (تاش) بأنه في ثمانينات القرن الماضي، أطلق باحثون ألمانيون حيوانات منوية تعود لثيران ملقِّحة في الفضاء لتدور في مدار الكرة الأرضية وأخضعوها لوقت موجز لم يتعدى دقيقة ونصف لانعدام الجاذبية، وهو الأمر الذي تم تسجيله في شريط فيديو.

ثم في سنة 1997، أرسل (تاش) نفسه وزملاؤه عينات من الحيوانات المنوية لقنفذ البحر في مهمتين منفصلتين على متن مركبتين فضائيتين، وخلال هاتين التجربتين لم يكن متاحا تسجيل شريط فيديو تحت جهاز الميكروسكوب لانعدام الإمكانيات اللازمة آنذاك، لذا بدلا من ذلك، تفحص الباحثون عملية ”نقل الإشارة“، وهي الآلية الجزيئية التي تتضمنها خلايا الحيوانات المنوية التي تخبرها متى تبدأ في تحريك ذيولها.

أفضت نتائج كل من الأبحاث الفضائية التي أجراها الألمانيون وفريق (تاش) في وقت سابق إلى أن الحيوانات المنوية كانت تسبح بسرعة أكبر في الجاذبية الضعيفة، لكن خلال واحدة من التجارب التي أجراها (تاش)، اكتشف ما قد يكون بالفعل عائقا كبيرا أمام عملية التكاثر في الفضاء: عندما تم تعريض مني قنفذ البحر لمركبات كيميائية تعرف باسم الـ(بيبتيدات) والتي تطلقها البويضة الأنثوية، كانت الإشارة الكيميائية التي تفعّل عملية الإلقاح -وهي جزء هام جدا من عملية التكاثر- بطيئة بشكل كبير.

وفقا لـ(تاش)، ستعمل تجربة (ميكرو 11) على جمع البيانات حول تأثير الجاذبية الضعيفة على سباحة الحيوانات المنوية وكذا على قدرتها التلقيحية بشكل منفصل.

التعرض للإشعاعات مشكلة أخرى:

لا تمثل الجاذبية العائق والمشكلة الوحيدة أمام سبيل التكاثر في الفضاء، فخارج أحزمة (فان آلان) التي تشكل درعا واقيا يحيط بالأرض ويمنع عنها الجزيئات المشحونة بالإشعاعات العالية القادمة من الفضاء الخارجي، قد تشكل الإشعاعات الكونية مشكلة كبيرة وحقيقية، ففي خلال دراسة نشرت نتائجها في الـ20 من شهر مايو سنة 2017 في مجلة (التكاثر)، اكتشف الباحثون أن التعرض للجزيئات المشحونة بالإشعاعات الكونية التي يعج بها الفضاء الخارجي تسبب في حدوث أضرار جسيمة على مستوى المبايض لدى إناث فئران المخابر.

تقول (أولريك لوديرير) الباحثة الرئيسة في هذه الدراسة: ”اكتشفنا من خلالنا بحثنا أن المبايض تضررت بتعرضها لجزيئات الأوكسيجين أو الحديد المشحونة، والتي تعد من مكونات الإشعاعات الكونية في المجرة“، وأضافت (لوديرير) بروفيسورة الطب البشري وعلم الأحياء التطوري الخلوي في جامعة (كاليفورنيا): ”وكانت هذه الأضرار غير قابلة للإصلاح كما لم يكن بالإمكان تجنبها، والتي تتسبب غالبا في فشل المبيض“.

كما قالت (لوديرير) أن جميع الدراسات التي تناولت كلاًّ من البشر والحيوانات أثبتت بالأدلة أن التعرض لإشعاعات (غاما) وجزيئات الحديد المشحونة تسبب في انخفاض حركية الحيوانات المنوية.

لكن حتى لو أصبح من الممكن حدوث الحمل في الفضاء، فقد يتحول هذا الحمل وعملية الولادة التي ترافقه إلى مشاكل هي الأخرى، حيث يقول كذلك في هذا الصدد (كريس لينهاردت) عضو مجلس كلية الطب في جامعة (بايلور) في معهد طب الفضاء أنه ليس معلوما بشكل قاطع كيف لجنين أن يتطور في الفضاء أو ما إذا كانت الولادة الطبيعية أمرا محتملا.

المصادر

عدد القراءات: 5٬696