اجتماعيات

حقائق لا تعرفها عن الملحدين

ما هو الالحاد؟ من هم الملحدون؟ هل هم فعلا كما تظنهم أو كما تسمع عنهم؟ صدّقوني، أنا لا أكتب هذا الموضوع مجاملة للملحدين، ولا لإغاظة المؤمنين، كما أنّني لست ملحدا ولا أخطّط لأكون واحدا منهم، لكنّ توضيح الأمور وإزالة اللّبس عنها كان ولا يزال الدور الأساسيّ للعلم عموما ولهذا الموقع خصوصا، مع تحرّي الحياديّة ما أمكن.

الملحدون ليسوا شرذمة من النّاس

الملحدون

الصورة من موقع atheistsunited.org

في مقال لجريدة الدايلي ميل البريطانية، مذكورٌ أنّ عدد البشر الذين لا يدينون بأيّ ديانة يتفوّق على عدد الهندوس في العالم. وهذا ليس أمرا هيّنا على الإطلاق. تخيّل أن اللّاديانة تأتي ثالثا بعد المسيحيّة والإسلام. بعدد يقارب المليار ونصف بشريّ، وهو رقمٌ بعيد كل البعد أن يكون قلّة. فإن كنت عزيزي من البشر اللذين يحكمون على الأفكار بعدد من يتبنّاها، فأبشّرك بأنّ الملحدين ليسوا قلّة في هذا العالم.

الإلحاد ليس ديانة

على عكس الديانات والجماعات الأخرى فالإلحاد موقف شخصيّ. صحّ، ُيمكن أن تتشابه التبريرات و الأدلة، لكن ليس هنالك ميثاق عالميّ للإلحاد يجبُ على كلّ ملحد على وجه الأرض أن يتبعه، ليس هنالك نبيّ للملحدين ولا كتابٌ أو دليلٌ لإرشاد الملحدين الجدد.

ليس هنالك التزامات وواجبات على المرء إتيانها ليكون ملحدا. كلّ ما في الأمر أن التساؤلات تتشابه، وهي نفس الأسئلة التي طرحها القدماء مع تغيّر الظروف والأزمنة. وسبب هذا التشابه بسيطٌ للغاية: ”المتسائل منذ القدم واحدٌ، هو الإنسان الذي تساءل عن ماهيّة وجوده، عن خلقه ومصيره“

ما يؤمن به ملحدٌ ما لا عبّر بالضرورة عن الخطوط العريضة للإلحاد التي قرأت عنها أو سمعت عنها، فليس هنالك ملحدٌ مثاليّ وآخر أقلّ مثاليّة، كل ما في الأمر أنهم ينتمون دون إرادتهم إلى زمرة عدم المنتمين. و بالطّبع ليس هنالك ممثّل أو قائد للطائفة تنهارُ بانهياره.

الملحدون ليسوا عباقرة أو حمقى

مجموعة من العلماء

مجموعة من العلماء أعلنوا أنهم ملحدين

ككلّ البشر، الملحدون منهم الحمقى، ومنهم العباقرة. نفس الأمر بالنسبة للمؤمنين. لا يجوز تعميمُ الأمر على أيّ طائفة ولا وصمها بصفة نُسقطها على الجميع. فكما أنّ من المؤمنين من يؤمن دون وعي هنالك من الملحدين من يُلحد دون وعي، مجرّد متبّع مقلّد، والمقلّد شاذّ لا يُقاس عليه.

ليس المقامُ مناسبا لأعدّد العباقرة والعلماء، في السّابق والحاضر، الذين لو يؤمنوا بوجود خالق لهذا الكون، ولا يجبُ أن أذكر العلماء المؤمنين بوجود خالق وإنجازاتهم، كلّ ما يمكنني ذكره هو أنّ الأمر لا يتعلّق بالإيمان من عدمه بوجود خالق.

التطوّر ليس إلحادا

يجب على الجميع أن يفهم ” الحقائق العلميّة محايدة تماما ” ، الإنسان هو من يعمل على تطويعها وتفسيرها كما يحلو له. التطور لا يخرج عن هذه القاعدة، حتى إن ادّعى البعض بأنّ التطور مذهب إلحادي صرف، فذلك لا يعبّر عن الحقيقة أبدا.
داروين صاحبُ النّظريّة الأوّلية، ومؤلف ” أصل الأنواع ” لم يكن ملحدا ، ولم يُشر في كتابه أو مذكّراته من بعيد أو قريب إلى أنّ هذه النظرية دليلٌ على وجود خالق من عدمه.

تخيّل الانفجار العظيم مثلا، انبثاق كوننا بكلّ ما فيه من طاقة من نقطة صغيرة جدا، كثيفة جدا، معلّقة في اللامكان. هذه الحقيقة العلمية محايدة تماما، من الممكن أن يفسّرها المؤمن بوجود خالق دفع الأنتروبي الخاصّة بهذه الفقاعة الكثيفة لتنفجر وتحرّر طاقتها، كما يمكن أن يفسّرها الملحدُ بأنُها انفجرت نتيجة تصادم بين أكوان اخرى في أبعاد أخرى، أو أن يشبّه الكون بطائر الفينيكس الذي ينهض من رماده، ينفجر ليتوسع ثم ينكمش ليعود كما كان، ثم ينفجر مرة أخرى وهكذا داوليك …

لا يجوزُ لشخص أو فئة أن تحتكر العلم أو تقوم بأدلجته، فالحقيقة ليست ملكا لأحد. والتطوّر ليس ماركة مسجّلة للملحدين، حتى إن كانت هي التفسير المقبول لديهم لشرح التنوع البيولوجي.

وللعلم هناك من المؤمنين من يثق في التطوّر، ويتبنّاه كخطّة الاله للخلق، خطّة بديلة عن فكرة الخلق المستقلّ.

الملحدون ليسوا فاشلين اجتماعيّا

Daniel Radcliffe

الممثل البريطاني Daniel Radcliffe المعروف بلعبه دور Harry Potter – الصورة من CNN

كما قلنا الإلحاد موقف شخصيّ، وقد يكون الدّافع إلى الإلحاد ظروفا اجتماعيّة أو نفسيّة قاهرة، ربّما فشلا دراسيّا أو عاطفيّا أو مشاكل أسريّة، مثله مثل الإيمان تماما. هناك من دفعه فشله الدراسي إلى التطرّف الديني، وأعرف من دفعته ظروفه المالية الصعبة لتغيير دينه بحثا عن الفيزا. هناك من ترك دينه لأنّ الاله لم يسعفه في أحلك اللحظات، و هناك من ترك الإلحاد لأن الاله استجاب لضعفه. قد تجدُ من ألحد بحثا عن الحقيقة، مستخدما المنطق والعقل. ومن الملحدين من آمن لأنه وجد الأجوبة التي يبحث عنها في دين معيّن. .فكما ترى عزيزي، الأمر بعيدٌ عن التعميم، بل خذها قاعدة عامّة ”لا تعمّم“ .

الإلحاد ليس انحلالا أخلاقيا

كما نوّهنا سابقا، الإلحاد ليس حركة لها قوانينُ تحكمها وقواعدُ على الجميع احترامها، هي تطبيق شخصيّ لفكرة رفض وجود اله أو قوة خفية تحكم هذا العالم. باختلاف شخصية الفرد وظروف الحاده ومستواه التعليمي يختلفُ فهمه وتطبيقه للفكرة التي تبنّاها.

الكثيرون للأسف، حتى بعض الملحدين، يرون الإلحاد مرادفا للانحلال الأخلاقي والمجون والتسيّب ورفض كل القوانين والقواعد.
هناك من الملحدين من هم أكثر إنسانيّة من بعض المؤمنين، لأنّ رفض وجود حساب وعقاب آخروي لا يعني بالضرورة الانسلاخ من الآدميّة والتحوّل إلى حيوان يضاجع اخواته وأمّه. هذه الفكرة المغلوطة هي نتيجة مقدّمات فاسدة مفادُها: بما أنّ الديكتاتور س و الامبراطور ع و السفاح ص كانوا ملحدين، إذا فكلّ ملحد يتبنّى أفكارهم هو مجرمٌ بالضّرورة.

الملحدُ ليس أعمى

بعض المؤمنين يتعامل مع كلّ الملحدين بنفس الطّريقة، يعتبرهم عميانا عن الحقائق، أو لنقل يجحدونها، لكنّه لا يعلم أنّ ما يراه هو، يختلف عمّا يراه غيره، و قد لا يكون المُلحد جاحدا عن قصد، كلّ ما في الأمر أنّه لم يقتنع كما اقتنعت و لم ترقه الأدلّة التي قدّمتها. الكلّ يرى الأمر من زاوية مختلفة، و يجب عليك أن تحترم هذا الاختلاف و تقدّره، و تتذكّر أنه ليس كلّ من لا يرى ما تراه أعمى.

الإلحاد والانتحار

جمجمة

الصورة من فليكر لـ Ben Francis

هناك الكثيرُ من الدراسات التي أجريت في هذا النطاق، وهذه الفقرة لن تكفي لمناقشة الأمر الذي أُلّفت فيه كتب و مباحث طويلة عريضة. لكن ما يمكنني قوله هو ما قالت به دراسة عن علاقة الدين بالانتحار ، و للعلم هذه النتيجة توافق ما وصلت إليه العديدُ من الدراسات الأخرى: ”لا شكّ أن الدين يلعب دورا وقائيا ضد الإنتحار في أغلب الحالات، لكن هذه الوقاية تختلف باختلاف الثقافة و الخلفيات الدينية“.

صحيح أن نسبة الانتحار عالية في الدول التي نسبة الملحدين بها عالية، كالدول الاسكندنافية مثلا، لكن ذلك لا يمثّل رابطا مباشرا بين الأمرين. لا يمكن لأيّ دراسة الجزم بالأمر: لأنه يخضع لمتغيّرات أخرى. فالدول العشرة الأفقر في العالم هي دولٌ متديّنة، فهل يمكن القول بأن الدّين سببٌ للفقر والتخلف؟

لا تنس أن الدول الدينية التي بها نسب منخفضة للانتحار هي دولٌ متوسط دخل الفرد فيها مرتفع جدّا: كدول الخليج مثلا، وهذا قد يكون عاملا مهمّا يشوش على العلاقة بين الدين و الانتحار.

الوصول للإحصاءات الرسمية و المعلومات الدقيقة صعب في الدول العربيّة والمسلمة. بسبب العار والخوف من كلام النّاس قد يضطر الأهل للقول بأن موت ابنهم جاء نتيجة حادثة بدل القول بانه انتحر. هذا الأمر يمسّ بمصداقية البيانات.

وتذكّر أن الوازع الديني والخوف من العقاب الأخروي هو كلّ ما يمنع الكثيرين من إنهاء حياتهم البائسة. إن انتفاء السّبب قد يقلب جدول التّرتيب رأسا على عقب.

و قد يكونُ الملحد السّويديّ أكثر سعادة من المؤمن السّعودي أو البرازيلي، فأكثر الشعوب سعادة –الاسكندنافي هم أكثرهم إلحادا. لكن كما قلنا هذا لا يعني شيئا إحصائيا.

الملحد لا يملك كلّ الاجوبة

الملحدُ لا يملكُ كلّ الاجوبة عن كل الأسئلة التي تحيّرك، وهو ليس ملزما بتقديم تفسيرات أو أجوبة تُرضي غرورك. بكلمات أخرى رفضه للتفسيرات التي تقدّمها الديانات، لا يلزمه بتقديم تفسيرات بديلة. رفضُه لمبدأ الخلق المستقلّ لا يلزمه بتقديم خطة بديلة للخلق، فهو في طور البحث. و إن كنت مؤمنا بشيء ما لأنّك لا تجد تفسيرات بديلة، فأنصحك بمراجعة قناعاتك فورا.

النقاشات العقيمة

في استفتاء أجراه مركز Pew Research Center سنة 2014، سُئل فيه ملحدون عن إن كانوا يصرّحون بمعتقداتهم أو يناقشونها مع المتديّنين: صرّح ثلثي الأفراد المشاركون في الاستفتاء بأنّهم لا يناقشون معتقداتهم مع المتديّنين ولم يفعلوا ذلك إطلاقا.

عليك أن تفهم بأنّ ليس كلّ اليهود متحمّسين للحديث بإسهاب عن الهولوكست. وليس كل الهنود الحمر مستعدّين لجلسة استجواب عن المعتقدات القديمة للقبيلة التي ينحدر منها. قد يكونُ الملحدُ في حالة شكّ يُرثى لها باحثا عن أجوبة ليجد السّلام النفسي، فلا تزد معاناته بأسئلتك التي توحي بأنّك ترى الأمر مجرّد لعبة أو مناظرة كلاميّة.

حتّى نختم اسمحوا لي أيها القرّاء الأعزّاء، ملحدين ومؤمنين، بأن أدعوكم لترك النمطيّة فهي سبب كلّ الشّرور. كلّف نفسك عناء البحث و التقصّي تنكشف أمامك الحقائقُ جليّة. أيّها المسلم أنت ترفض بأن يتهمك العالمُ بالارهاب لأن القاعدة وداعش تنتسبان للإسلام، أيها المتديّن أنت تخجل عندما يصفك أحدهم بالحمق والغباء، لأنّ جماعة دينية تعدادها 300 شخص تؤمن بأن الكائنات الفضائية هي التي صنعت هذا العالم، محسوبة على المؤمنين.

لا تكن مثل أرسطو الذي ادّعى بأنّ عدد أسنان النّساء أقل من عدد أسنان الرّجال، مع أنّه تزوّج مرّتين اثنتين لكنّه لم يكلّف نفسه عناء تفحّص أسنان أزواجه. لا تكن مثل أرسطو رجاء.

هذا المقال لا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع.