أقصوصة

حالمٌ بمخيم أقلُ بؤسا

ليس من الطبيعي أن ينتهي بك الأمر تفكر بأنك انتهيت عن الحياة بسبب أنك لم تجد فرصة عمل نزيه يكسبك رغيفين من الخبز وقطعة من الجبن، وعلبة سجائر رخيصة تمنح لك سرطان الرئة الذي تتمناه؛ حتى يهتم بك من حولك.

أو تفكر بأنك لست سوى رقم مدون في ملفات الدوائر الحكومية، يستخدمونك أثناء عمليات الإحصاء لتعداد السكان في بلدك أو لإحصاء اللاجئين السياسيين في بلد أخر.

أو حتى أن تكون رقماً كبيراً يدوّن أسمك بجانبه بخط صغير، حتى يتم تمييزك أثناء توزيع حصص الإغاثة على المخيم الذي أعطوك إياه بدل منزلك الذي سلبوه.

أو قارورة حليب لابنتك الصغيرة التي ستقف يوما مكانك تفكر مثلك لأنك استسلمت بهذه البساطة…

هكذا أخاطب نفسي بعد استيقاظي في الثواني الأولى التي أشتم بها رائحة الصرف الصحي المارِ أمام بابِ خيمتي. لكن دائما ما ينتهي بي المطاف وكأني أتحدث في الفراغ.

أتذكر أنه عندما توفي والدي كنت في سن السادسة عشر راكباً في سيارة أجرة متجهاً الى المنزل حتى نقيم مراسم العزاء، تصحبني هالة سوداء من الاستسلام وخزانات من الذكريات التي لا تنتهي، كنت أنظر لوجوه الناس في الطريق، أكاد أصرخ من شدة الغيرة التي كانت قد أوثقت حبالها بي آبيّةً أن تفارقني، كنت فقط أريد ان أخرج رأسي من النافذة وأصرخ… ”لماذا لا أحد يعلم أني أتألم؟ لماذا أنتم تبتسمون؟ لماذا لا تشاركوني العزاء؟ لماذا تخرجون في مواعيدٍ غرامية وتذهبون لتذوق الفول من الساحة العامة وأنا هنا مجبر على إكمال طريقي لأقيم مراسم العزاء لشخص قد مزق أحشائي فقده وجعلني مجوفاً من الداخل مجرداً من الأحلام والطموحات؟“

بِتنا الأن نعيش في جماعات، مشردين في مخيمات شتى ونتحدث لغات شتى، لكن مازال البؤس والفشل يوحدنا، تغيرت جميع القوانين المحيطة بنا ولكن ما زلنا نحن ضعفاء لم نتغير غير قادرين على الصراخ أو البكاء، فما زلنا نعتقد أن البكاء ليس من شيم الرجال.

حاذر فالموت قادم لا محالة، لا تورث بؤسك لابنتك الصغيرة لربما يتغير مكان المخيم وتصبح مضطرةً للتأقلم مع خيمةٍ أشدُّ بؤساً.

عدد القراءات: 311