اجتماعيات

كيف ساهم المحصول الذي زرعه أجدادك في تشكيل شخصيتك

نظرية الارز

لنجرب اختبارا سريعا: فكر في علاقاتك الإجتماعية (أسرتك، أصدقائك، جيرانك، زملائك في الدراسة أو العمل ..إلخ) في حدود 10 أو 15 شخصا، ثم أحضر ورقة وقلما وابدأ في عمل رسم بياني لتلك الشبكة من العلاقات، بحيث أنك وكل شخص حولك ممثل بدائرة، ثم تتصل الدوائر ببعضها عن طريق خطوط تعبر عن معرفة الشخصين ببعض.

حين تنتهي انظر إلى رسمتك، وتحديدا إلى الدائرة التي تمثلك أنت، كيف تبدو مقارنة بدوائر الآخرين: أكبر أم أصغر أم بنفس الحجم؟

تظهر الدراسات أن حجم دائرتك —مقارنة بدوائر الآخرين تعكس سمة مهمة في شخصيتك وهو مدى تركيزك على نفسك وميلك إلى الفردية، في مقابل شعورك الجماعي بالآخرين ودرجة اعتمادك عليهم؛ حين تم عمل الإختبار مع جنسيات مختلفة وُجد أن الأوروبيين عموما يرسمون أنفسهم أكبر من غيرهم، ومع الأمريكيين تزداد نسبة تضخم الذات مقابل الآخرين، بينما اليابانيون —بتواضع يميلون إلى رسم الدوائر التي تمثلهم بشكل أصغر مقارنة بالآخرين.

ولكن المدهش أن هذا الإختبار (وغيره، كما سنرى) يمكن أن يكون مؤشرا على سمة أخرى تخصك، وهي نوع المحصول الذي تعتمد عليه في غذائك.

العقلية الشرقية مقابل العقلية الغربية

منذ القدم لوحظ أن الغرب و الشرق بينهما اختلافات جذرية في التفكير، فالغربيون (في أوروبا والولايات المتحدة) يتميزون بالفردية والإستقلالية والإعتماد على النفس، بينما في المجتمعات الشرقية (مثل الهند واليابان والصين) نجد أن الناس يرون أنفسهم جزءا من نسيج محيط يندمجون فيه ويعتمدون عليه، لا يتمايزون عنه.

هذا الإختلاف ينتج عنه رؤى مختلفة للوجود، فبينما الشرقيون عموما لديهم رؤية للعالم كلّية شاملة متجذرة في التقاليد والفلسفات والأديان مثل الطاوية والكونفوشية، نجد أن الغربيين يميلون للتفكير بشكل أكثر تفكيكية وتحليلية كما يبدو من إرثهم الثقافي في الفلسفة النفعية والإختزالية وغيرها.

الشرق ضد الغرب

صورة: Bratislav Milenkovic

باختصار يُقال أن الغرب يفكر بشكل فردي تحليلي والشرق يفكر بشكل جماعي كلّي؛ ذلك التمايز حقيقي وتم إثباته في دراسات نفسية واجتماعية كثيرة: فعلى سبيل المثال في 2010 نُشرت دراسة في دورية علوم السلوكيات والمخ، أجراها عالم النفس جوزيف هينريش من جامعة بريتيش كولومبيا، رصد فيها أسلوب تفكير وإدراك الناس في المجتمعات التي سماها ”الغربية المتعلمة الصناعية الغنية الديمقراطية“ مقارنة بغيرهم من مواطني المجتمعات الأخرى، وأثبتت الدراسة وجود اختلافات عدة، أبرزها تباين مفهومي الفردية والإجتماعية: فيما إذا كنت تعتبر نفسك مستقلا ومكتفيا بذاتك، أم ترى نفسك متشابك ومترابط مع الآخرين من حولك.

بشكل عام (والإستثناءات موجودة) الناس في الغرب يميلون للفردية، ويعلون من شأن النجاح الشخصي فوق الإنجاز الجماعي، مما يرتبط بتأكيد على قيمة الحرية والإختيار الشخصي للإنسان؛ على الجانب الآخر في البلاد الآسيوية الناس يميلون أكثر للجماعية والتعاونية ورفع شأن الجماعة فوق الفرد.

تتجلى تلك الفوارق بأشكال متنوعة، منها مدى تقدير الذات والثقة بالقدرات، فبينما تظهر تجارب عديدة أن الغربيين يبالغون في تقدير إمكانياتهم الشخصية، نجد أن الآسيويين يميلون إلى التقليل من إمكانياتهم الشخصية بدلا من تضخيمها، كما هو الحال في اختبار الدوائر.

كذلك يظهر الفارق في تقييم النفس بشكل مستقل أو من خلال الآخرين؛ اطلب من شخص أمريكي مثلا أن يصف نفسه وستقابلك كلمات ذاتية مثل ”لطيف“، و”حيوي“، و”مجتهد“، بينما لو طلبت من ياباني نفس الشيء فستسمع تعبيرات متصلة بالمحيط، مثل ”متعاون“، و”مراعي للمشاعر“.

كذلك الحال مع الرغبة في التمايز عن الآخرين مقابل الرغبة في الإندماج معهم، كما تظهر دراسة طريفة قام بها عالم النفس الإجتماعي هازل روز ماركوس في مطار سان فرانسيسكو الدولي، حيث طلب من المارة الوافدين أن يملأو استقصاءا ما، ومنحهم مجموعة أقلام مختلفة الألوان (بأغلبية وأقلية) ليختاروا منها (مثلا أربعة أقلام برتقالية وواحد أخضر) فوجد أن ذوي الأصول الأوروبية مالوا إلى انتقاء القلم ذا اللون المميز البارز، بينما الآسيويون اختاروا القلم ذا اللون المشابه للبقية.

ويبدو أن توجهنا الثقافي يؤثر بشكل عميق في منطقنا الإدراكي عموما؛ فأهل المجتمعات الجماعية يميلون إلى الشمولية فيركزون على العلاقات والروابط والسياقات، بينما في المجتمعات الفردية نجد تركيزا على عناصر منفصلة ودوافع شخصية؛ هذا النمط في التفكير يمتد إلى كيفية تصنيف الأشياء إما بشكل تحليلي مجرد أو بشكل وظيفي عملي.

تصور لو طلب منك أن تذكر العنصرين المتصلين ضمن قائمة من الكلمات مثل ”قطار“، ”باص“، ”مسار“ (فيما يسمى ”الإختبار الثالوثي“)، فقد يظهر ذلك جانبا من أسلوب تفكيرك، حيث نجد أن الأشخاص في الغرب عادة يختارون ”باص“ و”قطار“ معا، لأن كليهما نوع من المركبات، بينما نجد أن الشرقي (المعتاد على التفكير الكلّي) قد يختار ”قطار“ و”مسار“ على أساس أنه يركز على العلاقة الوظيفية بين الإثنين، فأحدهما يخدم عمل الآخر.

بل قد تؤثر تلك الفوارق الفكرية على كيفية رؤيتك للأشياء، كما تبين من دراسة بصرية قام بها ريتشارد نيسبيت من جامعة ميتشيغان وجد فيها أن المشاركين من شرق آسيا يقضون وقتا أطول في النظر إلى خلفية صورة، مستكشفين السياق العام، بينما الأشخاص من الولايات المتحدة مالوا إلى قضاء وقت أطول مركزين على البؤرة الرئيسية في الصورة؛ فلو أريت الشخص لوحة سمكة كبيرة تسبح وسط أسماك أخرى أصغر وطحالب بحرية ..إلخ، فستجد أن الأمريكي يتذكر سمكة مركزية بالأساس (هذا ما سيلصق بذاكرته) بينما الياباني سيبدأ بتذكر خلفية الصورة ويستعيد تفاصيل أكثر عن الأعشاب والعناصر المختلفة في المشهد.

اختبار طريف آخر تضمن رسما كارتونيا لرجل مبتسم كبير الحجم، وفي الخلفية تظهر شخصيات أخرى حزينة الوجوه؛ ويتم سؤال الناظر: ”ما رأيك في هذا الشخص هل هو سعيد؟“ وُجد أن الغربي يجيب بنعم هو سعيد، بينما يميل الشرقي إلى أن الشخص غير سعيد، والفارق بين الغربي والشرقي هنا ببساطة أن الأول ينظر إلى الفرد بمعزل عن الآخرين، بينما الثاني يلاحظ السياق والخلفية والبشر المحيطين.

من أين جاء التناقض؟

وبينما يبدو أن الكل يكاد يتفق على وجود ذلك الإختلاف وتوصيفه إلا أن المشكلة كمنت في فهمه أو تفسيره، فظهرت نظريات عديدة ترجع المسألة إلى تباينات مناخية بين الشرق والغرب (أهل المناخ البارد فرديون بينما سكان المناطق الحارة متعاونون) أو بدرجة الحداثة والتقدم والثروة والرفاهة المجتمعية (كلما تقدمت الشعوب كلما نزعت إلى الفردية)، بل وظهرت نظريات ترجع الأمر تاريخيا إلى درجة انتشار الأمراض المعدية في مجتمع  ما، فلعل زيادة تلك الأمراض تجبر السكان على الإلتزام بسلوك محدد لتجنب العدوى، مما يشكل طباعا جماعية – ولكن في المجمل لا يبدو أن أيا من تلك النظريات نجحت في تفسير اللغز (على سبيل المثال فإرجاع المسألة إلى مدى التقدم والرفاهة لا يفسر انتشار الجماعية والتعاونية في بلاد غنية مثل اليابان وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية)؛ وذلك حتى قرر أحدهم أن يرجع اختلاف التفكير والإدراك والطباع إلى اختلاف في نوعية المحصول الذي يتم زراعته في المنطقة.

تلك هي نظرية توماس تالهيلم من جامعة فيرجينيا، والذي يرى أن الإختلاف بين أهل شرق آسيا وأهل أوروبا يرجع بالأساس إلى أن أجداد الشرقيين كانوا يزرعون الأرز لآلاف السنين، وهو المحصول السائد في أكثر آسيا، بينما أجداد الأوروبيين كانوا يزرعون القمح بالإضافة إلى الذرة والشعير.

زراعة الارز

ولنفهم العلاقة علينا ملاحظة الإختلاف الجذري بين تلك الأنواع من الزراعة: فزراعة الأرز عملية صعبة تستلزم عمالة كثيفة شاقة، وتحتاج إلى ري كثيف يستلزم بناء سدود وقنوات مياه متصلة تتطلب صيانة دائمة، مما يستدعي تعاونا جماعيا كبيرا بين أفراد المجتمع، لأن العائلات يتوجب عليها أن تجفف وتروي أراضيها بنفس الوقت، وبالتالي يكون هناك عقوبات ضد السلوكيات الأنانية: إذا غمرت أرضك في وقت أبكر من اللازم فإنك تغضب جارك حقا.

هذا يعني أن نظم زراعة الأرز من طبيعتها أن النجاح يصيب الجميع وكذلك الفشل يؤذي الجميع، فيتوجب على أهل القرية أن يتعاونوا على إيجاد طريقة مشتركة للتنسيق والتمويل اللازمين للحفاظ على النظام العام لحياتهم.

على الجانب الآخر فزراعة القمح، وكذلك الذرة والشعير، تحتاج نحو نصف العمالة المطلوبة لزراعة الأرز، وتعتمد بالأساس على المطر – والنتيجة أنه بينما يمكن لأسرة واحدة أن تزرع وتحصد حقلا من القمح دون مساعدة، فإن زراعة الأرز تحتاج إلى التنسيق بين قرية بأكملها.

باختصار فزراعة الأرز تعطي حافزا اقتصاديا ضروريا على التعاون والتواصل، مما ينمي ثقافة المشاركة ويفرز والترابط المنظم والإعتمادية المتبادلة بين الأسر؛ بينما زراعة القمح، والتي تستلزم تعاونا أقل، تنمي ثقافة فردية مستقلة، حيث ما يثمر هو الجهد الشخصي والإبداع والإعتماد على النفس.

حتى الآن قد نرى أن هذا الكلام يعد مجرد فرضية ضمن أخرى، بل قد نرى أنه من المستبعد تصور أن أنظمة الزراعة هي التي تشكل طباع وشخصيات وثقافات البشر – ولكن لحسن الحظ أن توماس تالهيلم جاءته فرصة لاختبار صحة فكرته بشكل واقعي مباشر.

”نظرية الأرز“

ربما يبدو لنا أن الصين عبارة عن كتلة ثقافية موحدة، ولكن يتحدث البعض عن تباين ملحوظ في الفكر والسلوك بين الأهالي في مدن الشمال ومدن الجنوب – ويبدو أن دراسة ذلك الإختلاف الثقافي (بين شمال الصين وجنوبها) قد تفتح الباب لفهم الإختلاف الثقافي الأوسع بين الأوروبيين والشرق آسيويين عموما.

عاش توماس تالهيلم لسنوات في الصين منذ 2007 حيث عمل مدرسا؛ ويحكي عن خبرتين مر بهما: حيث بدأ عمله أولا في جنوب الصين، وبعد عام انتقل إلى بكين في الشمال، وهناك لاحظ اختلافا بين سلوك الناس هنا وهناك، وأنهم في الشمال أكثر جرأة وانطلاقا وأقل تحفظا؛ فيقول ”إن كنت أتناول الطعام وحدي فقد يأتي الناس ويتحدثون إلي، بينما في مدينتي السابقة (الجنوبية) كان الناس أكثر تكتما وخجلا ومراعاة للآخرين“ وهو اختلاف يدركه السكان المحليون جيدا.

بدا له أن ذلك الإختلاف ليس سوى قمة جبل الجليد، وأنه يعبر عن تباينات أوسع في أنماط التفكير عند أهل الجنوب والشمال، فبدأ يبحث وراء الأسباب التي قد تخلق تلك التباينات، ولكن لم تبد له التقسيمة متماشية مع اختلاف واضح في مدى الغنى أوالتقدم، ولكنه لاحظ أن نهرا كبيرا يمتد شرقا وغربا (نهر يانغتزي) يبدو وكأنه يمثل حدا فاصلا بين تلك الثقافات والطباع المختلفة، ثم سرعان ما لاحظ مفاجأة أخرى وهي أن ذلك النهر نفسه يمثل حدا فاصلا بين مناطق زراعة الأرز (في الجنوب) وزراعة القمح (في الشمال)، تلك الزراعات التي تواصلت منذ آلاف السنين.

هنا بدأ تالهيلم دراسته عن هذا، والتي نشرت في دورية ”العلم“ في 2014، حيث قام بفحص أشخاص من 28 مقاطعة مختلفة من شمال الصين وجنوبها مستكشفا العلاقة بين التوجه الفكري والمحصول السائد في المنطقة.

تضمنت الدراسة مشاركة أكثر من ألف طالب جامعي، تم منح كل منهم مهمات محددة مصممة لقياس مدى ميل الشخص إلى الفردية والتحليلية أو إلى الجماعية والتفكير الكلّي، شبيهة بالتجارب الواردة أول المقال، فطُلب منهم رسم علاقاتهم الإجتماعية في شكل دوائر، وربط كلمات ذات دلالات معينة (اختبار الثالوث)، وغيرها من التجارب.

ولك أن تخمن أي من المواطنين – سكان شمال الصين أم سكان الجنوب – أجابوا بشكل يشابه إجابات الغربيين؟ إنهم أهل مناطق الشمال، مزارعو القمح.

بشكل عام قام سكان الشمال برسم دوائر ذواتهم أكبر من الآخرين، مبرزين شعورهم بالفردية، كما أنهم أظهروا أنماط تفكير تحليلية في اختبار الثالوث (ربطوا القطار مع الباص) بشكل مشابه لأجوبة لناس في أوروبا أو الولايات المتحدة على اختبارات مماثلة؛ بينما على الجانب الآخر جاءت إجابات أهل الجنوب مظهرة تواضعا وتفكيرا كليا، بشكل يتماشى مع الثقافات السائدة في اليابان أو كوريا.

والجدير بالذكر أن الدراسة اهتمت باستبعاد أي فروقات أخرى بين المشاركين، فاختارت الجميع من العرق السائد في الصين (هان)، واختارت أماكن قريبة ذات مناخ متشابه، كما أنه لا توجد اختلافات جذرية في درجة الثراء أو الرفاهية أو درجة التمدن بين المناطق، مما يشير إلى أن تلك العوامل كلها ليست هي المسؤولة عن ذلك الإختلاف في الطباع والتفكير؛ بل إن التباينات الثقافية ظهرت بين مناطق متجاورة من بعضها، لا  يميزها إلا أن أحدها تنتج الأرز والأخرى تنتج القمح.

بالإضافة لما سجلته دراسة تالهيلم، فقد لوحظت فوارق أخرى بين مناطق الشمال والجنوب الصينيين، فعلى سبيل المثال في الشمال (مناطق القمح) يوجد عدد أكبر من تسجيلات براءات الإختراعات، كما توجد نسبة أكبر من حالات الطلاق، مما يعكس إبداعا أكبر من ناحية، كما يعكس تماسكا اجتماعيا أقل من الناحية الأخرى، بشكل يتماشى مع الملاحظات السابقة.

وقد جاءته فرصة أخرى لاختبار ”نظرية الأرز“ في بلد آسيوي آخر هو الهند، والتي تحتوي تقسيما واضحا لمناطق زراعة القمح والأرز (بشكل شرقي وغربي هذه المرة)، وجاءت النتائج مماثلة وداعمة للدراسة التي تمت في الصين.

ويلخص تالهيلم الفكرة قائلا أن ”زراعة الأرز تقدم حوافز اقتصادية على التعاون؛ وعبر أجيال متعاقبة فتلك الثقافات تصبح أكثر اعتمادية على بعضها البعض“ – وذلك على الرغم من عدم وضوح أسباب ذلك التحول بالكامل، وإن كان ذو طبيعة جينية بيولوجية أم اجتماعية ثقافية.

والجدير بالذكر أن من شاركوا في تلك الإختبارات كانوا طلبة ولم يمارسوا عملا زراعيا، ولكن الملفت أن التقاليد التاريخية القديمة لمناطقهم تظل مساهمة في تشكل تفكيرهم، يقول تالهيلم: ”الثقافة تحتوي بعض القصور الذاتي.“

فرصة أوسع لفهم الثقافة والتاريخ

في نظر جوزيف هينريش (صاحب الدراسة المذكورة أول المقال عن الفارق بين نمط تفكير سكان البلاد الغربية والشرقية) والذي لم يشارك في دراسة تالهيلم، فإن الإختلافات التي ظهرت حقيقة وكبيرة، كما أعرب عن سعادته لأن باحثين مثل تالهيلم شرعوا في إعداد مشاريع كبيرة تهدف لفهم المناظير المختلفة للتفكير، وإنتاج نظرية تفسر لنا لماذا التجمعات السكانية المختلفة لديهم نفسيات مختلفة – وبرأيه فإن نظرية الأرز تحتاج إلى مزيد من الدراسات لكي نجزم بصحتها ونعلنها كحقيقة، ولكن حتى الآن فهي النظرية الوحيدة التي تدعمها بيانات منظمة ودراسات لا تتوافر للفرضيات المنافسة.

لعلها ليست فكرة جديدة أن ثقافات الشعوب تتشكل حسب نمط حياة الأجداد عبر القرون؛ فعلى سبيل المثال نجد أن حياة البداوة تنتج ما يسمى بـ”ثقافات الشرف“ والتي تميل إلى أن تكون أكثر عنفا وحرصا على السمعة، إذا ما قورنت بالثقافات الزراعية؛ وفي الولايات المتحدة مثلا فإن المناطق التي استقر بها المهاجرون القادمون من أيرلندا واسكتلندا من 200 سنة (بثقافة الشرف الخاصة بهم) قد استمرت حتى اليوم تحتفظ بمعدلات أعلى من العنف والقتل، وعلى الأخص الجرائم المتعلقة بالشرف والإنتقام.

أما بعد، فإن نظرية الأرز قد لا تكفي لتفسير جميع الإختلافات بين الشرق والغرب، ولكنها قد تساعد في شرح لماذا مجتمعات غنية متمدنة (مثل اليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية) تظل محتفظة بثقافة جماعية، فالبلاد الثلاثة تمتاز بأنها مناطق زراعة أرز.

وقد تساعدنا النظرية على إجابة أسئلة تاريخية كبيرة، مثل: لماذا حدثت الثورة العلمية والصناعية في أوروبا وليس الصين، والتي كانت تمتلك مقدارا منافسا من القوة والتقدم؟ وقد يكون الجواب أن الثورة الصناعية استلزمت التفكير العلمي والذي يرتبط بالفردية والإبداع.

في القرن 13 أدت غزوات المغول للصين إلى تدمير الشمال الصيني ولاحقا هروب مركز الحكم من الشمال نحو الجنوب، حيث مناطق زراعة الأرز؛ ولعل ذلك التحول السياسي نتج عنه تحولا في الثقافة المهيمنة في الصين: أي ثقافة الأرز الجماعية (إلى جوار عوامل أخرى مثل عدم توفر الفحم في الجنوب، وهو مادة مهمة ساعدت في إطلاق الثورة الصناعية الأوروبية)، وبالتالي رسم مسارا مختلفا لمستقبل الدولة والعالم كله.