أقصوصة

ثمانون حبة دواء لم تكن كافية لقتل نفسي

ثمانون حبة دواء

”لا أستطيع نسيان مذاق الدواء“.. لم يكن يوماً عادياً، ذاك اليوم حين قررتُ قتل نفسي. لم يكن كما يصفونه في الأفلام والمسلسلات، لم يُغمَ عليّ، لم يكن هناك دماء ولم يكن وليدَ لحظاتٍ صغيرة.. لم يكن جبناً ولا جرأة.

كانت الأفكار الانتحارية تراودني منذ فترة، حاولتُ إخبار البعض من رفاقي ولكنّ ردّات فعلهم لم تساعدني ”بس انتِ عندِك كل شي هيدي أنانية، ما بتفكري بأهلِك لي ربوكي وتعبوا عليكي“، بل زادت من الطين بلّة.. كيف تخبر والديك أنّك تريد الموت لإسكات والتخلص من ألمك الذي لا ينتهي، أنّ هذه الأفكار تجعلك خاضعاً لها؟ كم أردتُ إخبارهم أنّ ابنتَهم ليست على قيد الحياة بل تتنفّس فقط وكأنّها غير موجودة، كم يصعُب عليها القيام بالمهام اليومية الطبيعية. أردتُ إخبارهم أنّني أسير وسط أنفاقٍ طويلة معتمة لا نهاية لها وجميعُها تؤدّي إلى مفترق واحد؛ الموت..

امتلاكي كلّ شيء لم يجعلني سعيدة، أضحك دائماً أمام رفاقي وأحاول إخفاء هذه الأفكار على قدر الإمكان ولكنّها تساوي الجبال والسهول والصخور بثقلها والغيوم السوداء الرمادية بلونها، وجميعُها قابعة على نفسي وجسدي وعقلي وقد أثقلت كاهلي وغالباً ما تلاحقني، وكيف أنّني الوحيدة التي تستطيع التماس هذا الكمّ الهائل من هذا الألم الخفي.

لا أذكر متى بدأت تخالجُني هذه المشاعر ولكنّني حاولتُ إخفاءها وكبتها قدر المستطاع. كلّ ليلة، أُخرج ورقةً بيضاء، أجلسُ أمام مكتبي وأبدأ بكتابة رسالة وداعي الأخيرة، فلَم أستطع الرحيل دون وداعهم وتوضيح أسباب رحيلي المفاجئ. أبدأها دائماً بعبارة ”قد فقدتُ الأمل، سامحوني“ وأتوقف هنا، أمزقها، أبكي كثيراً وأعطي نفسي يوماً آخر، ولكنّني حين أستيقظ في الصباح أعاتب نفسي الجبانة على بقائها حية.. كيف أفعلها إذاً؟ حبوب، حبْل..؟؟ لم أرِد طريقة دموية، فاخترتُ الحبوب.. أُخرجها من العلبة كالمعتاد، أضعُها على الطاولة، أعدّها، أبكي ثم أقنعُ نفسي بفرصة أخرى، حتى أتى ذلك اليوم المشؤوم وكنت قد استخدمتُ كلّ فرصي.

في الأيام السابقة لهذا اليوم، حاولتُ التصرّف بفرح وتفاؤل، معوضةً عن كل التعاسة التي عشتُها في الفترة الأخيرة، حاولتُ إعطاءهم تلميحات على رحيلي ”عبالي موت، لشو بدي ضل عايشة، لي بيموت بيرتاح..“ ولكنّ فرحي المفاجئ لم يسمح لهم برؤية أبعد منه. ذاك اليوم لم يكن غريباً، بل استفقتُ من النوم مع بدء العدّ التنازلي لتلك اللحظة، شاهدتُ التلفاز واستحممتُ، أنهيتُ رسالة وداعي وأخرجتُ الثمانين حبة، كيف تصف شعورك حين تُقدم على قتل نفسك؟ لم أكن أشعر بشيء سوى بالارتياح لانتهاء الألم، ابتلعتُها وانتظرتُ موتي.

ها أنا جالسة على سريري.. لم أبارح مكاني بعد مرور ساعتين، غير أنّ مشاعر الخوف بدأت تنتابني، وكأنّ الأفكار الانتحارية بدأت تختفي، واحتلّ مكانَها صوتٌ في رأسي قائلاً ”أنتِ لا تريدين الموت حقاً، لا زلتِ حية، لم يفُت الأوان، أخبريهم“.. ترددتُ في البداية، فأنا انتظرتُ هذه اللحظة منذ زمن طويل ولكنّني سارعتُ بخوف وقلق إلى إخبارهم عن الثمانين حبة.. خيبةُ الأمل والخوف والغضب سيطرت على وجهيهما، لم يقولا شيئاً للوهلة الأولى، صمتٌ رهيب تلاه صراخُهم بعبارة ”ليش يا بابا ليش“ ممزوجاً بدموعهم..

من المنزل اتّجهنا إلى المستشفى، حيث أُجريَ لي غسيل معدة… قضيتُ ليلةً طويلة بلا نوم هناك، محاطةً بوالدين خائفين على سرير أبيض بارد رغم إحاطتي بهم طوال الليل.. أردتُ التوقف عن التفكير بما حصل قبل ساعات، ولم أرغب بالتكلّم مع أحد عمّا حصل رغم إلحاحهم عليّ.. لم أكن مريضةً عادية، بل كنتُ مجرمة بنظر الممرضات اللاتي دفعتهُم حشريتُهم إلى التعرف عليّ ومعرفة سبب محاولة قتلي لنفسي ”أهو اغتصاب، أم فقداني لعذريتي مع شاب تركني فوراً أو أو أو..؟“ أدركتُ ليلتها أنّني لم أرِد الموت، بل أردتُ مساعدةً طلبتُها من الجميع من البداية وجوبهتُ بالكفر والذنب..

أرجوكم، انتبهوا إلى الإشارات التي قد تدلّ على إقدام أحدهم على قتل نفسه (تكلّمهم عن الموت كثيراً، وصفُ أنفسِهم بالعبء، لا يجدون هدفاً من إكمال حياتهم، كتابةُ الوصية أو رسائل وداع…). ساعدوه عوضاً عن لومه.. لا زلتُ هنا رغم الثمانين حبة التي مثلت نداءً للمساعدة، لأخبركُم أنّ الأمراض النفسية عبءٌ لن يفهمه إلّا صاحبه، اقرؤا عنها واصغوا إلى غيركم.

عدد القراءات: 5٬151