خسة

مفاتيح الجدال السحرية السبعة، والتي ستساعدك على الدفاع عن أفكارك العزيزة مهما كان خطأها وسخفها

الدوغمائية
صورة: David Foldvari

دليلك إلى الإنتصار – أو على الأقل تجنب الهزيمة – في أية مناقشة، بغض النظر عن ضعف موقفك.

”الدوغمائية هي التعصب لفكرة معينة دون قبول النقاش فيها“ – من ويكيبيديا.

هل تؤمن بفكرة عقائدية معينة تملأ كل كيانك، ويدور حولها عقلك وقلبك كما يدور بلوتو حول الشمس؟ هل تعتبر أن ما تؤمن به هو الحق الأوحد الحصري الكافي الشافي، والذي يعلو على أي عقل أو منطق أو أخلاق؟ وهل ترى أن عقيدتك تلك فيها إجابات جميع الأسئلة، وفيها شفاء كل النفوس، وفيها الحلول المثلى لجميع مشاكل البشرية، بداية من مشكلة الشرق الأوسط وصولا إلى الإحتباس الحراري؟ وبالتالي هل تجتاحك رغبة شديدة في فرض عقيدتك العزيزة على الآخرين حتى تسود العالم أجمع؟ وهل تعتبر أن جماعتك التي تشاركك الإيمان هي أفضل من سائر البشر، وأن كل من يخالف أفكاركم هو إما شرير أو أحمق؟

إن كانت الأجوبة بنعم فكل التهنئة لك إذن: أنت دوغمائي من الطراز الأول.

ولعلك، مثل العديد من الإخوة الدوغمائيين، تجد نفسك مضطرا، وللأسف، لأن تدخل في جدالات محتدمة مع مخالفيك بين الحين والآخر، والذين يقومون بنقد مقدساتك الغالية: أفكارك وشخصياتك ونصوصك، بشكل لا شك أنه يزعجك ويثير غيظك الدوغمائي سريع الإشتعال.

في تلك الحالة فاليوم هو يوم سعدك، لأننا سنمنحك هدية ثمينة، تحتوي مفاتيح الجدال السحرية، والتي ستساعدك على الدفاع عن أفكارك العزيزة مهما كان خطأها وسخفها وافتقارها إلى الدليل، وبالرغم عن أنف المنطق والعلم والواقع؛ تلك المفاتيح ستمكنك من الإنتصار في أي مناظرة والإجابة على جميع الشبهات والنجاة من كل المآزق التي سينصبها لك خصومك في الفكر والعقيدة.

اقترب قليلا صديقي، فحالا سنقدم لك أصدقاءك السبعة الذين لا غنى عنهم لكل دوغمائي نموذجي يسعى لا للحق ولكن للإنتصار في الجدال:

الصديق الأول: التأويل

حين ينتقد أحدهم نصوصك وكتبك المقدسة الأثيرة، فتذكر بأن النصوص عموما، والنصوص الأدبية خصوصا، والنصوص المقدسة بصورة أخص، هي كيانات مطاطية هلامية يمكن التلاعب بها وأعادة تفسير معانيها حسب الغرض؛ ثم تذكر أن الغاية تبرر الوسيلة، والضرورات تبيح المحظورات، وأن الدوغمائي المخلص يهتم بنصرة اسم عقيدته بأكثر من اهتمامه بمحتواها، ناهيك عن اهتمامه بالحق أو المصداقية أو الإنصاف.

بالتالي فسيفيدك – بين الحين والآخر – أن تلوي عنق النصوص التي تزعجك، فتزعم بأن القائل لم يقصد ما قاله، وإنما قصد ما تعتقده أنت؛ وفي تلك الحالة فلا مانع من اللف والدوران والتعسف والترقيع والزئبقية، بحيث تقول أن الكاتب حين يذكر (أ) فهو في الواقع لا يعني (أ) بالمرة وإنما يعني (ب)!، وأنه لا شأن لك بجميع الحمير الذين يعتقدون أن من يقول (أ) إنما يقصد (أ) فعلا.

الصديق الثاني: الإنكار

الدوغمائي حين يدخل في نقاش فهو عادة يتعرض إلى العديد من الإتهامات فيما يخص أفكاره وسلوكيات جماعته، وهنا يتوجب عليك تعلم مهارة الإنكار المستمر والتهرب من أي مسؤولية، تماما مثل الحشاش الذي تقبض عليه الشرطة متلبسا بحيازة المخدر، فليس أمامه حل سوى الإنكار والإنكار، ثم يتبعه بمزيد من الإنكار على طول الخط بلا كلل أو ملل؛ وأما الكارثة الحقيقية فهي الإعتراف بأي خطأ مهما كان واضحا كالشمس، لأن هذا يعني الإدانة؛ والنتيجة أن أي خطأ هو – دائما وأبدا – مسئولية الآخرين، وأما جماعتك المقدسة فهي بريئة من كل شيء.

الصديق الثالث: الإنتقائية

في مواجهة الحقائق المزعجة ستجد أن واحدا من أهم أسلحتك المضادة – كدوغمائي – هو الكيل بمكيالين، فإن كانت نصوصك السيئة ليست سيئة حقا فهذا لا ينطبق على الطرف الآخر، وأن كانت جماعتك بريئة من أي ذنب يلصق بها فهذا لا ينطبق على الجماعات المنافسة؛ والذين – بعكسنا – نصوصهم السيئة سيئة حقا، وجرائمهم مسؤوليتهم لا مسئولية غيرهم.

وعند أي مقارنة يمكنك اللجوء إلى اللعب بالعدسات المكبرة والمصغرة، لتضخيم الجيد عندك وتصغير الشر عندك، مع عمل العكس فيما يخص المخالفين.

الصديق الرابع: القفز

مع التأويلات والإنكارات والإنتقائيات قد تظل تواجه في النقاش مآزق صعبة لا تجد لها ردودا، وفي تلك الحالة فالواجب ببساطة هو القفز بسرعة ورشاقة كالجرادة فورا إلى موضوع مختلف تماما، للفت الإنتباه بعيدا عن الموضوع الأصلي (فيما يعرف بـ”الرنجة الحمراء“).

وستكون الحيلة أمهر لو أن القفز كان إلى موضوع يمثل إدانة للمحاور، من باب خير وسيلة للدفاع الهجوم، ومن باب منح نفسك الفرصة ترك ميدان محرج والإنتقال للعب في ميدان أسهل يمكنك الإنتصار فيه (مما يذكرنا بقصة جحا الذي فقد أمواله في مكان مظلم، فذهب يبحث عنها في مكان آخر مضيء حتى يكون البحث أسهل) – وهكذا يمكن أن يكون النقاش أصلا حول واقعة تاريخية معينة، فينتقل فجأة – بخفة يد جديرة بلاعبي السيرك- إلى محاكمة أخلاقية للمحاور.

الصديق الخامس: المجهول

تذكر دائما أنه حين يخذلك الواقع – بحقائقه اللعينة التي لا تتماشى مع أفكارك الجامدة سابقة التجهيز – فإن ميدان الخيال دائما متاح ورحب؛ وهنا فالمجهول هو ساحتك الرابحة، حيث تكون لديك الفرصة لتعمل خيالك الدوغمائي فيها وتفترض ما تشاء من أمنيات وأحلام وسيناريوهات؛ وهذا المجهول يشمل عالم الغيب والميتافيزيقا (الذي لا يراه أحد) كما يشمل الماضي الذي وصلتنا حكاياته عن طريق مصادر خرافية أو شعبية أو دعائية منحازة، ومن ثم يستحيل التحقق منها بدقة.

الصديق السادس: شيطنة المخالف

طالما اتفقنا أن أفكارك صحيحة ومطلقة وواضحة كالشمس، كما أنها عنوان للحق والخير والجمال، فهذا يعني أنه لن يختلف معك أحد في الرأي ببساطة لأنه صاحب وجهة نظر صىدقة – لا، هذا من رابع المستحيلات؛ فلن يعارضك إلا واحد من اثنين لا ثالث لهما: إما وغد شرير جاحد صاحب مصلحة وأطماع، وإما أبله منعدم الثقافة مغسول الدماغ مخدوع على يد قوى الشر التي تكره الحق كالجحيم.. هذا يعني أن كل انتقاد لفكرك هو مسألة شخصية، وأن الإختلاف معك ليس مجرد اختلاف وإنما هو جريمة أخلاقية أو ضلال مبين.

الصديق السابع: نظرية المؤامرة

قلنا أن من يختلف مع دوغمائيتك هو شرير أو مخدوع، ولكن الواقع أن أكثر البشر على الكوكب – بطبيعة الحال – يختلفون معك، فكيف يمكن تفسير هذا؟!

الجواب هو المؤامرة: فأكثر الناس على ضلال لأن قوى الشر – المتحالفة ضد الحق الذي تحمله أنت وجماعتك – تخدع البشر وتغسل أدمغتهم بالإعلام. هذا السيناريو الدرامي سيمنحك فرصة رائعة أن تضرب بعرض الحائط جميع الوقائع والأبحاث وآراء المتخصصين التي لا تتماشى مع أفكارك، بحجة أنها ”جزء من المؤامرة“، كما سيمنحك فرصة لأن تدين كل من يخالفك باعتباره إما جزء من المؤامرة أو أحد المخدوعين بها.

أما بعد:

فهؤلاء السبعة هم أصدقاؤك المخلصون الذين سيساعدوك على الإحتفاظ بأفكارك الدوغمائية الجامدة في وجه طوفان الحقائق العلمية أو الأخلاقية التي تعارضها؛ والجدير بالذكر أنه كلما تدربت على استخدام تلك الحيل كلما صرت أكثر مهارة، وتصل الإحترافية إلى ذروتها في دمج الأساليب معا مما يزيد مفعولها، كما في المثال التالي:

لنقل أن أحد خصومك الفكريين الأوغاد جاء يتهمك قائلا أن زعيم جماعتك العزيزة هو شخص مجرم سفاح، لأنه – كما تقول سيرته – قد أمر أتباعه بقتل جميع الخالات، وأخوات الأمهات، وذلك لأنه شخصيا كان يكره خالته بشدة حتى أنه قام بذبحها وأكلها!

حينها يمكنك الرد على تلك الشبهة على عدة محاور: فتقول أن الزعيم حين أمر أتباعه بقتل الخالات فإنه لم يعني القتل الفعلي وإنما هو كان يتحدث مجازا إذ كان يقصد أمرنا بـ”قتل الكراهية“ داخلهن، بأن نبرّهن ونحسن إليهن (تأويل) وأما أنه قتل خالته وأكلها فهي كذبة لم تحدث (إنكار)، وحتى لو كان فعلها فمن المؤكد أنه كان لديه أسباب وجيهة جدا (مجهول)، ثم إن قائدنا العظيم كان شخصا متسامحا بدليل أنه ذات مرة أعطى وردة لطفلة صغيرة (قفز وانتقائية)، وأما فيما يخص الأتباع فنحن أشخاص رائعون ولسنا كلنا نقتل الخالات (إنكار وانتقائية)، ومن يقوم بقتل خالته فإنه لا يمثل جماعتنا (إنكار)، ثم لعلهم قاموا بذلك دفاعا عن أنفسهم ضد خالاتهم الأشرار (مجهول)، والأهم من ذلك أن أصحاب تلك الشبهة مغرضون أشرار (شيطنة المخالف) يهاجموننا لأنهم يكرهون الحق ويريدون إشاعة الفوضى في المجتمع (نظرية مؤامرة) – وهكذا بحمد الله تم نسف الشبهة وإثبات براءة زعيمنا.

عدد القراءات: 6٬904