علوم

هل أكل لحوم البشر مفيد للصحة؟

شخص يتناول قطعة لحم

قد تظن أن تناول لحم جنسك من البشر فكرة سيئة، فالبقاء والاستمرار في هذا العالم صعب بما فيه الكفاية حتى يتعين عليك القلق حيال أن تكون هدفا بالنسبة لأفراد مجتمعك أنفسهم، الذين سيحاولون تصفيتك والتغذي على جسمك، فالكثير من الحيوانات في الطبيعة تعتبر من آكلات لحوم جنسها، ابتداء من بعض الحشرات التي تتغذى على أزواجها، إلى الفئران التي تأكل حتى صغارها، وصولا الثديات الكبيرة، وهو الأمر الذي جعل العلماء يشكون في أن أكل لحم جنسك قد يكون من ورائه بعض الفوائد نظرا لانتشاره في الطبيعة، وبعد كل شيء نحن لسنا سوى مجموعة من الثدييات.

قد تفاجئك عزيزي القارئ معرفة أن لتناول لحوم البشر فوائد كثيرة على الرغم من كون الفكرة تسبب الغثيان والتقزز نوعا ما، كما أنها تحوم حولها الكثير من العوامل الأخلاقية، لكن دعنا نضع جانبا هذه المعايير الأخلاقية والاجتماعية وننظر إلى الموضوع من ناحية بيولوجية بحتة؛ أعلم أن الأمر صعب عليك قليلا عزيزي القارئ، لكن عليك المحاولة، على الأقل لإشباع فضولك في المعرفة.

وجد العلماء بعض الأدلة التي تفيد بأن تناول لحوم البشر له بعض الفوائد بالنسبة للبشر أنفسهم، فقد كانت بعض الحضارات البشرية الغابرة تتبع ممارسة تناول لحوم البشر، ومن بقايا هذه الحضارات وآثارها عثر العلماء على دلائل تشير إلى كون لحوم البشر شكلت في السابق ما يمثل عشرة بالمائة من مكونات حمياتها الغذائية، أي أن تناول لحوم البشر لم يكن يقتصر على ممارسات شعائرية فحسب.

رسومات لما يشبه البشر وهم يتناولون لحوم البشر

كما وجدت هذه الدراسات أن القيمة الغذائية للبروتينات التي يحتوي عليها لحم البشر تتجاوز القيمة الغذائية للحوم الحيوانات الأخرى التي تساوينا حجما، وذلك ناهيك عن كون عدد السعرات الحرارية التي بإمكان الجسم استخلاصها منها يكون متساويا لدى الحيوان والإنسان، ومنه ستتحصل على نفس القدر من الطاقة لدى تناولك ”إنسانا“ مثل ما قد تتحصل عليه لدى تناولك غزالة صغيرة.

لدى اللحم البشري ميزاته الخاصة المتفردة فيما يتعلق بالبروتينات والدهون والمكونات الغذائية الأخرى التي يحتوي عليها، فكلما كانت وجبتك قريبة جينيا إليك، كلما تطابقت المزايا الغذائية الخاصة بها مع احتياجاتك، مما يجعل من اللحم البشري أفضل أنواع اللحوم المغذية بالنسبة للبشر أنفسهم.

درست كذلك العديد من الدراسات الكثير من الحيوانات آكلات اللحوم، ووجدت أن هذه الأخيرة كانت تتمتع بصحة أفضل عندما كانت تتغذى على أفراد جنسها الأقرب إليها، لكن توجد مشكلة واحدة كبيرة تتعلق بتناول لحوم أفراد نوعك؛ وهي ”الأمراض“، لأنه عندما تكون وجبتك قريبة جدا إليك جينيا فإن احتمال حملها للأمراض التي يمكنك التقاطها كبير جدا، وهذا ما كان قد حدث بالفعل لدى شعب (بابوا) في (غينيا الجديدة)، حيث تفشى بينهم مرض أطلق عليها اسم (كورو) الذي اشتق من مصطلح محلي للدلالة على ”الارتعاش“، وهي رجفات ورعشات كانت من بين أعراض هذا المرض.

شعب بابوا

شعب بابوا

تضمنت أعراض مرض (كورو) كذلك تغير نمط المشي لدى المصابين، بالإضافة إلى الكلام غير المفهوم، وعدم الاستقرار العاطفي والضحكات الغريبة بدون سبب، ثم أخذت هذه الأعراض في التفاقم إلى أن أصبحت تتسبب في الوفيات في نهاية المطاف، وفي ذروة انتشار وباء (كورو) كان المئات يلقون مصرعهم في كل سنة.

منذ ذلك الحين، وبعد إجرائهم للعديد من الدراسات، وجد العلماء أن (كورو) كان يندرج ضمن ما يعرف بـ(الأمراض البريونية) و”البريون“ هو عبارة عن جسيم بروتيني معدٍ، الذي من أمثلته كذلك مرض ”جنون البقر“.

إن البريونات هي عبارة عن بروتينات طويت بشكل خاطئ، وهو الأمر الذي لا يشكل أي مشكلة عدا عن كون هدمها يستعصي كثيرا على أجسامنا، وعندما تحتك هذه البروتينات ذات الطي الخاطئ مع البروتينات المطوية بشكل سليم من نفس نوعها، فهي تجعل هذه السليمة تنطوي بشكل خاطئ كذلك.

تتكدس هذه البروتينات غير السليمة في الدماغ وتتسبب في تشكل ثقوب تدمر بدورها الخلايا العصبية، ويتطور المرض إلى أن يؤدي إلى هلاك الشخص المصاب في نهاية المطاف.

لا تعتبر الأمراض البريونية معدية إلا إن تناولت شيئا ما يحتوي على بروتينات مطوية بشكل خاطئ، وفيما يتعلق بحالة شعب (بابوا)، وجد العلماء أن مرض (كورو) انتشر بسبب أن أفراد هذا الشعب كانوا يمارسون تقليد تناول لحوم الموتى من أقربائهم وأحبائهم ظنا منهم أنهم بذلك يخلدون ذكراهم ويشرفونهم، واستمرت هذه الممارسة حتى خمسينات القرن الماضي.

كما اكتشف الباحثون كذلك أن كبار السن منهم الذين نجو من الإصابة بهذا المرض تطورت لديهم مناعة خاصة ضد الإصابة بالأمراض البريونية. وجد العلماء كذلك تغيرات مماثلة في جينومات الكائنات في مناطق أخرى من الأرض، مما يقترح أن الأمراض البريونية على شاكلة مرض (كورو) لطالما شكلت جزءا من تاريخنا التطوري.

لكن الأمراض البريونية ليست العامل الوحيد الذي قد يجعل تناول لحم البشر خطيرا جدا، وهنا تتعقد الأمور أكثر، فهناك الكثير من الأمراض القوية التي تنتشر بمجرد ملامسة الشخص المريض فما بالك بتناوله على وجبة.

لكن على الرغم من تعدد حالات تناول الكائنات للحوم جنسها، وكذا تناول البشر للحوم البشر، عثر الباحثون على بعض الأمثلة القليلة فقط عن كونها تتسبب في انتشار الأمراض والأوبئة، وذلك على عكس ما توقعوه تماما، فوفقا لدراسة نشرت على مجلة (باحث الطبيعة الأمريكي) American Naturalist في العام الفارط، فقد يكون هناك سبب جيد يدفع للإعتقاد بأن تناول لحوم البشر قد يحمي الأشخاص من الإصابة بأمراض خطيرة كذلك، وذلك لأن تناول لحم شخص ما يخلص المجتمع من الأمراض التي يعاني منها هذا الشخص ”الوجبة“.

بالتأكيد قد يعرضك تناول لحم شخص ما لخطر الإصابة ببعض الأمراض على غرار الأمراض البريونية، لكن في الوقت نفسه أنت تقوم بحماية بقية أفراد جنسك من الاحتكاك بذات المرض والإصابة به، فتعجز الكثير من الميكروبات عن النجاة من أمور على شاكلة الطهو أو العصائر الهضمية التي تحتوي عليها معداتنا، أضف إلى ذلك أن إزالة الفرد المصاب بالعدوى من المجتمع من خلال موته والتخلص من جثته عبر أكلها يعني أنك خلصت المجتمع من مصدر محتمل لانتشار الأمراض.

شخص يطهو وجبة

طهو الطعام ثم عصائر معداتنا هي حواجز قوية لمنع انتشار الميكروبات – صورة: imissaerith/Flickr

لذا استنتج الباحثون أن تناول لحم جنسك قد يبطئ من وتيرة انتشار بعض الأمراض، أو حتى يساعد في التخلص منها نهائيا، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار أنه قد يبقى عليك القلق حول الأمراض البريونية الذي لن يزول، لكن القابلية على التخلص من الأمراض الأخرى قد يجعل من الأمر يستحق المجازفة.

لذا كلما درسنا موضوع أكل البشر للحوم جنسهم كلما اكتشفنا بأنه قد يجلب بعض الفوائد الصحية الفيزيولوجية، غير أننا لا ننصح أيا كان بمحاولة القيام بذلك، فهو على الرغم مما قد يجلب من فوائد مغذية وصحية يبقى خطيرا للغاية، وعندما يتعلق الأمر بالوقاية من الأمراض، أعتقد أن الطب الحديث يقوم بعمل جيد في هذا الصدد، وأكثر فعالية من تناول مصدر المرض على وجبة العشاء.

عدد القراءات: 1٬542