in

تغريدة ريتشارد دوكنز تشعل موقع تويتر، وتعيد الجدال حول تحسين النسل إلى الواجهة

ريتشارد دوكنز والجدل حول تحسين النسل

لطالما كانت فكرة ”تحسين النسل“ واحدة من أكثر الأفكار المثيرة للجدل من النواحي الأخلاقية، فقد تسببت بالخلاف منذ تقديمها كفكرة أولاً في اليونان القديمة، وعودتها إلى الساحة في نهايات القرن التاسع عشر، وحتى تطبيقها في القرن العشرين من قبل النازيين.

في الأيام الأخيرة عادت فكرة تحسين النسل إلى الواجهة بقوة، والسبب هو تغريدة لعالم البيولوجيا التطورية الشهير ريتشارد دوكنز (Richard Dawkens)، حيث تسببت التغريدة بعاصفة من الردود والانتقادات، وحتى أن وسم #Eugenics (وهو مصطلح تحسين النسل باللغة الإنجليزية) تصدر قائمة المواضيع الرائجة على تويتر لبعض الوقت.

لفهم ما حدث تماماً وتأثيره لا بد من الحديث عن الخبر أولاً، ومن ثم الخوض بموضوع ”تحسين النسل“ لفهم ماهيته وسبب الجدل الكبير حوله، ولماذا بات من المهم العودة إلى النقاش حوله في العصر الحديث بعدما زال من السياسات الخاصة بالبلدان منذ عقود طويلة.

تغريدات دوكنز والظروف المحيطة بها

سابسكي، الذي تسبب تعيينه كاستشاري بالجدل الاصلي الذي قاد لتغريدة دوكنز
سابسكي، الذي تسبب تعيينه كاستشاري بالجدل الاصلي الذي قاد لتغريدة دوكنز

بدأت القصة عندما تم تعيين شاب باسم أندرو سابسكي (Andrew Sabisky) كاستشاري لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون (Boris Johnson). حيث بحث بعض الصحفيين عن الاستشاري الجديد، وعثروا على منشورات قديمة مع آراء مثيرة للجدل على حسابات التواصل الاجتماعي.

كما هو معتاد في عالم الصحافة الرقمية بالطبع، سرعان ما تم تناقل المنشورات في كل مكان، وبات وجود سابسكي (الذي استقال لاحقاً) كاستشاري لرئيس الحكومة حديثاً هاماً بسبب الآراء التي تم طرحها.

من بين آراء سابسكي المثيرة للجدل، تم التركيز على موضوع ”تحسين النسل“ بالدرجة الأولى، وبالطبع فقد تلقى الموضوع انتقادات كبرى جعلته الأمر المحوري في النقاش. وبالطبع كان هناك العديد من المبالغات وحتى التصريحات الخاطئة حول الأمر، حيث جزم الكثيرون بأن ”تحسين النسل“ ليس ممكناُ أصلاً، بل أنه مجرد خرافة.

على خلفية الجدل حول سابسكي وآراءه، قرر دوكنز (المعروف بكونه مثيراً للجدل أصلاً) الإدلاء برأيه حول الموضوع عبر تغريدة:

إنه أمر ما أن نشجب تحسين النسل على أسس إيديولوجية أو سياسية أو أخلاقية، لكنه أمر مختلف جداً أن نستنتج أنه لن يعمل عند تنفيذه. بالطبع سيعمل. إنه يعمل لدى الأبقار والخنازير والكلاب والزهور، لماذا لن يعمل للبشر؟ الحقائق تتجاهل الإيديولوجيات.

كما هو متوقع على تويتر، سرعان ما احتشد الكثير من المستخدمين الغاضبين من تغريدة دوكنز، واعتبروا هذه التغريدة كتأييد منه لسياسات تحسين النسل. حيث تضمنت الردود نعتاً بأنه نازي وعنصري، كما أن العديد من الردود وصفته بالجهل أو شككت بكون ”معرفته ملوثة بالعلم السيء“.

نتيجة ردود الفعل السريعة، قام دوكنز بالتغريد مجدداً بعد ساعات لشرح ما يقصده تماماً بعيداً عن سوء الفهم:

لأولئك المصممين على عدم الفهم، أن أشجب فكرة سياسات تحسين النسل. قلت ببساطة أن شجبها لا يعني أنها لن تعمل. كما نقوم بمزاوجة الأبقار لتنتج حليباً أكثر، يمكننا مزاوجة البشر ليركضوا أسرع أو يقفزوا أعلى. لكن [معاذ الله] أن ينبغي فعل ذلك.

بالطبع لم تكن التغريدة الثانية كافية لإسكات الردود الغاضبة التي باتت بالآلاف، مما قاد للتغريدة الثالثة ضمن الموضوع:

سياسة تحسين النسل ستكون سيئة. أنا أقاتل الخطوة غير المنطقية من ”X سيكون سيئاً“ إلى ”إذاً X غير ممكن“. [تحديد النسل] سيعمل بنفس آلية عمله على الأبقار. فلنقاتل [تحديد النسل] على أسس أخلاقية. إن أنكرنا الحقائق العلمية الواضحة سنخسر –أو على الأقل نعطل- النقاش.

مقارنة مع التغريدات الأولى، كانت الاعتراضات والاتهامات لدوكنز أقل بكثير بعد هذه التغريدة الأخيرة. لكن بقي الجدل قائماً حول ما هو المقصود حقاً بتحسين النسل، وماذا يعني دوكنز بان تحسين النسل من الممكن أن يعمل.

ما هو تحسين النسل (Eugenics)

أتت التسمية الإنجليزية للكلمة من أساس يوناني بمعنى ”مولود بشكل جيد“. وهذا الأساس يشرح الكثير عن الفكرة القائمة خلف تحسين النسل.

الشكل المتفق عليه لتعريف تحسين النسل هو أنه مزاوجة أو تحديد نسل البشر بهدف الحصول على أشخاص يمتلكون صفات جيدة، وبالتالي جعل البشر يمتلكون ”جينات ذات جودة أعلى“.

من حيث المبدأ يستبدل تحسين النسل السبيل المعتاد للتطو: الاصطفاء الطبيعي، بمقابل آخر: الاصطفاء الصنعي. أي أن اختيار الصفات المرغبة يتم بالمزاوجة للحصول عليها وليس بالصدفة، واستثناء الصفات السلبية يتم بمنع حامليها من التناسل بدل تركزها تزول وحدها مع الزمن بانقراض حامليها.

عادة ما تتضمن أفكار مؤيدي تحديد النسل عدة طرق وأساليب متبعة للوصول إلى ”المجتمع المتفوق جينياً“، وعادة ما تتضمن هذه الطرق المزاوجة حسب الصفات المحبذة والمشجع عليها، وبالمقابل منع تزاوج الفئات التي تمتلك صفات غير مرغوب بها.

ضمن المحاولات التي تمت لتطبيق سياسات تحسين النسل، سرعان ما تحول الأمر من مجرد فكرة علمية بأهداف جيدة نظرياً (مجتمع لا يعاني من الأمراض ويمتلك الصفات المرغوب بها) إلى واقع مرعب ديستوبي تماماً. حيث استمرت الممارسات اللاأخلاقية لتحسين النسل حتى السبعينيات في بعض الأماكن.

تاريخ أفكار وتطبيق تحسين النسل

في الواقع من الممكن لتتبع تاريخ تحسين النسل أن يقودنا إلى آلاف السنوات الماضية، حيث أن هناك سجلات تاريخية منذ عهد اليونان القديمة عن ممارسات سكان مدينة اسبرطة (Sparta) لتحسين النسل.

حيث يعرف عن الاسبرطيين القدماء في عهد اسبرطة المستقلة (بين القرنين السابع والأول قبل الميلاد) أنهم كانوا يرمون الأطفال المشوهين أو الذين يعانون من إعاقات أو يعتبرون ”غير أقوياء كفاية“ في فوهة ضمن جبل تايجيتوس قرب المدينة. وهذا بالطبع نوع بدائي من تحديد النسل.

بالطبع لم تكن اسبرطة الوحيدة، فحتى الفيلسوف الشهير أفلاطون كان قد اقترح التحكم بالتزاوج لإنتاج ”طبقة من الحراس“ بشكل مشابه لما كان يفعله الاسبرطيون نوعاً ما، وبما يشابه أفكار تحسين النسل الحديثة.

في المجتمعات الحديثة، أتت فكرة تحسين النسل مجدداً من قبل العالم الإنجليزي فرانسيس جالتون (Francis Galton)، الذي كان أحد أقرباء أب نظرية التطور عبر الانتقاء الطبيعي: تشارلز داروين. حيث صاغ جالتون مصطلح Eugenics للتعبير عن الممارسة ودرسها.

انتشرت أفكار جالتون بشكل كبير في الشطر الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وقامت العديد من الحكومات بتبني سياسات تحسين النسل عبر عمليات التعقيم القسري لمن يعتبرون غير مرغوب بهم في المجتمع، حيث شمل الأمر من يعانون من أمراض مزمنة أو تشوهات، وكذلك المجرمين ومن يعانون من أمراض واضطرابات عقلية، وبالطبع فئات الأقليات على اختلافها.

معرض عن تحسين النسل والصحة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال العشرينيات
معرض عن تحسين النسل والصحة في الولايات المتحدة الأمريكية خلال العشرينيات

بينما اقتصر الأمر على عمليات التعقيم القسري في معظم البلدان التي طبقت سياسات تحسين النسل، فقد كان التطبيق النازي أشد بمراحل من سواه، وشكل أساس أفكار معسكرات الاعتقال التي استخدمت لتشغيل وقتل الأعداء السياسيين في البداية، ومن ثم الفئات الغير مرغوب بها من وجهة نظر النازيين مثل اليهود والسلاف وغيرهم.

بالإضافة لقتل وتعقيم كل من اعتبروا غير مرغوب بهم، فقد عمل النازيون على بدء برامج تزاوج لمن يمتلكون ”الصفات المطلوبة والمحبذة“، كما شجعوا الشعب الألماني على التزاوج أكثر كونهم من ”العرق الآري المتفوق“.

بعد هزيمة النازيين في الحرب العالمية الثانية، سرعان ما انحدرت شعبية أفكار تحديد النسل، حيث أن ارتباط الممارسة بالنازيين من جهة، والنواحي الأخلاقية جعلت هذه الممارسة مكروهة للغاية ولو أنها لم تزل تماماً، بل أنها استمرت لعقود تالية في الواقع.

في الواقع، استمرت عمليات التعقيم القسرية لعقود بعد هزيمة النازيين، حيث لم تتوقف في السويد مثلاً حتى عام 1976، بينما لم تحظرها الولايات المتحدة حتى عام 1978. وحتى اليوم لا يزال آلاف ضحايا عمليات التعقيم القسرية هذه أحياء.

هل من الممكن لعملية تحسين النسل أن تعمل على البشر حقاً؟

الجواب البسيط هو: نعم دون أدنى شك. حيث أن الغالبية العظمى من صفاتنا هي صفات موروثة تحددها جيناتنا، وهذا يعني أننا كما الكائنات الحية الأخرى عرضة للانتقاء الصنعي (تحسين النسل) تماماً كما نحن عرضة للانتقاء الطبيعي.

في الواقع جميع الحيوانات والنباتات التي يستخدمها البشر اليوم ناتجة عن تحسين النسل للتركيز على صفات ”مرغوب بها“. حيث أننا صنعنا ذئاباً أصغر وأكثر ودية هي الكلاب اليوم، كما أننا صنعنا نباتات أكثر مقاومة للأمراض وأسرع بإنتاج الثمار وأقل حاجة للمياه.

نفس المبادئ التي تم تطبيقها على النباتات والحيوانات قابلة للتطبيق على البشر، وبالتالي من الممكن نظرياً صنع بشر مع ”صفات مرغوبة“ محددة، لكن تحديد هذه الصفات المرغوبة أمر آخر تماماً.

في حال كانت ”الصفات المرغوبة“ هي طول القامة مثلاً، فمن الممكن منع القصار من التناسل، ومزاوجة الأشخاص طوال القامة معاً. وكون طول القامة كما لون الشعر والبشرة وحتى الذكاء (جزئياً على الأقل) أمور وراثية، فمن الممكن لهذه الممارسات غير الأخلاقية أن تجعل البشر عموماً أطول بشكل كبير بعد عدة أجيال.

بالطبع فكون الأمر ممكناً لا يعني بأنه جيد أو أخلاقي أو مرغوب به، لكنه ببساطة ممكن فقط. وتماماً كما أن قتل شخص باستخدام مطرقة ممكن لكن خاطئ، فتحسين النسل للبشر ممكن، لكنه غير أخلاقي أبداً.

ماذا عن المشاكل الموجودة عند تطبيق تحسين النسل أصلاً؟

في حال أزلنا الاعتراضات الأخلاقية الكبرى على تحسين النسل، ونظرنا إلى الأمر من ناحية عملية حصراً، من الممكن ملاحظة عدة مشاكل أساسية دون شك. حيث يكفي أن ننظر إلى محاولات البشر لتحسين نسل الحيوانات والنباتات والمشاكل التي نتجت عن الأمر.

عموماً يمكن النظر إلى بعض هذه المشاكل على الأقل:

تصغير الحوض الجيني وبالتالي تقليل مقاومة الأمراض

مع كل وباء جديد يصيب أي صنف من الكائنات الحية، عادة ما يكون هناك أفراد أو جماعات جينية مقاومة لهذا المرض، وحتى عندما ينجح المرض بالقضاء على الكثيرين فمن النادر أن يقتل مرض واحد جميع أفراد النوع في حال كان هناك اختلافات وتنوعات كافية.

موز Big Mike الذي كان منتشراً في الخمسينيات قبل أن يتسبب انتشار المرض بانقراضه بشكل شبه كامل.
موز Big Mike الذي كان منتشراً في الخمسينيات قبل أن يتسبب انتشار المرض بانقراضه بشكل شبه كامل.

واحدة من الأمثلة المعروفة على مشاكل مقاومة الأمراض عندما يكون الحوض الجيني المتاح صغيراً هي ما حدث للموز في الخمسينيات، حيث كان صنف الموز الشائع حينها هو Big Mike إلي يمتلك قشوراً سميكة نسبياً كما أنه أكبر حجماً وذا طعم أفضل من الموز الحديث.

نتيجة انتشار مرض بنما (Panama Disease) في الخمسينيات، تلفت معظم النبتات المنتجة لموز Big Mike، وخلال سنوات بات هذا الصنف شبه معدوم الوجود ليتم استبداله بصنف جديد باسم كافندش (Cavendish) وهو صنف الموز الحالي، لكن هذا الصنف الجديد مهدد بسلالة متطورة من مرض بنما، ربما تقضي عليه مجدداً وتجبرنا على الانتقال لصنف جديد من الموز إن كان ذلك متاحاً أصلاً.

في حال تطبيق سياسات تحسين النسل، فمن الممكن أن يتسبب إنقاص التنوع الجيني بتقليل مقاومة البشر للأمراض، وبالنتيجة يكون هناك تأثير عكسي بجعل البشر أضعف وأقل قدرة على العيش في الطبيعة.

زيادة احتمال الأمراض والمشاكل الوراثية

بين 20 إلى 40 ألف عاماً مضت، بدأ البشر بترويض الذئاب التي تمتلك بعض الإنسة، ومن ثم مزاوجة هذه الذئاب لتحويلها إلى الكلاب التي رافقت مسيرة البشر لآلاف السنين.

مع الوقت ازداد الاهتمام بمزاوجة الكلاب وتهجينهم أكثر وأكثر، وبالنتيجة بات هناك العديد من الأنواع والسلالات المختلفة منها. لكن بالنظر إلى هذه السلالات العديدة من الممكن ملاحظة العديد من المشاكل الكبرى التي لم تكن بالحسبان.

كلاب French Bulldog تحتاج لعملية قيصرية في أكثر من 80% من عمليات الولادة، والسبب هو التهجين المستمر للحفاظ على "العرق الصافي".
كلاب French Bulldog تحتاج لعملية قيصرية في أكثر من 80% من عمليات الولادة، والسبب هو التهجين المستمر للحفاظ على ”العرق الصافي“.

بين السلالات الحالية للكلاب هناك العديد من المشاكل الصحية الوراثية التي تم تركيزها نتيجة محاولات تحسين النسل باتجاهات معينة، ومع أنها ليست موجودة بالضرورة في جميع الكلاب من سلالة ما، فهي شائعة كفاية لتشكل خطراً معروفاً، وتتضمن هذه المشاكل:

  • صعوبة تخثر الدم وسهولة النزيف والرض.
  • الحساسيات الجلدية تجاه العديد من المواد المختلفة.
  • مشاكل ضعف المناعة، أو بشكل معاكس اضطرابات المناعة الذاتية ومنها داء السكري.
  • التهابات الدماغ و”الاعتلال النخاعي“ التي تسبب اضطرابات سلوكية أو حركية وحتى الشلل والموت.
  • فقدان البصر والسمع الكامل أو الجزئي، وبشكل أكثر انتشاراً: الفقدان التدريجي بحيث تكون الكلاب المسنة عمياء أو صماء تماماً.
  • الاضطرابات القلبية التي تسبب حالات الموت المفاجئ.
  • السرطانات بمختلف أنواعها.
  • مشاكل المفاصل التي عادت ما تقود لسهولة خلع الأطراف الخلفية، وحتى التهاب المفاصل. وهي شائع بشدة في الكلاب كبيرة الحجم.

جميع المشاكل السابقة ناتجة عن التركيز على التزاوج للوصول إلى صفات معينة مطلوبة، هذه الصفات تتنوع حسب سلالات الكلاب، وقد تكون الحجم الأكبر أو الأصغر، الشعر الطويل أو غياب الشهر أصلاً، الشراسة أو الود. لكن النتيجة المشتركة هي أن الحد من الحوض الجيني سيزيد من احتمال الأمراض الوراثية والمشاكل الصحية الكبرى في البشر تماماً كما حصل مع الكلاب.

صعوبة تعريف الصفات المرغوب بها أصلاً

بالنسبة للنازيين أو العديد من الحكومات التي حاولت تطبيق سياسات تحسين النسل، دائماً ما كان الغرض هو الوصول إلى مواصفات مفضلة ومحبذة على سواها.

عندما نقوم بتحسين نسل النباتات مثلاً، فنحن نريد الحصول على ثمار أكبر أو أكثر تغذية ربما، وفي بعض الحالات قد نريد سلاسة مقاومة لمرض معين أو قادرة على النمو ضمن بيئات أصعب في حالات نقص المياه أو ملوحة التربة مثلاً.

بالنسبة للحيوانات يكون الأمر سهلاً كذلك، فمن المنطقي التفكير بأننا نريد الحصول على أحصنة تعدو أسرع، وأبقار تنتج حليباً أكثر أو لحماً أسرع، ودجاجاً يبيض أكثر وينمو أسرع بأقل كم ممكن من العلف.

عندما ينتقل التفكير للإنسان يصبح الأمر أصعب في الواقع، فالصفات التي يمكن التحكم به ببساطة بشكل جيني ليست مهمة حقاً لبقاء النوع اليوم، فالطول أو السرعة أو ارتفاع القفزة ليست أموراً أسهل، والصفات الوحيدة التي من الممكن التفكير بها ربما تكون الذكاء ومقاومة الأمراض، وهنا يصبح التحكم بالأمر أصعب في الواقع وربما غير ممكن حتى في ظل معرفتنا الحالية.

عندما قام النازيون بتطبيق سياسات تحسين النسل الخاصة بهم، كان التركيز الأساسي على العرق. حيث اعتبروا أية صفات خارج الصفات التقليدية للشعوب الألمانية غير مرغوب بها. وبالطبع سرعان ما انتقل الأمر للأمراض والتشوهات، حيث كانت الإعاقات تعني التعقيم على الأقل، والقتل في معظم الحالات.

هل نمارس التحسين الجيني على البشر دون أن ندرك ذلك؟

في الواقع نحن نمارس التحسين الجيني طوال الوقت سواء أعجبنا الأمر أم لا، والعديد من التصرفات التي نقوم بها اليوم تعد تحسين نسل بشكل مباشر أو غير مباشر دون شك.

تتضمن هذه الأمور أشياء مثل:

الإجهاض الاختياري للأجنة بناءً على الجنس أو الأمراض أو سواها

لنفترض مثلاً أنك شخص لا يجد مانعاً أخلاقياً عادة من الإجهاض، وعلمت أن طفلك المستقبلي سيعاني من مرض شديد يجعله عاجزاً جسدياً أو ربما يعيش في ألم مستمر، أو حتى يقلل من قدراته العقلية بشكل كبير. هل تعتبر إجهاض هذا الطفل و”المحاولة مجدداً“ قراراً أخلاقياً؟

في العقود الأخيرة طور الأطباء تحاليل جينية ومعاينات للنساء الحوامل تتيح الكشف المبكر لمتلازمة داون (Down Syndrome)، ومن بين النساء اللواتي يكشف كون أجنتهن مصابة بالمرض، أكثر من 90% يقومون بالإجهاض في الواقع.

جنين يشتبه بإصابته بمتلازمة داون.
جنين يشتبه بإصابته بمتلازمة داون.

من حيث المبدأ هذا النوع من الإجهاض الاختياري الموجود والذي يعتبر أخلاقياً تماماً للكثيرين هو نوع من تحسين النسل دون شك. حيث يتم اختيار الأجنة السليمة، فيما تجهض الأجنة التي تعاني من أمراض أو تشوهات معينة سواء كانت متلازمة داون أو سواها.

بشكل مشابه يمكن النظر إلى حالات إجهاض الإناث في الصين بغرض الحصول على أبناء ذكور فقط تحت سياسات الطفل الواحد (قبل إيقافها)، أو الحالة المشابهة في الهند بغرض تجنب دفع ”داوري“ (Dowry) لأهل عريس الابنة المستقبلي.

بنوك السائل المنوي

خلال العقود الأخيرة ازداد اتجاه الكثير من النساء في العالم الغربي للتلقيح الصناعي باستخدام عينات سائل منوي محفوظة في بنوك مخصصة للأمر، وبغض النظر عن أسباب انتشار هذه الظاهرة، فالواقع أنها عملية تحسين نسل دون أدنى شك.

عادة ما تتضمن عمليات اختيار السائل المنوي مراجعة ملفات المتبرعين، وبالطبع تتضمن هذه الملفات معلومات عن طولهم وصحتهم وعملهم بالإضافة لمعلومات أخرى أحياناً مثل معدل IQ ولون البشرة والوزن وغيرها. وبعد مراجعة الملفات تختار النساء عينة لتستخدمها في عملية التلقيح الصناعي للحصول على حمل.

بالطبع عادة ما تختار النساء الملفات الأكثر جاذبية والتي تتضمن الصفات المرغوبة أكثر، فنسبة كبيرة ستختار التلقيح بسائل منوي خاص بعالم أو طبيب مثلاً، فيما قلة أو لا أحد سيريد استخدام عينة ممثل مغمور عاطل عن العمل أو عامل في مطعم مأكولات سريعة مثلاً.

بالطبع فكون نسبة النساء اللواتي يستخدمن هذه الطريقة من الحمل صغيرة من جهة، وكون الكثير من المتبرعين يقدمون معلومات كاذبة أو مبالغاً بها عند التبرع، فالعملية لا تمتلك تأثيرات حقيقية في عالم اليوم، لكن وفي حال كانت مستخدمة أكثر مع معلومات مؤكدة، لكان الأمر عملية تحسين جيني دون أي شك.

اختيار الشركاء العاطفيين أصلاً

عند اختيار الشركاء العاطفيين، دائماً ما يحاول كل طرف الحصول على الشريك الذي يمتلك أفضل مستويات ممكنة من الصفات التي تهمه لكن ضمن المجال الذي سيقبل بالارتباط به أصلاً. وبالطبع لا أحد ينكر أنه يريد الحصول على أفضل شريك متاح له حسب تفضيلاته.

النتيجة الحتمية لعمليات اختيار الشركاء هذه هي أن الأشخاص سيحاولون تحسين نسلهم ضمن النواحي التي يرونها الأكثر أهمية، فيرتبطون بأشخاص يمتلكون مقومات عالية ضمن الصفات المطلوبة، وبالنتيجة يرث الأطفال هذه الصفات ومن ثم يختارون شركاء مشابهين لهم ويورثون الصفات بشكل مركز أكثر للجيل التالي لهم.

هذه العملية تنتج ما نعرفه اليوم باسم السلالات، ففي المجالات التي تحتاج إلى موهبة بالإضافة للتدريب، عادة ما يرث الأطفال مهن آبائهم، ومن ثم يورثونها للأجيال التالية.

بالطبع ونتيجة اهتمامات البشر المختلفة، وكون المجتمعات تتغير بسرعة مع استمرار قوة التأثير الاجتماعي على الأفراد، فاختيار الشركاء وحده غير قادر على صنع ”نسل محسن“ بشكل حقيقي، أو أنه يفعل ذلك في حالات خاصة فقط. لكن الواقع هو ان الجميع يسعون لتحسين النسل الخاص بهم ولو لم يدركوا ذلك حقاً.

التحسين الجيني على الواجهة من جديد

فكرة تحسين النسل وتصميم الأطفال حسب الطلب.
فكرة تحسين النسل وتصميم الأطفال حسب الطلب.

في السنوات الأخيرة ازداد تعقيد النقاش حول التحسين الجيني أكثر من أي وقت مضى، فمع تقنيات التعديل الجيني الحديثة، بدأنا نقترب من إمكانية صنع ”أطفال مصممين حسب الطلب مثلاً“، أو على الأقل تعديل جينات الأطفال للتخلص من جينات تتسبب بأمراض مثلاً، أو لإضافة جينات تجعلهم أقوى بدنياً أو أكثر ذكاءً ربما.

حتى اليوم لا يزال الحديث عن تخصيص الأطفال وتغيير جيناتهم حسب الحاجة فكرة غير محببة للغالبية العظمى من الأشخاص لأسباب أخلاقية، لكن مع الوقت قد تتغير الأمور والمواقف كما تغير الموقف من الإجهاض مثلاً، وكما باتت فكرة إجهاض طفل مصاب بمتلازمة داون اليوم هي ”التصرف الأخلاقي“ بنظر الأغلبية بعدما كانت أمراً غير أخلاقي أبداً في الماضي.

في حال وصلنا إلى تقنية تسمح باختيار صفات الأطفال قبل التلقيح مثلاً، ربما يصبح ”التصرف الأخلاقي“ هو اختيار أفضل صفات ممكنة لهؤلاء الأطفال بنظر البعض، وهنا قد نقع في مشكلة حقيقية.

ماذا سيحدث إن أصبح التعديل على الأطفال متاحاً لكنه يكلف مبالغ طائلة من المال؟ الجواب هو أن الأثرياء سيصنعون أطفالهم المثاليين، وبالمقابل سيكون الفقراء عاجزين عن ذلك. وخلال جيل واحد أو عدة أجيال على الأكثر ستتحول الفروق الطبقية الاعتباطية إلى فروق حقيقية جينية بين فقراء هم بشر معتادون، وأثرياء أشبه ببشر خارقين مع ميزات تجعلهم أفضل من البقية.

فكرة هذا النوع من الطبقية تبدو أشبه بشيء قادم من رواية دستوبية مثل ”عالم جديد شجاع“ ربما، لكن التطور العلمي الحالي ينذرنا بأننا بحاجة للنقاش بالأمر دون شك، وربما الوصول إلى إجماع بشكل او بآخر حول مدى أخلاقية هذا النوع من التعديلات الجينية المحتملة.

هل دوكنز مخطئ بما قاله؟

بمعرفة الواقع حول فكرة تحسين النسل ومن منظور علمي، فقول دوكنز بأن التحسين الجيني ممكن أمر صحيح تماماً، ولا يمكن الجدل معه دون الوصول إلى إنكار علم الجينات بحد ذاته (وهذا ما فعله بعض المتحمسين برغبتهم لإظهار دوكنز كنازي).

بالطبع يبقى السؤال دائماً هو الأخلاقيات المتعلقة بالأمر، حيث أن هناك اختلافاً كبيراً بين كون شيء ما ممكناً وكونه صحيحاً. فأنت تستطيع إحراق مبنى باستخدام بعض الوقود مثلاً، وتستطيع استخدام سكين لطعن أحدهم، لكن كون هذه الأشياء ممكنة لا علاقة له أبداً بكونها أخلاقية أو من الواجب القيام بها، والقفز من كون شيء ما غير أخلاقي ووصفه بأنه غير ممكن ليست أمراً جيداً أبداً.

بالنسبة للعلم والحقائق لا مكان للأخلاقيات حقاً، فالعلم لا يعطي أي أساس أو حتميات أخلاقية، وكل ما يثبته هو مجرد مفاهيم مجردة يمكننا استخدامها لبناء مواقفنا الأخلاقية. كون التحسين الجيني ممكناً هو حقيقة، وبناءً على هذه الحقيقة من الممكن لشخص عنصري أن يرى إبادة الأعراق الأخرى أمراً مبرراً، بينما يمكن للشخص الذي يمتلك الحد الأدنى من التعاطف أن يبني موقفاً ضد هذا النوع من التحكم الإضافي بحياة الأفراد.

المجال الأجدر للنقاش في أمور مثل التحسين الجيني هو الأخلاق وربما السياسة، لكن من حيث العلم فالأمر محسوم ولا يفيد أن نحاول إنكار كون الأمر مفيداً، فالسلاح قادر على قتلك سواء صدقت حقيقة قدرته أم أنكرتها.