اجتماعيات

المثلية الجنسية في قطاع غزة

المثلية الجنسية

في هذه الأوقات الصعبة التي يمر بها قطاع غزة الذي يقبع تحت الحصار منذ 10 سنوات، ويذوق مرارة الاحتلالين الإسرائيلي والحمساوي على حدٍ سواء، لا تزال آثار حصار القطاع تلقي بحمولتها على كافة مناحي حياة الفلسطينيين داخل القطاع المنكوب، وتتزايد المعاناة مع كل عدوان جديد لتزيد إنهاك السكان القابعين فيه.

يا لهذه المقدمة الخبيثة والتي تستدرجني لِتَزِلَ يدي عن كتابة الموضوع الرئيسي والبت في طرح انتهاكات الحركة الإسلامية في غزة بحق ساكنيه ولو باشرت بها، لكان من الأفضل التعاقد مع دار للنشر لتدشين سلسلة مجلدات بعدد أسماء الله الحسنى بدلا من كتابة هذه المقالة.

ترمي هذه المقالة إلى تسليط الضوء على المثليين الفلسطينيين، فئة من الفئات المهمشة التي تعيش بيننا في قطاع غزة، تسليط الضوء على معاناتهم وحياتهم وصراعهم وصورة تعايشهم المرتبطة بالعلاقة الجدلية برهاب المثلية في مجتمعنا المتدين نفاقاً بطبعه، تعيش هذه المئات من المثليين الفلسطينيين في غزة تحت ستار من السرية التامة والتهديد الملموس على حياتهم، هذا التهديد يزيد من صعوبة حياة الكثيرين منهم والذين يضطرون إلى إخفاء هويتهم الجنسية والعيش في كذبة حفاظا على حياتهم، مما يجعل كشف شخصهم للقائهم والحديث معهم من أجل مقالة أو تقرير صحفي ينشر معاناتهم شبه مستحيل، لكن الباحث عن الحق ورفع صوت المستضعفين ونصرتهم لا يعرف للمستحيل معنى في قواميسه.

مقابلتهم والتعرف عليهم…

في أحد الأيام وأنا أتصفح بعض المواقع الإخبارية العربية وجدت مقالة تتحدث عن موقع تواصل اجتماعي عالمي للمثليين، والذي أسسه شاب مثلي لبناني الجنسية، لفت انتباهي هذا الموقع خاصة أن مرتاديه من جميع أنحاء العالم، قررت إنشاء حساب لتعرف على طبيعة عمله عن كثب، كان من أحد خصائص الموقع ميزة البحث عن الأشخاص بالقرب من منطقتك، تفاجئت بوجود عدد كبير من الأشخاص من قطاع غزة من مختلف الأعمار، تعرفت على العديد من الأشخاص، أردت أن أعرف كيف يستطيعون ممارسة حياتهم واللقاء بأقرانهم والتعارف فيما بينهم، خاصة أن لقاء واحد لو كنت مستقيم الميول مع فتاة كفيل بأن يزج بك إلى السجن في غزة العزة، فما بالك لقاء تعارف لأشخاص مثليي الجنس، حاولت قبل كتابة هذا التقرير بأن أتعرض في مقابلاتي للمثليين من كلا الجنسين، لكن لم أجد أي طريقة أستطيع فيها الوصول لمثليات في قطاع غزة، خاصة أن موقع التواصل كان مختص للمثليين الذكور.

اللقاء في العالم الافتراضي…

سأكتفي في هذه التقرير بعرض نيف من القصص والمقابلات مع بعض الغزيين المثليين، وأستعرض معكم حياتهم وعلاقاتهم وأبرز التحديات التي يواجهونها.

(م .ت، 29سنة) ”أنا الآن متزوج وأعيش مع زوجتي ورزقني الله 3 أطفال، أرغمت على الزواج بسن 20 عام، الزواج المبكر من عادات وتقاليد سكان هذه البلد، لم أستطع الرفض آنذاك لأني ببساطة لا استطيع الإفصاح عن ميولي لأهلي، أهلي من المتشددين دينيا.. أعتقد أني لو صارحتهم سيكون الرجم من قبل إخوتي في حفرة مقابل مسجد حينا مصيري.

حادثة واحدة لا أقدر على محيوها من ذاكرتي المزدحمة بالمخاوف والتهديدات، فقبل 4 سنوات كنت في علاقة مع رجل في الخمسينات من العمر غزي الأصل تعرفت عليه عندما كنت في زيارة إلى مصر، عندما عدنا إلى غزة كان لقاؤنا صعبا فاكتفينا بالمحادثات عبر الهاتف، بعد فترة قليلة انكشف أمره من قبل الأمن الداخلي في حماس ومع الضغوط الممارسة عليه اعترف لهم على علاقتي معه.

قاموا باستدعائي إلى التحقيق، جل كلامهم معي كان ”تعال يا لوطي، اجلس يا لوطي، لعنك الله يا فاجر، الله يقرفك، الله يجحمك مقزز“، والأعنف عندما قال لي أحدهم ”اجلس بمؤخرتك ال**** فأنت متعود“…، لا أنكر أني تعرضت للتعنيف اللفظي والجسدي لكن جل ما كنت أفكر فيه أني لا أريد أحد من أهلي أو أصدقائي أن يعلم بأمري، تتعالى أصوات التنكيل والترهيب من حولي خلال التحقيق لكن كنت في عالم آخر أفكر… كيف لو علم أهل زوجتي بأمري، سيحرمونني من أطفالي، سيحرمونني من أغلى ما أملك في هذه الحياة البائسة، خضعت لهم وتوسلت لهم بأن يستروا علي، انتهى التحقيق بأن أدفع غرامة 1300 شيكل (350$) وأن ابتعد عن هذه الممارسات، مبلغ كبير بالنسبة لي ولما أتقاضاه من مرتب، لكن كنت مستعد أن أبيع أعضائي في سبيل دفع الغرامة والتستر علي.

أما الآن اكتفي بإنشاء صداقات مع أشخاص مثلي عن طريق مواقع التواصل، لنواسي بعضنا البعض دون أن يكون هناك علاقات أو مقابلات.

أتمنى أن يتغير الحال في يوما ما، أنا الآن في منتصف العمر وتحملت الكثير.. لا اعلم إن كنت قادرا على الصبر والتحمل أكثر من ذلك فيما تبقى لي من عمر في هذه الحياة!“

أما بالنسبة لـ(م.ق 18سنة)، فكانت قصته الأصعب بين هذه القصص الأليمة، يقول: ”أبي مهندس حاسوب، كان يراقبني دائما على حاسوبي بوضع برامج للتجسس من دون علمي. قبل عامين كنت أتحدث مع صديقي الحميم الذي يسكن في الأردن، ومن سوء حظي أن أبي كان يقرأ كل محادثاتي، لم يتحدث معي بل اكتفى بالتعدي علي وضربي ضرباً مبرحا ،مردداً ”أنا ابني يكون لوطي، ما عرفت أربيك“، ولم يكتفي بذلك بل قام بأخذي إلى شيوخ المس من الجن معتقدا أني ممسوس بجن يصيب يجعل صاحبه ”لوطي“ كما قال، كنت أذهب مرة كل أسبوع غصباً وكانت جلسات متفرقة، كنت أذوق شتى أنواع الضرب بالحزام، ويقرأ الشيخ آيات قرآنية عن الجن وكان يضع بعيني مادة المسك مع الزيت التي كانت تحرق بشدة.

بقيت على هذه الحالة مدة سنة ونصف ثم أيقنت أن هذه هي النهاية، لا يوجد حل يخلصني من هذه الآلام غير الانتحار، أحضرت أشرطة من الأدوية وقمت بتناولها جميعاً، لكن أمي سمعت صوت سعالي العالي وأنقذت حياتي التي تخليت بيدي عنها بآخر اللحظات.

أشفق والدي عليَ، وقرر التوقف عن أخذي لشيوخ المس، لكن لم يكتفي بذلك، فقد قرر بعد ذلك أخذي إلى طبيب نفسي ليعالجني فهو يرى مثليتي مرض وليست ميول طبيعي، قدم الطبيب لي عدة أدوية، قبل أن أتناولها قمت بالبحث عنها فوجدت أنها أدوية مضادة للاكتئاب وأدوية لتثبيط الشهوة الجنسية، هكذا يعتقد الأطباء في غزة… الحل هو أدوية اكتئاب وتثبيط للقدرة الجنسية إلى حين أن تصبح عاجز تماماً. أنا الآن وأنا أحدثك أبكي… أبكي بحرقة كلما تذكرت هذا العذاب، كل هذا الضغط على عاتقي وأنا لم أبلغ 20 من عمري، قطعت كل علاقتي على الانترنت فترة من الزمن حتى اشتريت جهاز لوحي بالسر دون علم أهلي كي أستطيع أن أتحدث مع أصدقائي وصديقي في الأردن دون أن يتجسس علي والدي، أطمح بعد الانتهاء من دراستي في الثانوية العامة إلى السفر للخارج لعلي أستطيع أن أكون على طبيعتي دون الخوف من أحد“

(أيمن، 36سنة): ”أحاول قدر الإمكان أن أحافظ على سرية هويتي الجنسية، يوميا ينشب الجدال وبعض المشاكل مع أهلي فهم يرغموني على الزواج من فتاة لكي أبني أسرة وليسعدوا بأحفادهم مثل جميع أقربائي وإخواني، لا أستطيع لومهم فعيون الناس تلاحقني وإياهم دوما، فسيرتي على كل لسان، كيف لشاب غزي قد وصل 35 من العمر ولم يتزوج، يبدو أنه مريض نفسي أو عقيم والعديد من الاتهامات التي تنتقل على ألسنة مجتمعنا المعقد.

لكن لا أستطيع … لا استطيع أن اظلم أي فتاة بالزواج بها وأنا لا أكن للجنس الأخر أي مشاعر، الزواج ليس مجرد علاقة جنسية أو عقد نكاح كما قال لي مجتمعي وديني وأهلي، الزواج حب وسكينة وتبادل مشاعر مع شخص تحبه، وكل هذا لا أجده إلا مع رجل يبادلني نفس الشعور، كل يوم أتمنى أن أترك هذه البلاد عقيم التفكير أهلها، لكن ما باليد حيلة فوالدي طاعن بالسن ووالدتي مقعدة يحتاجون من يعيلهم، أفكر أحيانا بالانتحار لكن الانتحار ليس حلا، أنا مسلم وقريب جدا من الله، لكن عندما أسمع ما يتكلم عنه الشيوخ المسلمين عن المثلية وكيف يجب رجمهم وقتلهم والتنكيل بهم تزيد حالتي النفسية سوءاً، لا اعتقد أن الله ظالم هكذا كما يتحدثون ،فهو رحيم. لن يحاسب أحد على أشياء لا يملك بها حول ولا قوة كطبيعة ميولك، أنا هكذا خلقني الله، لعل الله ييسر لنا الأمور كيف لا وهو من خلقنا بطبيعتنا وميولنا، هو الرحيم… الرحيم بعباده!!“

أما بخصوص هذا الجزء التالي فلقد ترددت كثيرا بطرحه في هذا التقرير لحساسيته، وأتخيل لو كنت أدرجت اسمي الحقيقي ككاتب لهذا المقال لكن مصيري وراء الشمس (عبارة حمساوية لتهديد أي شخص ينافي تعاليمهم وآراءهم)، لكن من أجله كتبت هذا التقرير فهو تفصيل لحياة المثليين في غزة ويشمل حقائق كثيرة، في هذا الجزء سأقوم بسرد المقابلة حرفيا مع (ر.ع 51 عاما) فهو الشخص الوحيد الذي وافق على مقابلتي وجها لوجه للحديث عن هذا الموضوع، وما دفعني لتصديق أغلب الحقائق فيه وإثبات صحتها هو مطابقة هذه الحقائق لراوية أكثر من شخص من الذين قابلتهم في الواقع الافتراضي.

أشعل سجارته وبجانبه فنجان قهوته قائلا لي: ”اسأل ما عندك وحجاوبك بس بسرعة لأنو قعدتنا غلط بسبب فارق السن فيما بيننا“.

حدثني عن بداية معرفتك لطبيعة ميولك؟

”لما كان عمري 12 سنة، وفي بداية سن المراهقة، كان أصحابي يتكلمون كثيرا عن الجنس وعن البنات كأغلب الأصحاب، وكانوا أحياناً بس نقعد مع بعض يجيبوا مجلات إباحية، بس أنا ما كنت انجذب للبنات، وما كنت استمتع بمشاهدة هاي المجلات، بس كان إلي مدرس رياضيات كنت بحبو كتير وكنت منجذب إلو فعرفت أنو أنا مش زي كل صحابي، بس ما كنت بعرف أنو حاجة اسمها ميول وهيك لأنو ما كان في حدا يوعينا ويحكيلنا عن هاي القصص“.

هل أنت متزوج؟

”أهلي زي باقي أهالي غزة بدهم يزوجوا ابنهم ويفرحوا فيه. أنا كنت معارض، بس لما صار عمري 30 سنة ما لقيت أي طريقة أهرب من هاي الخطوة فتزوجت وعندي هلا 4 أبناء، مرتي تعبت من جفاف مشاعري اتجاهها، اطلقت من مرتي لأنو صارحتها بطبيعتي بعد 10 سنين زواج، كنت جريء لما قلتلها، طلعت بنت أصل وما فضحتني واكتفت بالطلاق بس خلت الولاد عندي وبدوري أنا بدفعلها نفقة وبكل احترام، وبتزور الاولاد وما في أي كره بينا“.

أما عن السؤال الذي فاجئتني إجابته ولم أصدقه في بداية الأمر، لكن عندما تطابقت رويات أكثر من شخص لم يسعني إلا أن أصدقه وأدرجه في هذا التقرير:

كيف تستطيع ممارسة حياتك العاطفية والجنسية خاصة أنك في مدينة متشددة كغزة؟

”بأيام شبابي ما كنت أعرف الانترنت وما كانت الطرق أسهل بالتعرف على أشخاص زيي، أنا حابب أحكيلك بالضبط كيف كنا وما زلنا بنتقابل احنا المثليين بغزة بس متردد شوي وخايف، بس ححكي…“ (تنهيدة يتبعها سكوت لفترة قصيرة)…

”في شخص كبير بالسن ساكن في جنوب القطاع في مدينة خانيونس، هادا الشخص التعامل معاه سري جدا، عامل زي شبكة للمثلين، وكان هوا الوحيد حلقة الوصل بينهم، لو أنتا مثلي الجنس وحابب تتعرف على أشخاص متلك هوا بوفرلك الاشي هادا، في هاي الشبكة كتير أشخاص إلهم مكانتهم في المجتمع، دكاترة.. مهندسين.. أساتذة.. وأنا بعرف دكتور أخصائي جلدية معرفة قويه كان منهم… المهم بوصلك للشخص، طبعا بدون مقابل مادي لأنو لو كان بيتعامل بالمصاري كان الاشي صار اشبه بالدعارة!..“

قاطعته بسؤال..

هل حماس لديها علم عن هذا الشخص أو هذه الشبكة التي تتحدث عنها.. لو كان لديها علم لماذا لا تفضحهم وتشهر بهم؟

”اكيد عندها علم، حماس حركة مش بسيطة، جواسسيها أكتر من جواسيس اليهود إلي عنا، فشي نملة بدب على أرض غزة إلا تكون حماس عارفة، بس سبب عدم تدخل حماس في هذه الشبكة سببين:

– الاول: في كتير بيشتغلوا في حماس وروس كبيرة وقادة موجودين بهاي الشبكة وإلهم علاقات مثلية.

– التاني: أنو هاي الشبكة ما في بينها أي تعامل مادي، يعني ما في مصاري، وحماس بهمها بس المصاري لا بهمها دين ولا اسلام ولا الله بس المصاري بعبدوها عبادة! أي مشروع بالبلد بدخل لو شيكل واحد أو في تعامل بالمصاري فيه لازم حماس تكون إلها نصيب فيه“.

صراحة، أشعر بأني في فيلم هولويدي، أجد صعوبة في تصديق موضوع الشبكة وزعيمها!؟

”حبيبي فيك تسأل أي شخص كبير أو حتى أي شاب مثلي في غزة وهوا راح يحكيلك نفس كلامي لانها حقيقة، بعرف أنو أنت مستغرب بس هاي الحقيقة!“

هل يمكن أن أقابل الشخص الكبير المسؤول عن هذه الشبكة؟

”من سابع المستحيلات انك تشوف طرف اصبعو أو تعرف اسمو لأنو أنا نفسي ما بعرفوا، بس بعرف صوتو لانو كنت أكلمو على الجوال“.

كيف ترى حياة المثليين في غزة؟

”بشكل عام في الوطن العربي بنقسم المثليين لقسمين، اشخاص يبحثون عن العلاقات الجنسية فقط وبالدرجة الأولى، وأشخاص صادقون مع أنفسهم ويبحثون عن الحب، بالنسبة للقسم الأول حياتهم سهلة وبيقدروا بأي وقت وبسرية تامة يمارسوا إلي بدهم اياه! أما القسم التاني فهم إلي بعانوا، أنت بتعرف ما بتقدر تمشي بالشارع وأنت مثلي وتبوس حبيبك أو حتى تمسك يده“

حدثتني عن طبيب اخصائي مثلي تعرفه كيف كانت حياته؟

”اهاا.. الدكتور شاطر كتير ومبدع في مجاله ومثلي وبين أصدقائه المقربين معلن مثليتو، هوا على الاغلب حيهاجر برا عأي دولة أجنبية علشان يمارس حياتو بأريحية وبدون خوف، وبيني وبينك أصلاً هوا خسارة في هاي البلد!!“.

ختمت لقائي معه بمصافحته شاكرا له الثقة التي منحني إياها، لكن قبل توديعي له قال لي بضعة كلمات ”خليك بعيد يا ابني عن المشاكل هاي، هدول الحماسيس ما بيعرفو الله، خليك في دراستك وبس تطلع برة مستنقع غزة خود راحتك وناصر إلى بدك اياه“ ،كانت هذه الكلمات كفيلة بأن تسيطر الحسرة والألم، مخاطبا نفسي ”اذا كنت أنا مجرد مناصر لهذه القضية قابع داخل دائرة الخطر الشديد، فكيف لو كنت أحد هؤلاء المستضعفين!؟“.

أختم سلسلة المقابلات هذه بمقابلة صغيرة كانت مع شخص بعد التعرف عليه أصبح من الأصدقاء المقربين إلي، فهو مثال للشخص المثابر والمبدع في حياته، مناصر لذاته مفتخر بكينونته.

(س.ح، 20سنة): ”اكتشفت أني مثلي الجنس من الصغر، كانت تصرفاتي توحي بذلك، تعرضت للعديد من مواقف التحرش وأنا صغير بسبب تصرفاتي، لكن هذه طبيعتي لم أستطع تغييرها.

كانت حياتي في غزة جحيم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا استطيع ارتداء ما يحلو لي من الملابس أو مقابلة أشخاص من طبيعتي، كنت في المدرسة الحكومية أتعرض لكثير من المضايقات من التلاميذ وأحياناً من المعلمين، أغلب المعلمين في المدارس الحكومية هم من المنتسبين لحركة حماس، كانوا ملتحين وشديدين في التعامل. فبعد أن سيطرت حماس على قطاع غزة معظم المعلمون القدامى تخلو عن التدريس في مدارسهم الحكومية، مما دفع حماس إلى استقطاب معلمين من الحركة لسد العجز، كانوا ينادوني بألقاب مشينة في كل مرة يقابلونني ”يا شكر، يا بنوتة، يامخنث“، أما بالنسبة للطابور الصباحي فحدث ولا حرج، فقد جاء قرار من حركة حماس بوضع ضباط شرطة في كل مدرسة حكومية تحت برنامج ”الفتوة“ مسئولين عن بدء طابور الصباح واستبدلوا حصص الرياضة بحصص تدريب عسكري، في طابور المدرسة الصباحي كان هذا الضابط يقول لي دائما ”شدي حالك يا سوسو يا أمورة“ وفي حصص الرياضة يعنفني. لم أستطع التحمل وطلبت من أمي أن تنقلني إلى مدرسة خاصة، أعلم أن المشكلة لن تنتهي عند انتقالي لكن على الأقل تخفف من حدة المضايقات التي أتعرض إليها.

انتهيت من دراستي الثانوية بمعدل ممتاز وحصلت على منحة دراسية في أمريكا، سافرت إلى أمريكا وأنا الآن أمارس حياتي بكل حرية، أرتدي ما أريد ولا مزيد من الألقاب والسخريات، وأنا الآن أفتخر بكوني مثلي، فأنا الآن ”out and proud“، وأهم خطوة قمت بها، وجعلتني أشعر بارتياح تام، أني تحدثت لوالديُ عن ميولي، أبي لم يتقبل الأمر بسهولة أما أمي تقبلت الأمر وقالت لي أنها تدعمني وستبقى تحبني مهما كانت طبيعتي“.

ختاماً…

تجردت مني الكلمات لأوصف شعوري بعد رحلتي القاسية في البحث والتعرف، تتملكني مشاعر مختلفة من تعاطف مع هذه الفئة إلى النقم أولاً من الأهالي محدودي التفكير رجعيي المبدأ، إلى المتأسلمين الذين يتحكمون بحياة 2 مليون إنسان يمارسون عليهم شتى أنواع التسلط والعنف والظلم، حتى أني وضعت بعض الآمال على الأخصائيين النفسيين في غزة لكي يكونوا عونا ويداً لتنشل هذه الفئة من قعر الظلمات الممارس عليهم، لكن للأسف يكفي بأن تقرأ مقال نشر على أحد مواقع الأخبار الفلسطينية لشخص يدعي بأنه طبيب نفسي وأقل ما يقال عنه أنه جاهل، ولو أننا في بلد محترم يطبق القانون لسحبت رخصة هذا النكرة وكل الآفات مثله ومحقهم لأسفل درجات الجحيم، يدعى يوسف عوض الله يتحدث عن المثلية الجنسية، يكفي بأن ترى تعصبه اتجاه هذه الكلمة وإصراره على تسميته ”شذوذ جنسي“ أو ”لواط“. وترى محدودية تفكيره وفراغ بنك معلوماته.

ما في اليد حيلة، أعلم أن ما يعانيه المثليين في قطاع غزة يعانيه جميع المثليين في الوطن العربي، لعل فجر الحرية قريب… لعل سحق المتسلطون يكون أقرب لنعيش في أوطاننا بحرية، وإلا لن يكون الحل إلا أن نترك بلادنا ونذهب لبلاد الغرب التي بكل تأكيد ستكون أرحم لنا ولهم، ونترك بلادنا لهذه الفئات القذرة لكي يتقاتلون ويعيثون فيها الفساد لتصبح كالغاب، أعتقد بأنهم سيكونون سعيدين فهم يتخذون عقيدة الغاب وحياة الحيوان شعاراً لهم.

هذا المقال هو نتيجة مقابلات حقيقية. ولا يعبر بالضرورة عن رأي موقع دخلك بتعرف. كاتب هذا المقال لا يريد نشر اسمه نظرا لحساسية الموضوع خاصة في غزة.

عدد القراءات: 143٬663