in

كيف أصبحت كوريا الشمالية دولة يحكمها نظام فاشستي؟ لمحة عن تاريخ هذا البلد والأسباب التي أوصلت عائلة كيم إلى هرم السلطة

تمثالا الزعيمان الكوريان الراحلان
مواطنون من كوريا الشمالية يعبرون عن احترامهم وينحنون أمام تمثالين لزعيمي كوريا الشمالية (كيم إل سونغ) على اليسار، و(كيم جونغ إل) في بيونغيانغ. صورة: AFP

لم يكن الطريق الذي تحوّلت فيه كوريا الشمالية –أو جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية، الاسم الرسمي لكوريا الشمالية –إلى النظام الفاشستي سهلاً، بل كان شاقاً للغاية، ولم يكن ذلك ليحدث لولا عقيدة الشخصية التي اتبعها الزعيم الأكبر.

في هذه المقالة، سنتعرف أكثر على تاريخ هذا البلد الذي يحيط الغموض به. كيف قُسّمت شبه الجزيرة الكورية إلى دولتين، وكيف اتبع الشطر الشمالي منها النظام الشيوعي، واستطاع الحفاظ على نفسه حتى اليوم.

الاحتلال الأجنبي

جنود يابانيون في كوريا
جنود يابانيون في كوريا. صورة: Topical Press Agency/Getty Images

ظهرت الامبراطورية الكورية العظيمة في الثالث عشر من أكتوبر عام 1897 عقب ثورة فلاحية، وتلك الثورة ليست سوى جزء من سلسلة ثورات وقعت خلال السنوات الماضية ضد المستعمرين الصينيين، ولاحقاً اليابانيين.

أعلن الامبراطور (غوجونغ) عن نشوء الامبراطورية الكورية، لكنه اضطر إلى الهرب عقب اغتيال زوجته، كما دعا إلى إجراء الإصلاحات ووضعها ضمن حيّز التنفيذ.

للأسف، لم يكن البلد الوليد قادراً على الدفاع عن نفسه، وبالإضافة إلى الأهمية الاستراتيجية التي تقدمها كوريا إلى جارتها اليابان، وُقّع ما يُعرف باتفاقية اليابان–كوريا عام 1904.

حركة مارس الأولى. صورة: Wikimedia Commons

خلال 6 أعوام، ألحقت اليابان كوريا وضمتها إلى أراضيها، بالرغم من الضغط الدولي بالطبع. تبع هذا الإجراء الياباني 35 عاماً من الطغيان والقمع الوحشيين مارستهما السلطات اليابانية، ما خلّف آثاراً وجراحاً عميقة لم تشف إلى اليوم.

قُمع واضطهد الإرث الثقافي لكوريا، فلم يعد تاريخ البلد يُدرّس في المدارس، وأُغلقت جميع المعابد والأبنية التاريخية أو سويت بالأرض، ومنعت اليابان طباعة أي محتوى أدبي باللغة الكورية. إن خالف أحدٌ ما تلك القوانين شديدة القسوة فسوف يتعرّض لأشد أنواع العذاب.

جرت المظاهرات بشكل متقطع، واستشهد الكثير من قادة تلك المظاهرات، كانت (يو كوان–سوون) إحدى القادة، حيث كان عمرها 18 عاماً وقادت انتفاضة شعبية عام 1919 سقط ضحيتها آلاف القتلى –والتي دُعيت لاحقاً بـ «المسيرة الشاقة الأولى»، لكن ذلك لم يوقف العنف والوحشية اليابانية. أما (سوون)، فأصبحت شخصية مقدسة في جميع أنحاء البلد، وتُدرس قصتها في جميع مدارس كوريا الشمالية.

تقسيم كوريا

خريطة توضح شطري كوريا
تقسيم كوريا وفقاً لخط العرض 38. صورة: Wikimedia Commons

بحلول الحرب العالمية الثانية، كانت اليابان قد ضمّت كوريا بالكامل وألحقتها بأراضيها، وتشير التقديرات من تلك الفترة إلى إجبار 5 مليون مدني كوري على القتال إلى جانب اليابان، فكانت نسبة الضحايا هي الأعلى عند الكوريين.

خسرت قوى المحور الحرب، واستسلمت اليابان إلى جانب ألمانيا لقوات الحلفاء (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والقوات الصينية). حاول الحلفاء السيطرة على المنطقة، وعلى غنائم الحرب بشكل عام. في المقابل، كانت كوريا ذات أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للصين والاتحاد السوفياتي. كانت كوريا مقسمة على أرض الواقع ولو كان هذا التقسيم غير رسمي، لكن الأمور تغيرت كلياً في المراحل الأخيرة من الحرب العالمية، حيث احتل الروس منشوريا ووصلوا إلى سواحل كوريا الشمالية. وهكذا كان لا بد من إدارة المناطق الخاضعة للدول الخاسرة (كاليابان)، فكان لكلّ من الأمريكان والروس مطامعهما الخاصة.

جاء التقسيم على يد الأمريكيين (دين راسك) و(تشارلز بونستيل)، حيث رسما على الخريطة خطاً يشطر كوريا إلى نصفين على طول خط العرض 38. فوضعا بذلك تاريخاً مليئاً بالدماء والقسوة لشعب هذا البلد.

الطريق إلى العزلة

كيم إل سونغ
كيم إل سونغ، عام 1979. صورة: Peter Arnett/AP

لن نتكلم هنا عن كوريا الجنوبية، بل سنتحدث عن الطريق المضطرب الذي سلكته كوريا الشمالية وصولاً إلى عزلتها وتخلي العالم بأكمله عنها. سيطر السوفيات والصينيون بعد انتهاء الحرب على الشطر الشمالي من كوريا، وفي التاسع من شهر سبتمبر عام 1948، عينوا قائداً عسكرياً، وهو (كيم إل –سونغ)، في منصب رئيس جمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية.

كان (كيم إل –سونغ) في السادسة والثلاثين من عمره وقتها، وكان رجلاً عادياً أُزيح من منصبه السابق، وهو رئيس كتيبة، أثناء الحرب العالمية الثانية بسبب عجزه. كما لاقى الشعب خبر تعيينه رئيساً بفتور شديد، حيث كان الكوريون وقتها يعانون الكثير. لكن لسوء حظهم، تبيّن أن (كيم إل –سونغ) هو واحدٌ من أقوى القادة السياسيين في عصره.

منذ عام 1948، نصّب (كيم إل –سونغ) نفسه القائد الأعظم، وغيّرت إصلاحاته الجذرية والصارمة البلد بصورة شبه تامة. أمم (كيم إل –سونغ) الصناعة وأعاد توزيع الأراضي وخلّص كوريا الشمالية من مُلاك الأراضي اليابانيين الأثرياء، فحوّل كوريا الشمالية إلى «جنة شيوعية» ككوريا التي نعرفها اليوم.

تعاظمت عقيدته الشخصية خلال الحرب الكورية في أوائل الخمسينيات، وتحديداً المعارضة الشديد لـ «الإمبريالية الأمريكية» حيث روّج لقيادته باعتبارها الشيء الوحيد الذي يفصل بين شعبه والموت الوشيك. وبالمناسبة، هذا ما يتعلمه طلاب المدارس في كوريا الشمالية، ولا يدركون الصراعات والحروب العنيفة والدموية التي جرت وقتها.

«أعظم قائد عسكري عرفه التاريخ»

كيم إل سونغ وكيم جونغ إل في ملعب لكرة القدم
الزعيم الكوري (كيم إل سونغ) على اليسار، بصحبة ابنه (كيم جونغ إل) أثناء زيارة لهما لملعب كرة قدم في بيونغيانغ من عام 1992. صورة: KNS/Getty Images

لا بد أنكم تستغربون، مثلنا تماماً، كيف انحاز الشعب الكوري الشمالي إلى القائد بهذا الشكل المفرط. إليكم كيف وُصف (كيم إل –سونغ) في كتاب تاريخي:

”كيم إل –سونغ… سياسات تكتيكية واستراتيجية مبتكرة ومدهشة وأساليب قتال فريدة ترتكز على أيديولوجية عسكرية مستمدة من عقيدة جوتشيه في جميع مراحل الحرب، وضع تلك الأفكار في حيّز التنفيذ هو ما قاد الجيش الشعبي الكوري إلى النصر…“

قال الرئيس البرتغالي (غوميز) عنه: ”هزم الجنرال كيم إل –سونغ أعداءه بمفرده، ورأيت ذلك بأم عيني، وأصبحت مقتنعاً بأنه أذكى الاستراتيجين العسكريين وأعظم القادة العسكريين الذين عرفهم العالم“.

وهكذا، تلقى الرئيس إعجاب الشعب الكوري، بالإضافة إلى عقيدته الخاصة، أو الجوتشيه، التي طبقها. وكلمة جوتشيه تعني ”الموقف المستقل“، وهي عقيدة سياسية تتحكم بحياة المواطنين الكوريين، بالرغم من خططها وأهدافها المعقدة والغامضة. جراء تلك الأسباب، أصبح الزعيم الكوري القائد الأوحد للبلاد.

بالرغم من اكتسابه حبّ وتعاطف الشعب، إلا أنه حافظ على هذا الاحترام والتقدير بأكثر الطرق وحشية وقسوة، فأمر بإعدام وذبح أي شخص يقف في وجهه، واعتقل الآلاف من السجناء السياسيين وحكم البلد بطريقة جعلته يتهاوى ويقع ضحية المجاعات والتخلّف الاقتصادي. لكنه كان، ومازال، محبوباً من طرف شعبه.

بالمناسبة، لابنه (كيم جونغ –إل) –الزعيم التالي للبلاد –دورٌ كبير في جعل والده محبوباً من طرف الشعب. حيث حوّله الابن والده إلى شخصية معبودة ومعشوقة، وأمر ببناء مئات التماثيل والصور لتخلّد ذكراه، حتى أن وصل به الأمر إلى تأليف أشعارٍ وقصائد باسمه!

استخدم (كيم جونغ –إل) مهاراته في إنتاج الأفلام لنشر رسائل البروباغندا الكورية، وذلك حتى لا ينسى أي مواطن كوري الدور الكبير للقائد في إرشاد الشعب وتحويل البلاد إلى جنة، أو على الأقل كما اعتقدوا وقتها.

بعد وفاة الوالد، تسلّم الابن السلطة، وكان ذلك الحدث عظيماً، حيث استمرّت مراسم الفقيد لـ 30 يوماً في بيونغيانغ، وإن رأيت مشاهد حزن الشعب الكوري، لاعتراك شعورٌ بالانزعاج والضيق، وكأن ما يجري أمامك مجرّد تمثيلية رخيصة.

تسلّم الابن السلطة في وقتٍ عانى فيه البلد من مجاعة عظيمة في تسعينيات القرن الماضي، وبالرغم من تطبيقه وتنفيذه سياسات أشد وحشية، لكنه بقي محبوباً من طرف الجماهير كوالده، وهذا ما تشهد به مئات التماثيل التي تجسده وتجسد والده.

الحقيقة والخيال

كيم جونغ إل
تصوير للزعيم الكوري (كيم جونغ إل). صورة: Wikipedia

رافقت الأساطير شخصية (كيم جونغ –إل) منذ ولادته عام 1942، حيث قيل أن قوس قزح إضافي ظهر في السماء أعلى جبل بيكتو، وأن بحيرة تفجرت ماءً بالقرب من مكان ولادته، وأن السماء أمطرت حاملة البشارة السعيدة إلى الشعب.

في الحقيقة، وُلد (كيم جونغ –إل) في سيبيريا بعد أن هرب والده من البلد خلال الحرب خوفاً من اضطهاد اليابانيين. لكن هذه الحقيقة ليست معترف بها في كوريا الشمالية.

واليوم، يملك الحفيد (كيم جونغ –اون) الحب والتأييد الشعبي ذاته، بينما يحاول القائد الجديد جرّ هذا البلد المنعزل إلى القرن الحادي والعشرين واللحاق بركب الدول الأخرى. لكن للأسف، تبقى تلك المناطق الزراعية الخالية من أي شكل من أشكال التكنولوجيا دليلاً بارزاً على فشل السياسات الكورية الفاشستية.

تمثالا الزعيمان الكوريان الراحلان
تمثالان لـ(كيم إل سونغ) و(كيم جونغ إل). صورة: Wikimedia Commons

لا يبدو أن شعب كوريا الشمالية يرى الأمور بنفس الطريقة، فلا نعتقد أنهم يعتبرون نظام العائلة الحاكمة نظاماً دكتاتورياً. هم فعلاً يحبون سلالة (كيم)، ولا يوجد شيء كفيل بتغيير هذا الواقع.

يعتبر الكوريون أنفسهم أفضل من جيرانهم، أو ربما أفضل من جميع العالم. فهم ليسوا بحاجة للانترنت مثلاً، ولا يريدون التعرّف على حياة الآخرين، بل ربما يرغب الشعب الكوري أن يُترك وشأنه

جاري التحميل…

0