علوم

هل سيتاح تعديل المادة الوراثية للعامة مستقبلاً ويصبح حقاً من حقوق الإنسان؟

تعديل المادة الوراثية

أتاحت التكنولوجيا الحديثة القيام بأمور كانت مستحيلة في الماضي، فالمركب الأنزيمي CRISPR مثلاً أتاح لنا إمكانية التعديل على المادة الوراثية بشكل أسهل مما مضى. ولكن؛ وقبل الخوض في التفاصيل، لا ننكر أن تعديل المادة الوراثية للبشر واستبعاد الصفات غير المرغوبة يعد أمراً شائكاً في المجتمع وذو أبعاد أخلاقية غير متفق عليها. وإن وصول العلم لهذه المرحلة المتقدمة من القدرة على تعديل الجينات والمركبات الوراثية للخلايا، قد يؤدي بنا إلى تغيرات جذرية على الجنس البشري! فهذا يحتم علينا وضع خطوط حمراء على ما لا يجب القيام به في هذا الخصوص؟

دعونا نتفق في البداية على أننا جميعا نخضع لعملية يمكن أن نطلق عليها اسم ”اليانصيب الوراثي“، هذا هو ما يحدث في الواقع. ولفترة طويلة كنا نظن أن هذا ”اليانصيب“ سيستمر للأبد. لكن وفي عام 2014، ظهور المركب الأنزيمي CRISPR — والذي يعتبر إحد تقنيات التعديل الوراثي — مكن علماء الوراثة من إجراء تعديلات على أجزاء سلسلة الحمض النووي البشري، من تبديل أو إضافة أو حتى إزالة أجزاء من تلك السلسلة. إلى الآن، هذه أسهل طريقة تم ابتكارها لمعالجة الشفرة الوراثية (DNA)، وهي تمهد فعلاً الطريق لعلاجات وراثية أكثر كفاءة وفعالية لأنها ببساطة تتيح إمكانية إزالة الجينات غير المرغوب بها.

• فيديو يشرح الـCRISPR بطريقة مختصرة (بالانجليزية)

تتركز تطبيقات المركب الأنزيمي CRISPR حاليا فقط على التعديل على الخلايا الجسدية، لكن إمكانية التعديل على الخلايا الإنجابية بات ممكنا أكثر مما مضى، فالتعديل على الخلايا الإنجابية سيخلق تغييرات ستنتقل من جيل لآخر ولن تكون مقتصرة على العينة التي أجريت عليها، هذا طبعاً سيخلق أيضاً تضارباً في وجهات النظر حيال قبوله أخلاقيا. قد يتيح أيضا المركب الأنزيمي CRISPR إمكانية التعديل على الحمض النووي لشخص ما قبل ولادته، وهذا سيؤدي لولادة أطفال مصممين حسب رغبة آبائهم.

يعارض البعض الهندسة الوراثية ويشيطن تطبيقاتها على البشر، في حين يعتبر البعض الآخر أن إمكانية التعديل على جينات أحدهم هو حق طبيعي له. ولكي نكون منصفين؛ فإن الذين يعتبرون التعديل على الجينات البشرية حق طبيعي لمن يحتاجه هم لم يجيشوا لفكرة خلق جنس بشري خارق عن طريق التعديل على المورثات البشرية، بل هم يؤمنون بفكرة إتاحة كافة تطبيقات التكنولوجيا لكل من يحتاجها في العلاج. هذا التبرير ليس الغاية منه التحايل على مفهوم التعديل على المورثات البشرية، بل لتوضيح أن هناك استخدامات مفيدة لهذا التطبيق، فقط القليل من الضوابط الأخلاقية ستكون مفيدة لتوجيه العلم في هذا الخصوص.

وتحقيقاً لهذه الغاية، تم تشكيل لجنة من الخبراء الذين تم اختيارهم من قبل ”الأكاديمية الوطنية للعلوم“ و”الأكاديمة الوطنية للطب“، كانت مهمتها إصدار توجيهيات مرجعية لعملية التعديل على الجينات البشرية، هذا السلسلة من التوجيهات تتيح القيام بالتعديلات على الجين البشري لكن بشرط الخضوع لحزمة صارمة من القيود والرقابة على تلك العملية.

اجتماع

Human Genome Editing Consensus Study

وفي ظل تلك المبادىء التوجيهية فإنه يبدو جلياً إن القيام بتعديلات على الجين البشري لمجرد التحسين فيه هو أمر غير مقبول على الإطلاق، والذي يجعل بعض مؤيدي التعديل الوراثي غير راضين تماماً عن تلك التوجيهات.

إن Josiah Zaynor الذي تبيع شركته THE ODIN عبر الإنترنت مجموعات مخبرية تتيح للناس ممارسة التعديل على الجينات بصورة مصغرة في المنزل، هو أحد الداعمين لفكرة أن يكون التعديل على الجينات حق مشروع من حقوق الإنسان. ولقد وضح وجه نظره عبر مقابلة مع الـOUTLINE حيث قال:

”نحن هنا وللمرة الأولى في التاريخ البشري بتنا خارج سلطة الجينات وتحكمها بكافة صفاتنا، نحن كمجتمع بدأنا نرى أن هذا الاختيار بات حقاً وليس مجرد رفاهية، ولكن ولسبب ما يرى بعض الناس أننا كبشر لا نمتلك الخيار عندما يتعلق الأمر بجيناتنا. قد أكون أنا ذكي وجذاب، ولكن أي شخص آخر يجب أن يكون قبيح وبدين وقصير، فقط لأني قد حالفني الحظ مع جيناتي والآخرين لم يكونوا محظوظين في ذلك؟“

ومع ذلك، فإن المؤسسات العلمية ما زالت مستمرة في التحذير من تلك الآراء، وداعية إلى عدم الإقلال من هول الآثار المترتبة على التعديل بالمورثات البشرية.

وبصرف النظر عن الجدال الأخلاقي، إن المركب الأنزيمي CRISPR يواجه أيضاً رفضاً من العديد من الطوائف الدينية، بل وحتى بعض وجهات النظر القانونية هي ضد مثل تلك التقنيات. ويبدو أن دول العالم منقسمة بخصوص قبول هذه القضية أو عدم القبول بها. فالأبحاث في هذا المجال في دولة مثل الصين تمضي قدماً، في حين أن دولاً مثل المملكة المتحدة وألمانيا والولايات المتحدة تبدو أكثر تردداً في الخوض في هذا المجال وتنظيمه.

إن الإمكانات الهائلة للتعديل على المورثات البشرية، في تغيير البشرية، هو حتماً سيورث المزيد من المعارضة الدينية والفلسفية لتلك القضية. ونتيجة للوتيرة المتقدمة للعلم في هذا المجال، فإنه من الجيد الخوض منذ الآن في نقاشات حول ما لا يجب القيام به في هذا الحقل من العلم.

مقال من إعداد

mm

عبد الباسط ناعورة

من سوريا، طالب هندسة حواسيب، عملت بتدريس اللغة الإنكليزية وعملت بمجال الدعم النفسي وحماية الطفل.

المصادر

عدد القراءات: 4٬439