تطور

كيف أصبح الحصان هو الحيوان الوحيد على قيد الحياة بأصبع قدم واحدة؟

اقدام الاحصنة
صورة: Alan Crowhurst/Getty Images

كان للأسلاف القديمة للأحصنة أربع أصابع قدم في القوائم الأمامية، وثلاثة في القوائم الخلفية، إلا أن الأحصنة الحديثة في يومنا هذا تمتلك أصبعا واحدا في كل قائمة أو قدم، ولوقت طويل كان هذا الأمر غامضا بالنسبة للعلماء، أما الآن فهم أصبحوا يعرفون السبب وراء ذلك:

يعتقد الباحثون أن الأصابع الجانبية لقوائم الأحصنة قد إندثرت مع مرور الزمن من أجل أن تخولها من التحرك والتنقل بسرعة كبيرة وبفعالية أكثر.

بإمكان الأحصنة الوصول إلى سرعات كبيرة تصل إلى أربعين كيلومتر في الساعة، كما بإمكانها تجاوز عقبات يصل إرتفاعها إلى مترين ونصف، والمثير للإهتمام أنها تقوم بكل ذلك مع أصبع واحد في في كل قائمة من قوائمها، والآن يعتقد العلماء أنهم كشفوا الستار عن الطريقة والسبب الذي جعل الأحصنة تنتهي على الشكل الذي هي عليه اليوم.

لدى كل من أصناف الخيول كالأحصنة والحمار الوحشي أسلاف مشتركة تملك في قوائمها عدة أصابع، مع أقرباء لها بأربع أصابع في قوائمها الأمامية وثلاثة في قوائمها الخلفية.

وبينما اعتقد لمدة طويلة أن هذا التغيير كان قد جرى مع انتقال الأحصنة من العيش في الغابات إلى الأراضي المعشوشبة، إلا أنه بقي غير واضح كيف حصل ذلك بالتحديد، ليس بعد الآن، فيعتقد العلماء الآن أنهم اكتشفوا ذلك.

تقول ”بريانا مكهورس“ وهي أول باحثة في هذا المجال ومرشحة لنيل شهادة الدكتوراه في جامعة هارفرد الأمريكية: ”لقد بدأ الأصبع المركزي يكافئ بالتدريج وبالتزامن تزايد حجم الحصان وتضاؤل حجم الأصابع الجانبية، وهو الأمر الذي كنا نجهله سابقا“.

وقد كشفت بريانا مكهورس وزملاؤها من الباحثين في ورقة بحثية تم نشرها في مجلة ”محاضر المجتمع الملكي – Proceedings of The Royal Society“، كيف قاموا باستعمال ماسح ضوئي للصور المقطعية (وهو نوع من الأشعة السينية ثلاثية الأبعاد) لفحص ودراسة العظام الطويلة لأطراف إثنا عشر نوعا منقرضا من الأحصنة، كل واحد منها من جنس مختلف، بما في ذلك حصان ”هيراكوثيريوم“ ما قبل التاريخ الذي يضاهي في حجمه حجم كلب حديث، والذي عاش قبل 45 إلى 55 مليون سنة خلت.

وللمقارنة، قام الباحثون كذلك بتفحص ودراسة عظام حيوان ”التابير“ Tapir الجنوب أمريكي (والذي هو حيوان يشبه في تركيبته الخنزير) وهو أيضا حيوان حي مع أربع أصابع في قوائمه الأمامية وثلاثة في قوائمه الخلفية.

وبالنسبة لكل نوع قام العلماء بحساب قوة الضغط للعظام ومقاومتها للإلتواء، ممثلين ذلك في منحنيات بيانية تضمنت الشجرة العائلية لهذه الأحصنة.

تطور أصبع القدم الوحيد للحصان

تطور الأصبع المركزي للأحصنة

ثم قاموا لاحقا باللجوء إلى أنظمة محاكاة كمبيوترية لإكتشاف الضغط الممارس على العظام عندما تتحرك هذه الأحصنة سواء بالمشي أو الهرولة أو القفز أو الزيادة المفاجئة في السرعة، تقول مكهورس في هذا الشأن: ”هذا سيؤدي إلى ممارسة المزيد من الضغط على العظام ويعكس المرات التي تحتم فيها على الحيوانات أن تبتعد بسرعة كبيرة عن أحد الضواري أو أي مصدر خطر.“

وفي كل من السيناريوهات السابقة التي تم إختبارها، قام العلماء بحساب ما قد يحدث عندما يتم تطبيق وزن الحصان كله على الأصبع المركزي، ثم ما قد يحدث عندما يتم تطبيق الوزن على كل من الأصابع الجانبية والأصبع المركزي معا.

وقد أظهرت النتائج أن قدرة قدم الحيوان على تحمل شحنات زائدة من الوزن إزدادت مع انتقاله من توزيع وزنه على إصبع واحد مركزي إلى الإستعانة بأي أصابع جانبية في تحمل شدة الوزن.

ومن هنا استخلص الفريق أن الأصابع الجانبية لعبت دورا كبيرا في تحمل أوزان الحيوانات مع مرور الزمن، وتقول مكهورس في ذلك: ”بازدياد الطلب على طاقة الدفع، تصبح في أمس الحاجة إلى تلك الأصابع الجانبية لتحمل بعض من الوزن بينما تتنقل بسرعة كبيرة، وإلا فإن الضغط الممارس على مشط القدم المركزي يصبح أقرب إلى نقطة إنكسار العظم، مما يزيد من إحتمال حدوث كسور في عظام الأطراف كلها.“

إلا أن الأبحاث أظهرت كذلك أن هذه الحاجة إلى الأصابع الجانبية إنخفضت مع مرور الزمن، حيث أنه في الوقت الذي عاش فيه ”بسوديباريون“ (وهو أحد أسلاف الأحصنة الحديثة) أي قبل خمسة إلى ستة عشر مليون سنة مضت، أصبح الأصبع الوسط وحده بنفس قوة الأصابع الجانبية مجتمعة، مع ازدياد الحاجة إلى قوة الجر.

كما لاحظ العلماء كذلك أنه بتزايد الكتلة الحجمية لجسم الحصان وتضاؤل حجم الأصابع الجانبية مع تطوره بمرور الزمن – أسفل الشجرة العائلية – أصبح القسم الصليبي من الأصبع المركزي أعرض، وازدادت بذلك طاقة التحمل لديه ضد الإلتواء.

إلا أنه يبقى غير واضح ما إذا كانت الحاجة المتناقصة للأصابع الجانبية مع مرور الوقت هي التي أدت إلى تطور حجم الأصبع المركزي أم أن تطور حجم الأصبع المركزي هو ما أدى إلى تقلص حجم الأصابع الجانبية.

يشير الفريق إلى أن اكتشافاته هذه تدعم بشكل كبير فكرة أن تزايد الكتلة الحجمية لجسم الحيوان قد تكون، ولو بشكل صغير، هي السبب وراء تقلص حجم وعدد أصابع الأطراف إلى أصبع واحد مركزي قوي جدا، وقادر أكثر على تحمل قوى الضغط الممارسة على القدم أثناء التحرك بسرعة كبيرة بالأخص، أكثر من الأصابع الثلاثة مجتمعة، والتي مع بعضها مجتمعة كانت لديها نفس كثافة العظام.

إلا أن مكهورس تظن أن النتائج تزيد كذلك من إحتمال كون أن الأصابع الجانبية قد اختفت مع مرور الزمن من أجل تقليص الكتلة حول منطقة القدم لجعلها أخف، حتى يتمكن الحيوان من التحرك بسرعة أكبر وبفعالية أكبر كذلك، وهو كذلك الأمر الذي تعتقد بأن الأحصنة قد مرت خلاله مع انتقالها للعيش في الأراضي المعشوشبة بعدما كانت تتخذ من الغابات وسطا معيشيا لها، كما أنها ولنفس السبب طورت أقداما طويلة لتتمكن من قطع مسافات طويلة بمجهود أقل بحثا عن الموارد الغذائية.

تقول مكهورس: ”إن التنقل مع مجموعة من الأصابع في نهاية كل قدم مكلف جدا من ناحية الطاقة“، وتضيف: ”فإذا تخلصت من هذه الأصابع، يصبح التنقل أقل تكلفة، أي يصبح مقدار الطاقة اللازمة من أجل تحريك القدم الواحدة أقل.“

وقد أشاد ”روبن بيندري“ وهو عالم آثار متخصص في آثار الحيوانات من جامعة ”إيدنبرغ“ بهذه الدراسة واعتبرها مثيرة للحماس، حيث قال: ”إن هذه الدراسة تمثل إضافة ومساهمة عظيمة من أجل فهم وشرح المنحى التطوري والتكيفي الذي اتخذته فصيلة الخيول، هذا التطور الذي أدى إلى ظهور واحد من أكثر الحيوانات تأثيرا في التاريخ البشري.“

المصادر

عدد القراءات: 1٬987