علوم

دراسة جديدة تؤكد على أن الإرهاق والتعب المستمر مرضٌ حقيقيٌ

الإرهاق والتعب المستمر

يعاني الملايين حول العالم من ”متلازمة الإرهاق المزمن“، هذا المرض الذي ظل مربكا وغامضا لعقود من الزمن، ولم يكن ممكنا حتى تشخيصه بصورة ملائمة، فما بالك بإيجاد علاج له.

أخيرا تمكن العلماء من تعقب بعض المؤشرات الحيوية التي على علاقة بهذه المتلازمة، ويعد هذا الأمر إكتشافا عظيما ومذهلا لأنه يعني بأن إختبار تحليل الدم لتشخيص دقيق لهذا المرض بات يلوح في الأفق.

تعتبر متلازمة الإرهاق المزمن (ويطلق عليها أيضا إسم ”إلتهاب الدماغ والنخاع العضلي Myalgic Encephalomyelitis، ME/CFS) إحدى أكثر الحالات الطبية المحيرة والمربكة، ومن أعراضها الأساسية الإرهاق والتعب المستمر وغير المبرر الذي قد يدوم لأشهر وربما سنوات، والذي قد يدفع حتى ببعض الأشخاص إلى تقلص مجهوداتهم اليومية إلى مجرد الإستلقاء على السرير.

يعاني 2.6 بالمائة من سكان العالم من هذا المرض، إلا أن التنوع الكبير للأعراض المصاحبة له جعل من تعقبه وتشخيصه أمرا مستحيلا، حتى أن البعض من ذوي الإختصاص استسلم للتصديق بأنه حالة نفسية وليس مرضا حقيقيا.

الإرهاق والتعب المستمر

صورة: Naomi August/Unsplash

لكن الأشخاص المصابين به يشكون كذلك من أعراض مشابهة لأعراض الزكام، بالإضافة إلى آلام مختلفة في الجسم مما دفع العلماء إلى التفكير بأنه قد تكون له علاقة بالجهاز المناعي أو الالتهابات.

ومن الأمور التي صعبت من إيجاد تشخيص مناسب له هو أن المؤشرات الحيوية المستعملة من طرف الأطباء لتشخيص حالات الإلتهابات هي ليست دائما مرتفعة عند المصابين بالإرهاق المزمن، حيث دائما ما تعود هذه التحاليل المخبرية لهؤلاء بنتائج مربكة تبعدنا عن التوصل إلى تشخيص مناسب لهذه الحالة.

إلا أنه يوجد هناك ما يقارب 100 مؤشر حيوي على العلماء تعقبها، خاصة إذا دققوا البحث في الجزيئات التي تتدخل في التحكم بالإلتهابات، وتعرف هذه المؤشرات بـ”Cytokines“ وهي أحد أنواع البروتينات البسيطة التي تتدخل في عملية تنبيه الجهاز المناعي.

وبالإستناد إلى هذا، نجح فريق علماء في كلية الطب بجامعة ”ستانفورد“ بالبحث عن اختبار فحص دم أدق لتشخيص متلازمة الإرهاق المزمن، حيث قاموا بتمييز 17 ”سيتوكين“ يتدخل في حدة وشدة أعراض هذه المتلازمة.

قام الفريق بمسح عينات دم تابعة لـ186 شخصا مصابا بالإرهاق المزمن وقارنوها بعينات دم 388 شخصا سليما، مع التدقيق في مستويات 51 سيتوكين مختلف.

كانت مستويات واحد فقط من هذه cytokines -مؤشر نمو الورم ”بيتا“- مرتفعة جدا لدى جميع المصابين بهذه المتلازمة، إلا أن العلماء اكتشفوا كذلك 17 سيتوكين يمكن استعماله لتعقب المرض وشدته، حيث أظهرت تحاليل الدم الكثير كثافة كبيرة لهذه cytokines في عينات الأشخاص الذين عانوا من هذه المتلازمة لمدة طويلة والتي كانت أعراضها قوية عندهم.

ومن بين الجزيئات الـ17 وجد العلماء أن 13 منها كان معروفا بتسببه في الإلتهابات، مما يدعم فرضية أن متلازمة الإرهاق المزمن هي مرض إلتهاب.

يقول كبير الباحثين في جامعة ستانفورد ”مارك دايفيس“: ”لطالما كان هذا المرض -متلازمة الإرهاق المزمن- محاطا بهالة من الإرباك والشكوك والتناقضات، وصلت إلى حد نفي كونه مرضا فعليا“، ويضيف: ”تظهر نتائج بحثنا وتؤكد على أنه مرض التهاب، كما نجحت في تقديم اختبار فحص دم من شأنه تشخيص هذا المرض بدقة“.

والآن، كل ما نعرفه هو أن هذه الدراسة أظهرت علاقة بين مستويات السيتوكين والمتلاومة، إلا أننا لا نعرف بالتحديد إذا ما كانت هناك بسبب الأعراض فقط.

ورغم ذلك، إلا أن هذه المؤشرات قد وضعت على الأقل حدا للأساطير والخرافات التي كانت تكتنف متلازمة الإرهاق المزمن.

صرح ”خوزيه مونتويا“ رئيس فريق البحث في جامعة ستانفورد لشبكة ”NPR“ الاخبارية: ”لطالما كان هذا الميدان مليئا بالشكوك وسوء الفهم، كما إتهم فيه المرضى باصطناع مرضهم هذا“، ويضيف: ”تظهر هذه البيانات عكس ذلك تماما، كما تُبين ما يمكن التوصل إليه من خلال المزاوجة بين مبادئ البحث الحديثة والتكنولوجيا“.

ليس فحص الدم المشخِّص هو ما يتطلع إليه المصابون بهذا المرض فقط، بل أن العلماء يلمحون حتى إلى إمكانية اختبار بعض الأدوية المناعية التي يعتقدون أن بامكانها تمثل علاجا جديدا لهذه الحالة.

وتنضم هذه الإكتشافات الحديثة إلى سابقاتها في هذا المجال، حيث كانت إحدى الدراسات التي أجريت في العام الفارط قد إكتشفت نشاطات إستقلاب -معدل حرق السعرات الحرارية- غير طبيعية لدى المشخّصين بهذه المتلازمة، وفي وقت سابق هذه السنة، إكتشفت دراسة حديثة أخرى أن المصابين بمتلازمة الإرهاق المزمن كانت لديهم مستويات غير طبيعية من نوع معين من بكتيريا الأمعاء.

لقد ساهمت كل هذه الجهود السابقة في تطوير فهمنا حول هذه الحالة التي شاعت تسميتها بالمرض الخيالي، ولنأمل أن يتوصل العلماء كذلك إلى حل علاجي لها قريبا.

المصادر

عدد القراءات: 2٬291